مقالات الرأي

وزير العدل المغربي ومنطق الاستقالة

 

الصادق بنعلال:

“أَنَا ابنُ جَلَا وطَلَّاعُ الثَّنَايَا
متَى أَضَعُ العِمامَةَ تَعرِفُوني”

1 – أحببت أن أستهل هذا المقال القصير بهذا البيت الشعري الذي استشهد به الحجاج بن يوسف الثقفي في خطبته الأولى بعد أن ولاه عبد الملك بن مروان العراق، وهو في الأصل بيت شعري من قصيدة للشاعر العربي المخضرم سحيم بن وثيل، قد خصصها للفخر بمكانته الشعرية وقيمته الأدبية الرفيعة ومقامه السامي، والرد على بعض خصومه من الشعراء الذين كانوا يسعون إلى التقليل من إشعاعه الفني.. ولئن كان هذا الشاعر قد أعلن تفوقه الأخلاقي والاجتماعي والشعري أمام منافسيه وهو يملك عناصر هذا التفوق ومحددات نجاحه غير المشكوك فيه، فماذا نقول عن الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة السيد عبد اللطيف وهبي، الذي لا يتوقف بمناسبة وبدون مناسبة عن استخدام ضمير المتكلم المفرد “أنا” بشكل شبه مرضي؟ وبالعودة إلى تصريحاته المصورة وما أكثرها نلاحظ أنه لا يتوانى عن التبجح والاعتزاز بالنفس والاستهانة بالآخرين، حتى لو كانوا صحفيين يمارسون عملهم باحترام وحياد! وهنا أستسمح القراء الأعزاء أن أستعرض عليهم بعض ما صرح به “وزير العدل والأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة” في الحكومة المغربية الحالية قبل “الاستوزار” وبعده ليدركوا أن بعض مسؤولينا السياسيين ولا أقول كلهم، لا يعانون فقط من جهل مدقع لواقع المجتمع المغربي و المطالب والتطلعات التي  ينشدها، ونقص في القدرة على التواصل الإيجابي الفعال مع الشرائح الاجتماعية المختلفة، بل إنهم يفتقرون وبصورة بالغة الحدة إلى الكفاءة الثقافية والقيمية بمعناها الإنساني الكوني! فإليكم بعض هذه الخرجات – السقطات التي “تألق” فيها هذا الوزير:

 

2 – أنا أولا لا أصلح أن أكون وزيرا

– إذا لم نكن الأولين في الانتخابات أنا لن أكون وزيرا

– أنا أمين عام لحزب الأصالة والمعاصرة الحزب العتيد والكبير لن أقبل أن يترأسني أمين عام آخر

– أنا لا أرد على النكرات (و”النكرة” هنا أحد أعضاء حزب التجمع الوطني للأحرار!)

– أنا دائما وفيٌّ لمواقفي!

– أنا لم أستطع فهم السيد عزيز أخنوش، هل يريد أن أشتغل عنده، أم يريد أن أشتغل معه؟ فليجب على هذا السؤال ثم آنذاك يمكن أن نشتغل!

– “أنا وزير عدل على رأس كل شيء، ما هو دوري؟ هو الأمن هو المحاكم، يعني المؤسسات كلها تشتغل معي.. أنا أعرف حتى لون جواربك!  موجها كلامه لموظف مغربي بسيط؛ مدير إقليمي لوزارة الشباب والثقافة والتواصل بتارودانت”

3 – إن قراءة خاطفة لهذه “الفتوحات الإعلامية” تجعلنا نستنتج دون عناء أن وزير العدل المغربي السيد عبد اللطيف وهبي غير منسجم مع ذاته و “مواقفه التي لا يتراجع عنها”، بحيث ضرب بعرض الحائط كل مزاعمه وترهاته وخزعبلاته بمجرد أن تمت المناداة عليه ليكون ضمن الحكومة الجديدة ، إثرها بلع لسانه، وقبل دون قيد أو شرط أن يكون وزيرا رغم أنه اعترف بعدم صلاحيته لهذه المهمة، وارتضى أن يكون وزيرا رغم أن حزبه لم يتصدر الانتخابات، وأضحى و هو أمين عام لحزب “كبير وعتيد” وزيرا يترأسه أمين عام آخر، وللإشارة فقد كان عبد اللطيف وهبي يشكو من عدم معرفته “للنوايا الغامضة غير الواضحة” لرئيس الحكومة السيد عزيز أخنوش !لا بل إن غروره غير المحدود أفضى به إلى أن يعلن أمام الملأ باعتباره وزيرا للعدل، فإن كل المؤسسات “تشتغل معه”، مما يجعله قادرا على أن “يعلم السر وأخفى”، وهو الكلام الذي لم يصدر عن أي مسؤول سياسي مغربي سابق.

4 – وفي ظل الحديث الحماسي غير المسبوق عن ” النموذج التنموي الجديد” وفي سياق “بلورة” مشروع “حكومة الكفاءات والدولة الاجتماعية”، كان يفترض أن تكون لدينا حكومة وطنية بالمعنى الجذري والثوري للكلمة، حكومة تتألف من خبراء ومختصين حقيقيين وأصحاب مشاريع جادة وذات مصداقية، قابلة للاستنبات في التربية المجتمعية المغربية، بعيدا عن الهرطقة والغوغائية والمقامرة غير المحمودة بأمن واستقرار وتقدم الوطن الذي نسكنه ويسكننا، وفي هذا المضمار لا يسعني إلا أن أقول إن بعض “وزراء” حكومتنا الموقرة عليهم بتقديم استقالتهم اليوم قبل الغد، لأنهم ليسوا في مستوى تحمل مسؤولية خدمة شعب يطمح إلى الأفضل والأرقى سياسيا واجتماعيا ..

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

لا يمكنك نسخ هذا المحتوى

إغلاق