سياسة
الرياضة و السياسة.. من أجل علاقة أخرى

الصادق بنعلال
مما لا شك فيه أن ارتباط الرياضة كتنافس فني حضاري بالسياسة كتدبير مؤسسي للحياة المجتمعية يضرب في القدم ، و بالتالي فإن تصور فصل نوعي بينهما في المدى القريب أو البعيد ضرب من الوهم و أقصى ما يمكن انتظاره من المسؤولين و الخبراء و المعنيين بالشأن الرياضي عالميا ، هو ممارسة وظيفتهم في مسعى تظافر الجهود للتخفيف من وطأة الثقل السياسي على المعطى الرياضي العام . صحيح أن الأنظمة الشمولية و الاستبدادية و ما أكثرها ، تجد في الميدان الرياضي مجالا خصبا للدفاع عن وجودها ، و فرض إرادتها في الهيمنة و الاستحواذ على السلطة بشكل سافر ، إلا أن دولا تحظى بممارسات ديمقراطية عريقة لم تخل من مسلكيات سياسوية ضيقة ، راهنت على الفعل الرياضي و نيل الحظوة من الجماهير الغفيرة للوصول إلى مناصب الحكم .
و على الرغم من تقديرنا البالغ لكبار المثقفين و رجال الفكر الذين طالما نبهوا إلى مخاطر الفعل الرياضي الذي قورن في غالب الأحيان بمخدر مدمر للشعوب ، يلهيهم عن خوض غمار المطالب السياسية العميقة ، و السعي إلى تحسين الأوضاع المادية و المعنوية ، إلا أن الواقع العالمي الراهن يبرهن بجلاء أن الرياضة أضحت مكونا محوريا في الدورة الاقتصادية ، و الحركة التنموية للدول و المجتمعات ، مما يعني أن بلدا يتوق نحو إقلاع حضاري ، لا يمكن إلا أن يأخذ بعين الاعتبار المنجز الرياضي كعماد قوي من الأعمدة الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية .. لكن في نسق سياسي سليم يروم بلورة تجربة مجتمعية شاملة و طموحة ، بعيدا عن التوظيف غير الشريف للبرامج الرياضية الرفيعة في أغراض و مصالح آنية و مكلفة .
لا ندعو إلى الحجر على رجل السياسة ، و منعه من ممارسة حقه الدستوري في الانضواء إلى مختلف الأنشطة الاجتماعية و على رأسها الرياضة ، إلا أننا نلح في الآن عينه على ضرورة عقلنة هذا الحقل بالغ الخطورة ، و التوقف عن النظر إليه كخزان لا ينضب من منسوب الأصوات الانتخابية ، خاصة في ظل تراجع الهيئات الحزبية عن دورها في تأطير المواطنين و توعيتهم و تمثيلهم على الوجه الأمثل . إن إصرار عدد غير قليل من رجال السياسة العرب خاصة ، و اختراقهم لمكاتب أندية كروية رائدة ، من شأنه أن يقوض العملية السياسية برمتها ، لأن الرياضة مجال للانتماء الرمزي و المساندة الوجدانية و التعبير العفوي عن احتقان ذاتي / جماعي ، و لحظة للاحتفال و الإحساس بسعادة روحية متخيلة ، أما السياسة فهي تدبير فعلي ملموس للشأن العام يطغى فيه تضارب المصالح و احتدام الصراعات حد التناقض بين ” ممثلي ” الشعوب .
مما يستدعي التذكير مرة أخرى بأن التدبير السياسي يجب أن يظل مقتصرا على رسم استراتيجيات محكمة البناء ، و التخطيط الكفء للرفع من مستوى الأداء الرياضي أثناء المنافسات الوطنية و الدولية ، لما يلعبه التفوق الرياضي من دور محوري في نشر قيم التآزر و التسامح و الأخوية ، و لن يتأتى ذلك إلا عبر استنبات وضع سياسي مدني يكون في خدمة الرياضة كفن نبيل ، و من خلال توفير بنيات تحتية متقدمة ، و أطر ذوي خبرة عالية و تكوين علمي يخضع للمقاييس المتعارف عليها أمميا ، على أمل أن يتم في مستقبل ” قريب ” ذلك الفصل الإيجابي الذي يمنح السياسة و الرياضة إمكانية تجسيد فضاء مجتمعي متضامن و فعال .