سلايدر الرئيسيةسياسة

محمد الشرقاوي، أستاذ تسوية النزاعات الدولية بأمريكا يكتب عن “الصفقة الجديدة” بين ترمب والمغرب

محمد الشرقاوي.. أستاذ تسوية النزاعات الدولية في جامعة جورج ميسن في واشنطن.
المقال الأول:
قضيتُ أغلب أمس (الخميس) في مقابلات تلفزيونية مع دوتشفيله والحرة وغيرهما في توضيح ما أعتبره منطقة رمادية تنتابها الضبابية في تأويل، وليس بالضرورة تفسير، الموقف المغربي بقبول إعادة فتح مكتب الاتصال الإسرائيلي وبدء حركة الطائرات بين الدار البيضاء وتل أبيب. وأيضا تحديد القيمة الحقيقية للإعلان الرئاسي Presidential Proclamation الذي وقعه الرئيس ترمب، وما يعنيه، وضعف دلالته القانونية والسياسية في السياق الأمريكي لسهولة إلغائه نظرا لكونه مجرّد “أداة عملية” في السياسة العامة، ويعدّ أمرًا #رمزيا أو #احتفاليا. ولا يرقى إلى مستوى #معاهدة أو #صيغة_قانونية_ملزمة يقرّها مجلس الشيوخ في الكونغرس.
لكن الإعلام الأمريكي وأيضا الإسرائيلي هرولا معا إلى اعتباره #تطبيعا_كاملا على غرار التطبيع الإماراتي الإسرائيلي. وأوضحتُ أيضا أن ما يقدمه الرئيس ترمب بمثابة ملعقة تجتمع فيها جرعتان مختلفتان: #جرعة_حلوة_التذوّق بعزمه فتح قنصلية أمريكية في الداخلة قد يروّج لها مسؤولو الخارجية والجهات المركزية بأنها فتح مبين في استمالة الموقف الأمريكي، و #جرعة_علقمية_المذاق تحشر مشروع التطبيع مع إسرائيل في حلق المغرب عنوة، فيما يثير ترمب لعابهم السياسي بتقديم “اعتراف” أمريكي بمغربية الصحراء في هذه المرحلة. ومما يزيد في تحلية الصفقة قبول واشنطن بدء المحادثات بشأن تزويد المغرب أربع طائرات من دون طيار.
لا يكمن قياس ما يعد به ترمب المغاربة بقنصلية في الداخلة، بل في ما إذا كانت واشنطن ستضع ثقلها لاستصدار قرار في مجلس الأمن في نيويورك. وينبغي أن يستحضر المرء أن هذا الغزل السياسي مع الرباط لصالح نتنياهو يأتي قبل #أربعين_يوما من موعد تسلم بايدن الرئاسة، وتولي ليندا توماس غرينفيلد منصبها على رأس البعثة الأمريكية في الأمم المتحدة، والتي ستوضح مجددا أن موقف واشنطن يدعم #مبدأ_تقرير_المصير، ويحث جميع الأطراف: المغرب والبوليساريو والجزائر على التفاوض #بحسن_نية_ودون_شروط، كما جاء في تقرير مجلس الأمن 2548 الصادر قبل أربعين يوما.
لكن أمّ المفارقات أن تنشر صحيفة هاآرتس مقالة تحليلية بعنوان #السلام_مقابل_السلام؟ #صفقة_إسرائيل_المغرب_هي_احتلال_مقابل_احتلال.Peace for Peace? Israel-Morocco Deal Is Occupation in Exchange for Occupation ولا يخفى المعنى المقصود بموازنة الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية مع ما تعتبره الصحيفة “الاحتلال” المغربي للأراضي الصحراوية. وتقول هاأرتس إن “احتمال أن يهتم أي شخص في إسرائيل بحق الصحراويين في تقرير المصير بالطبع أقل من الصفر.” لكن المسألة ليست الصحراويين كما تقول الصحيفة، “ولكن حقيقة أن إسرائيل، الدولة الفتية التي تأسست على أساس الاعتراف الدولي بحقها في تقرير المصير ، تنضم مرة أخرى إلى الحركة التاريخية لأولئك الذين يرغبون في تخريب وتفكيك النظام متعدد الأطراف.”
ربما فكّر المسؤولون في الرباط مليّا في ما كانوا سيقدمون عليه مع ترمب ونتنياهو خلال العامين الأخيرين بمنطق الصفقات والمكاسب مقابل التنازلات. لكن ما لم يمر في خلدهم على ما يبدو أن يذهب الخطاب الإسرائيلي إلى حدّ اعتبار الوجود المغربي في الصحراء مساويا للاحتلال الإسرائيلي لفلسطين.
لا تدعوا لُعابكم يسيل بانتظار القنصلية، فينسيكم سموما أخرى في “هدية” ترمب!
المقال الثاني:
سي بوريطة، لا يستقيم الترويج للسياسة الخارجية بالوقوف عند #ويلٌ_للمصلين، ولا النفخ في قِربة #الخصوصية!
مع احترامي لحرص وزير الخارجية المغربية ناصر بوريطة على أهمية ما يقرأه في حديث الرئيس ترمب بشأن “دعم” السيادة على الصحراء أو أنه “حدث تاريخي”، فإن ثمة وجها آخر للعملة لا يمكن تغييبه أو تغطيته بالغربال، وهو #مدى_قبول_الرباط بضغوط البيت الأبيض ومكتب ناتنياهو في معركة دبلوماسية منذ عامين على الأقل، قبل أن يعلن ترمب نيته إصدار الإعلان الرئاسي.
مهما نفخ السيد بوريطة بكل نَفَس ممكن في الغيطة، وقَرَعَ على وجه الطبل بما ملكت عضلات يمينه، وارتفعت الاحتفالية في الرباط في زفّ خبر القنصلية الأمريكية “الموعودة” في الداخلة، فلن يغطي هذا المسعى على اهتمام الحكومات والشعوب عبر العالم بالسؤال الأكبر: ما هو الثمن الحقيقي الذي يدفعه المغرب إلى رئيس منصرف من البيت الأبيض بعد خمسة أسابيع يصرّ على أكبر عائد من صفقاته، وإلى رئيس وزراء في تل أبيب يحرص على الكسب الأحادي ويجمع “روندا” و “ميسا”، من خلف صفقات ترمب وتخريجات #اتفاقات_أبراهام، في اختراق مواقف المعارضة للتطبيع وجرّ أرجل العواصم العربية تباعا للصعود إلى القطار المتحرك من الخليج إلى المحيط.
وإذا كان السيد بوريطة يعي ما يقول، فله العذر إنْ كان لا يعلم، لكن إذا كان يعلم أو أن من بين مستشاريه من لوّح بخطر المجازفة، فتلك طامة كبرى: أي #إعلان_رئاسي أو presidential proclamation ليس presidential decree مرسوما رئاسيا. ولا يتمتع الإعلان الرئاسي بقوة القانون الأمريكي ولا القانون الدولي ما لم يصدّق عليه أعضاء مجلس الشيوخ في مقر الكونغرس، بل ويمكن لأي قاض فيدرالي إلغاؤه بحكم قضائي، كما حدث عام 2017 عندما قرر ثلاثة قضاة فيدراليين إلغاء الإعلان الرئاسي لترمب نفسه بمنع سفر مواطني سبع دول ذات أغلبية مسلمة من السفر إلى الولايات المتحدة.
هناك فرق شاسع بين القراءة الموضوعية والإسقاطات السخية التي تتولد من شدة الشوق لأي إيماءة من إحدى الدول العظمى يمكن اعتبارها نجاحات دبلوماسية أو مكاسب استراتيجية. ولا يتساوى الأمران معا عندما يصبح السيد بوريطة، أو غيره من مستشاري القصر أو مسؤولي الجهات التي تعمل من خلف ستار والطموحين لأي تقدم دبلوماسي في قضية الصحراء، بمثابة محامين متحمسين للدفاع عن مقايضة إعلان ترمب ووعد القنصلية أكثر مما يخطط له البيت الأبيض حقيقة في الأيام الأربعين المتبقية لجمع حقائبه نحو فلوريدا وطي الصفحة على رئاسته.
ينبغي تقديم #الصورة_بشكل_دقيق دون مزايدة أمام الملك محمد السادس وأمام الرأي العام المغربي، وأمام من يحملون الإرث النفسي والوطني لمشاركتهم في المسيرة الخضراء في مثل هذا الخريف قبل خمسة وأربعين عاما. وحتى إذا قبل المرء بحاجة الرباط لتغليب كفة موقف ترمب من الصحراء على كفة العلاقات الجديدة مع نتنياهو وحزب الليكود بمنطق إدارة الصفقة إعلاميا بين ما يُوضع على الواجهة وما يتم دفعه إلى الخلف، فينبغي أن تكون الرباط #واقعية مع طبيعة المرحلة ومقايضات المصالح وبقية #اعتبارات_الواقعية_السياسية. ينبغي أن يكون أي مدافع عن موقف ترمب ووعوده في هذه المرحلة ملتزما بالشفافية والمسؤولية الوطنية، وكشف الملفات بما لها وما عليها، أمام الملك وأمام الشعب المغربي في الداخل وأمام الشتات في الخارج.
وعندما يستحضر السيد بوريطة موقف مجلس الأمن وتمسك أعضائه بحثّ الأطراف المباشرة وغير المباشرة على حل توافقي، أو أن واشنطن أبلغت بقية أعضاء مجلس الأمن والأمين العام أنطونيو غوتيريش بالإعلان الرئاسي لترمب، أو بالتذكير بأن ست عشرة دولة عربية وأفريقية فتحت قنصلياتها في الداخلة أو العيون، فإن المنطق الواقعي يدعو لتقييمها وفق مجريات الأمور واستمرار النقاش في ردهات مجلس الأمن واللجنة الرابعة حول “#مصير_الصحراء_الغربية“. لا يملك ترمب ولا بومبيو ولا كوشنير عصا موسى لكي ينقلب موقف الأمم المتحدة رأسا على عقب.
أحترسُ من المبالغة في احتفالية المبادرات الدبلوماسية، ومن “وعود” ترمب، وبعض المتاهات التي تنطوي عليها قراءة واشنطن من الخارج من الضفة الأخرى، وليس بالتدقيق في ديناميتها ومفاتيحها الداخلية بمزاج استراتيجي بارد.
المقال الثالث:
يحتدم النقاش حاليا في المجال العام في المغرب، وأيضا في الإعلام الدولي، حول حقيقة الصفقة الجديدة بين الرئيس ترمب والمسؤولين في الرباط بشأن قضية الصحراء والعلاقات مع إسرائيل. وتكشف المرحلة تراجع الحصافة الفكرية وانكماش الجرأة العلمية والأخلاقية لمجموعة أكاديميين ينطقون وكأنهم من خريجي مدرسة شيخ الميكرفون مصطفى العلوي ومريدي زاويته القديمة “مغرب الشعوب”.
عندما تحنّ المناسبة للقيام بتفكيك موضوعي لثنايا ومآل #صفقة_سياسية_وعسكرية دولية ثلاثية ومتشابكة الأضلاع والمصالح مثلما يقترحه الرئيس ترمب في أسابيعه الخمسة المتبقية في البيت الأبيض، تتباين الفروق بين أقلية من المحللين ممن يحترمون ذكاء القراء والجمهور، ويتحملون على عاتقهم المسؤولية الأخلاقية والوطنية بتقديم قراءة عقلانية لا تقوم على المجاملة، مقابل أغلبية تجد في تعدّد القنوات التلفزيونية والمواقع الإلكترونية تكيّة مريحة (تكية جمع تكايا بالمعنى العثماني القديم) لتقديم اجتهادات جامحة وإسقاطات غير واقعية للتقرّب زلفى من بعض الجهات لمآرب ومصالح سياسية ومادية.
عندما يفشل هؤلاء “الخبراء” في بلورة أفكار جديدة أو تركيب خطاب ذكي قابل للتوظيف في الخارج، يعمدون إلى مغازلة #العاطفة_الوطنية، وزيادة الصدى على وتر الثوابت التاريخية والتذكير بملاحم متخيّلة قد لا تقرّها سجلات الوقائع في مقر الأمم المتحدة والعواصم الكبرى. ويدرك هؤلاء المتزلفون أن زادهم ضئيل من التفكير العقلاني وجدلية الحجة بالحجة، وأن عصارة خطابيتهم لا تستطيع عبور المتوسط شمالا إلى أوروبا ، ولا غربا عبر الأطلسي نحو أمريكا الشمالية. هم يعوّضون عن ذلك بجرعة سخية من الخطاب الحماسي والفتوحات العاطفية ورومانسية الماضوية السياسية، ويتصورن أن #طارق_بن_زياد يرقص على نشوتها ويستلهم منها العزيمة لفتح أندلس جديد.
ترتفع في أصواتهم نبرة النخوة الوطنية، وتتحرك أيديهم في تأكيد المعنى، وتتيه إيماءاتهم في كل اتجاه بما لا يتسق مع فحوى ما يعكّون فيه عند الرد على أسئلة العقل البارد. وأحيانا يُكثرون البسلمة وفتح أقواس لا يغلقونها بأدبيات قديمة وأدعية سياسية متداولة منذ عقود مثل ما يفعل فقهاء المقابر والجنائز، ومنهم من يحترف تجويد آيات وطنية حتى على روح الراحل مارادونا نجم ملاعب كرة القدم.
هم تلاميذ غير نجباء لمعلّم الحماسة الرياضية عصام الشوالي، وأحيانا يتحوّلون إلى “طبالة” و”دقايقية” على حد تعبير الصديق الفيسبوكي سفيان الماطي. لكن حماسة الملاعب وتأجيج مشاعر مؤيدي هذا الفريق مقابل الآخر، أو تسخين جو “العرّاسيات” في زف #الهدية_الأمريكية، أو الرقص بالعريس دونالد ترمب في “العمّارية”، أو التبشير بنهاية صراع الصحراء بوعود من تبقى له أربعون ثانية في مباراة الدقائق التسعين ودون دقائق تعويضية أو أشواط إضافية، قد تغدو في المحصلة النهائية مجرد احتفالية عبثية بنصر برّاق. هذه “الفيشطة” الإعلامية وتحليل هذه “الجوقة” وتعدّد خرجاتها لا يجديان مع منطق الحسابات والاستراتيجيات المتنافسة في السياسة الدولية، ولا مع أسلوب الصفقات لدى ترمب نفسه.
ثمة سؤال يظل مغيّبا في ضجيج التحليلات والمناورات العاطفية في الداخل: هل ينفع محللو “الطبالة” و”الدقايقية”، أو تلاميذ عصام الشوالي خلال تأجيج أنفة “البارصا” المغربية ضد أكثر من “ريال” إقليمي، حقيقة في تركيب #خطاب_مغربي_جديد يحقق الزخم المنشود في مجلس الأمن الدولي في نيويورك، أو مجلس الشيوخ في واشنطن، أو مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسيل، أو مجلس الدوما في موسكو؟
هل يستفيد المغرب حقيقة من رؤوس هذه الحربة، عفوا الجوقة، الإعلامية في قضية الصحراء أو في الانفتاح على إسرائيل في كسب الرهان أمام #الطرح_البرغماتي_الصارم الذي تستدعيه الواقعية السياسية ومنطق القوة والخطط الاستراتيجية في مراكز صنع القرار الدولي؟
هل تنفع جوقة الدقايقية على القنوات المغربية في الوصول إلى المخيال السياسي المسؤولين والرأي العام في الدول المؤثرة، وبمفاتيح الثقافة واللغة وبنية الخطاب قبل الضغط السياسي؟ هل يستطيع هؤلاء النفاذ إلى عقل الجمهوري #السناتور_جيم_إينهوف رئيس لجنة الشؤون العسكرية في مجلس الشيوخ الذي رحب بالانفتاح بين المغرب على إسرائيل، لكنه انتقد بشدة مبادرة الرئيس ترمب بشأن الصحراء، وعبر عن “ثقته بأن الولايات المتحدة ستعود إلى تبني السياسة التي اعتمدتها منذ 1966.”
هل سترسل الرباط جوقة “الدقايقية” الإعلامية إلى مقر الكونغرس لإقناع السناتور إينهوف بعدم رفض #صفقة_الأسلحة_بقيمة_مليار_دولار، ومنها أربع طائرات من دون طيار من طراز MQ-9B SeaGuardian وأسلحة التصويب الدقيق من صنع شركات لوكهيد مارتن وبوينغ وريثيون للمغرب؟ وبالمناسبة، انعدم الود بينه والرئيس ترمب في الفترة الأخيرة.
تزداد معاناة المغرب بشعبوية إعلامية فوق هرولة سياسية وفلكلور دبلوماسي: ثلاثية تزيد في الجذبة على إيقاع الدقايقية وترانيم فقهاء الاستوديوهات، وتؤجل حلول عصر العقل الاستراتيجي والخطاب العقلاني حتى الذكرى التسعين لقيام نزاع الصحراء!
الوسوم

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

لا يمكنك نسخ هذا المحتوى

إغلاق