مقالات الرأي

المعز يكتب: هل يستجيب برنامج تأهيل المدينة العتيقة لطنجة لبرنامج الحفاظ على الذاكرة التاريخية؟

برنامج تأهيل المدينة العتيقة  2020 – 2024

هل يستجيب البرنامج لمطالب الحفاظ على الذاكرة التاريخية  المشتركة

بقلم : عدنان المعز

رئيس مركز ابن بطوطة للدراسات وابحاث التنمية المحلية

وأخيرا ستستفيذ مدينة طنجة من  برنامج لتأهيل مدينتها العتيقة، و هو ثمرة شراكة وتعاون بين مجموعة من القطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية ، سيحافظ  على الرصيد الحضاري والثقافي والعمراني الذي تزخر به المدينة العتيقة لطنجة ، قصد استثماره  في تعزيز  التنمية المحلية عبر تقوية الجاذبية السياحية والاقتصادية للمدينة،  والتي عرفت نسبة نمو  على المستوى السياحي سجلت ( زائد 10 بالمائة) حيث سجلت السنة الماضية في نفس الفترة 284 485 سائح ما بين يناير وماي 2018 ، و احتلت بذلك  المرتبة الأولى سنة 2019  كأفضل وجهة سياحية على المستوى الداخلي  والرابعة بالنسبة للسياح الأجانب بعد مراكش ،  أكادير و الدر البيضاء .

فالمدينة استفادت  منذ سنة 2005  من برامج استثمارية  ضخمة  فاقت مجموع المبالغ المخصصة لها  11 مليار درهم  ،   حيث عرفت المدينة سلسلة من البرامج التنموية المهيكلة ( البرنامج الاستعجالي ، التاهيل الحضري ، التنمية الحضرية ، برنامج طنجة الكبرى ) ،  كان الهدف الأساسي منها تأهيل البنية العمرانية وشبكة الطرق والمرافق العمومية …وبالفعل شهدت المدينة نهضة عمرانية منقطعة النظير ساهمت في تموقع المدينة داخليا وخارجيا كحاضرة واعدة على المستوى الصناعي والسياحي …مشاريع سامية غيرت من ملامح مدينة طنجة التي استفادت  أيضا من برامج وطنية عملاقة من قبيل القطار الفائق السرعة وميناء طنجة المتوسط ، و الميناء الترفيهي الذي  اشتمل في جزء منه على  تأهيل المدينة العتيقة لطنجة ، فتموقع المدينة كحاضرة واعدة على ضفاف المتوسط جعل منها قبلة للاستثمارات الأجنبية والوطنية والسياحة الداخلية والخارجية  ، مما جعل الاهتمام بتأهيل البنية الثقافية والتاريخية مسألة ذات اولوية قصوى ، فبرنامج تأهيل المدينة العتيقة لطنجة استجابة لهذا المطلب الأولوي وقراءة صحيحة لمؤشرات التنمية بالمدينة .

فماهي أهم ملامح هذا البرنامج التنموي  ومخصصاته المالية  ؟  وهل يمكننا اعتباره من البرامج التنموية العملاقة التي ستغير ملامح المدينة العتيقة  وتميط اللثام عن  وجه طنجة الحضاري والتاريخي ؟ وهل سيقطع تنزيل البرنامج مع أساليب تدبير المشاريع السابقة التي عانت ضعفا  في مجال  الحكامة والجودة  ؟

هي بعض النقاط التي سنحاول تحليلها في  هذا المقال ، الذي نريد به تتبع  هاته السياسات العمومية المحلية  والعمل على تقييمها عبر مؤشرات الوقع والأثر و معايير الحكامة، من خلال تحليل وثيقة الشراكة التي صيغت بين الاطراف المشاركة بالبرنامج والذي تمحورت حول محاور اربع سنعمل على بسطها وتحليلها مساهمة منا لدعم البرنامج والتعريف به وابداء الرأي ازائه، برنامج  سيشكل دعامة أساسية  لنهضة ثقافية و سياحية  منشودة لمدينة طنجة ، و ركيزة اساسية في سياسة مندمجة تحافظ على الهوية التي تشكلت بمدينة طنجة عبر عقود خلت، وذاكرة تاريخية مشتركة ، أصبحت جزء لايتجزأ من فكر ووجدان ساكنة طنجة .

تأهيل المجال العمراني للمدينة العتيقة لطنجة

تعد المدينة العتيقة النواة الأولى لنشأة مدينة طنجة ، وتمثل نسيجا عمرانيا فريدا انصهرت في بوثقته بنايات تعود إلى فترات تاريخية متعددة تبتدئ من الفترة الرومانية ثم الفترة الإسلامية المغربية الأولى (فترة الفتح الإسلامي وأميو الأندلس والأدارسة والمرابطون والموحدون والمرينيون) ثم الفترة البرتغالية والفترة الإنجليزية والفترة الإسلامية المغربية الثانية مع الدولة العلوية حيث استعادت المدينة دورها العسكري و الدبلوماسي و التجاري كبوابة على البحر الأبيض المتوسط، وعرفت تدفقا عمرانيا ضخما وازدهرت فيها الحياة الدينية والاجتماعية، إلى غاية فترة النظام الدولي الذي عرفت فيه المدينة تطورات كبيرة على المستويين الإجتماعي والمعماري وشهدت انتشار التوسعات العمرانية خارج الأسوار وظهور المعالم الأولى للمدينة الجديدة على الطراز الأوروبي .

لهذا سيعمل برنامج تأهيل المدينة العتيقة لطنجة 2020 – 2024 على تاهيل المجال العمراني الذي تأثر بفعل عوامل متعددة ، خاصة منها التي كانت نتاج هجرة قوية  عرفتها المدينة العتيقة  ادت الى ظهور   احياء هامشية عشوائية اثرت سلبا على المشهد العمراني للمدينة ، فالبرنامج  سيعمل على اعادة اسكان قاطني البنايات الايلة للسقوط بحي الحافة ، الذي عرف مراحل سابقة من اعادة الاسكان خارج المدينة العتيقة ، حيث تم  رصد مبلغ  40 مليون درهم  من اجل اعادة اسكان 254 اسرة  ، و سيتم تنزيل المشروع بدعم مالي من طرف وزارة الداخلية ، وزارة الاقتصاد والملية واصلاح الادارة ، وزارة اعداد التراب الوطني والتعمير والاسكان وسياسة المدينة وجماعة طنجة .

وهو مشروع اولوي سيسمح ببروز اسوار المدينة العتيقة الممتدة من باب البحر الى برج النعام ، والذي من المتوقع ان يقام بالموقع خط القاطرة  المعلقة  Téléphérique  الذي سيربط بين الميناء الترفيهي وحي القصبة .

كما سيعمل البرنامج على تاهيل مجموعة من البنايات التابعة للاحباس بتكلفة 10 مليون درهم خصصتها وزارة الاوقاف والشؤون الاسلامية   لحوالي 28 بناية  بالمدينة العتيقة ، وهو مايعني اعادة جمالية البنايات وصيانة الواجهة بما يليق بالمدينة العتيقة ، التي عرفت بها البنايات تدهورا ملحوظا .

محور تأهيل المجال العمراني سيهم ايضا الفضاء العام وذلك باعادة ترصيف الممرات والساحات ، وتهيئة المساحات الخضراء ، وتاهيل 1360 نقطة ضوئية  وتهيئة المدينة القديمة بتوفير التاثيث الحضري  .

ومن اجل تسهيل انسيابية عملية التنقل داخل المدينة سيتم بناء مراب للسيارات بمدخل باب القصبة ، مع احداث مرافق لتامين الامن وذلك باحداث مراكز للشرطة ، كما سيهم البرنامج احداث مرافق اجتماعية للساكنة من قبيل دار الشباب ، نادي نسوي ، حضانة ، مكتبة ، تاهيل شبكة الماء والكهرباء وتطهير السائل ، احداث مراحيض عمومية .

كما ستعزز المرافق السياحية بمكتب للتوجيه والتنشيط السياحي ، كما خصص لهذا المحور اي محو التاهيل العمراني مبلغ  370 مليون درهم يهدف الى اعادة الاعتبار الى المجال العمراني للمدينة العتيقة ، فمن المفترض توحيد تجهيزات الانارة و ادخال انارة التزيين وتاهيل الممرات والساحات وتجهيزها و طلاء البنايات وتاهيل واجهاتها وتوفير مرافق عمومية في خدمة الساكنة والزوار ، الا ان هذا المحور  رغم ضخامة المشاريع التي سيعرفها   فقد تعترضه نواقص  قد تشكل عوائق لتحقيق الاهداف المنشودة  ممكن ان نجملها كالتالي  :

 

  • عدم كفاية مراب السيارات المتوقع انجازه بمدخل باب القصبة لاعداد السيارات المتوقعة في الموقع .
  • عدم اعتماد برنامج للسير والجولان خاص بالمدينة العتيقة ، يحد من ولوج السيارات والشاحنات، من اجل تيسير حركية الراجلين داخل اسوار المدينة العتيقة .
  • صعوبة فك الارتباط بين المجال العمراني داخل المدينة القديمة والاحياء التي تعتبر امتدادا طبيعيا للمدينة القديمة خارج الاسوار والتي لن تعرف تدخلا من اجل الترميم والتاهيل .
  • اغلب البنايات الاثرية و ذات الطابع المعماري الخاص في يد الخواص مما يتطلب معه مساطر معقدة وطويلة .
  • عدم التعاقد مع شركات متخصصة في تاهيل و ترميم الماثر التاريخية .
  • اعادة الحالة المعمارية لبنايات المدينة العتيقة التي تعود في بنائها للمعمار الاسلامي المغربي ثم الاروبي يتطلب اموال اضافية من اجل ترميم التراث المعماري المعاصر الذي يؤرخ لبداية التغلغل الأجنبي بطنجة منذ نهاية القرن التاسع عشر إلى غاية النصف الأول من القرن العشرين. حيث يشهد هذا التراث على فترة هامة من تاريخ مدينة طنجة ويعكس تلك الصبغة الدولية التي طبعتها طيلة عقود من الزمن والتي سمحت بتعايش مجموعة من الثقافات في إطار نظام سياسي وإداري خاص. حيث تزخر واجهات هذه البنايات بتنوع أصنافها المعمارية  التي تنتمي إلى مدارس هندسية مختلفة تمثل البعثات الأجنبية التي استقرت بالمدينة (إسبانية، فرنسية،  إنجليزية، إيطالية، ألمانية، أمريكية…) إضافة إلى تيارات معمارية أخرى أثمرتها اجتهادات مهندسين معماريين أجانب وجدوا بالمدينة آنذاك مجالا خصبا لتحقيق تجارب معمارية جديدة ، وهذا ما يستلزم دراسات وابحاث وخبراء لترميم الوجه العمراني الحضاري للمدينة العتيقة .
  1. محور ترميم وتاهيل التراث

حيث يعد برمجة ترميم وتاهيل التراث استكمالا للبرامج السابقة التي عملت على ترميم مجموعة من الماثر التاريخية بالمدينة العتيقة وخصوصا مشروع طنجة الكبرى ثم الاشغال التي قامت بها شركة تهيئة ميناء طنجة SAPT  LA  بخصوص تاهيل الميناء الترفيهمي وتوحيده مع المدينة العتيقة  .

حيث سيتم ترميم دار النيابة السعيدة وسجن القصبة وفندق السياغين وفندق الزرع وبرج النعام وبرج بن عمار وسينما AL CAZAR  وبرج SAINTE CATTHERIENE  والبرج البرتغالي والبرج الايرلندي TRISH TOWER  وفندق دار الدباغ سابقا واسوار القصبة وموقع 9 ابريل وموقع دار الدباغ وضريح ابن بطوطة والمعهد اليهودي السياك .

حيث سيتم تخصيص مبلغ 115مليون درهم من اجل الترميم والتاهيل ، ومن خلال تحليل الميزانية المخصصة وطبيعة المباني الاثرية المشار اليها فانه ممكن الخروج بملاحظات اولوية هي كالتالي :

  • عدم ادراج بعض الماثر التي تتطلب تدخلا للترميم والتاهيل من قبيل مقهى الحافة التاريخي ، حجرة غنام ـ المقابر البونيقية ، شرفة برج الحجوي ـ ساحة سوق الداخل ، سينما فوكس ، المندوبية ( تحويل المحكمة التجارية ) ، بنايات ”رينشاوسن“ التي شيدت في بداية الفرن العشرين (1905) وهي تمثل إحدى بدايات التطور العمراني للمدينة من جهة الميناء …
  • عدم التنصيص على رؤية واضحة لتدبير البنايات الاثرية التي سيتم ترميمها واعادة فتحها للعموم على شكل متاحف وقاعات للعرض و تنظيم انشطة ثقافية .
  • عدم ادراج ترميم وتاهيل مسرح سيرفانطيس بالبرنامج خصوصا مع توقيع البرلمان الاسباني لبرتكول التنازل عنه لفائدة الدولة المغربية ، حيث ترميم وتاهيل المسرح سيتطلب تدخلا في محيطه بانجاز مراب للسيارات وساحة عمومية وفك العزلة عنه بفتح بعض المسالك التي تم اغلاقها خلال عقود مضت .
  • ضرورة وضع برنامج للتشوير للتعريف بالمنازل والدور التي استقر بها مثقفون وفنانون عالميون ، وكذلك ترميم تلك التي توجد في حالة مزرية ، من قبيل ترميم منزل الرسام علي الرباطي بالقصبة …
  • تواضع المبالغ المالية المخصصة لهذا المحور مما يحد من تحقيق الجودة المطلوبة في الترميم والتأهيل. 

تأهيل وترميم أماكن العبادة

منذ القرن التاسع عشر كانت المساجد والكنائس والبيعات تتساكن داخل مدينة طنجة بشكل عادي وطبيعي وكان المسلمون والمسيحيون واليهود يتجاورون في جو من التسامح والتعايش ، لهذا سيعمل البرنامج على  تاهيل مجموعة من اماكن العبادة  حددت بالزاوية  الكتانية ، الزاوية الوزانية ، الزاوية القادرية ، الزاوية العيساوية ، الزاوية الريسونية ، زاوية علي بن داوود ، زاوية مولاي بوشتة الخمار ، ضريح سيدي الحسني ، ضريح بن الطيب، حيث سيخصص مبلغ 4 ملايين  درهم من طرف وزارة الاوقاف والشؤون الاسلامية للاشغال المرتقبة  .

ويلاحظ على هذا المحور  ان الترميم والتاهيل لم يشمل  دور العبادة المسيحية واليهودية اذا استثنينا المعهد اليهودي السياك ، حيث تشكل كل  دور العبادة  ارثا تاريخيا و روحانيا مميزا لمدينة طنجة ويجعلها متفردة على المستوى الوطني حيث لم تعرف  المدينة  وجود حي الملاح  ، وهو حي خاض باليهود المغاربة ،  والذي عرقته كل المدن المغربية ،   كما عرفت مدينة طنجة نشاة حي اروبي وكنيسة  داخل اسوار  المدينة العتيقة ، فكل شكل جزءا من هوية المدينة وشخصيتها الحضارية .

ملاحظة اضافية اخرى تتعلق بعدم  شمول البرنامج  تاهيل وترميم باقي المساجد الموجودة داخل المدينة القديمة ، بعضها ظل مغلقا منذ سنوات من قبيل مسجد القصبة ،  واخرى  توجد اليوم  في وضعية مزرية وتتطلب تدخلا عاجلا لترميمها وتاهيلها واعادة فتحها .

تقوية الجاذبية السياحية والاقتصادية للمدينة العتيقة

سيعمل البرنامج على تعزيز الجاذبية السياحية والاقتصادية للمدينة العتيقة لطنجة من خلال مجموعة من التدخلات وبالخصوص اعادة تاهيل الاسواق الموجودة بالمنطقة ، ومع  عدم ذكر  مشروع البرنامج  اسماء الاسواق التي ستعرف التاهيل والترميم او اعادة البناء ، قد يجعلنا ندهب  الا  الاعتقاد بانها تلك الاسواق التي تتواجد بمحذات  سور المدينة العتيقة على مستوى ساحة 9 ابريل ، فتلك الاسواق عرفت في السابق اجراءات  لتحويلها ( سوق الجماعة والاوقاف والسمك) ،الى  منطقة حدائق المندوبية ، وخصص لهذا المشروع مبلغ 186 مليون درهم  من طرف وزارة الداخلية بمبلغ 96 مليون درهم و جهة طنجة تطوان الحسيمة بمبلغ 90 مليون درهم   ، كما سيتم تاهيل مجموعة من الفضاءات السياحية و اخرى لدعم  الصناعة  التقليدية  بمبلغ 55 مليون درهم .

ومن أجل تأهيل الفضاء العام بالمدينة العتيقة سيتم تنزيل انشطة مصاحبة  بمبلغ 20 مليون درهم  تتعلق بالعنونة ، التشوير ، اللوحات الاخبارية والمنصات المعلوماتية التفاعلية للتعريف بالتراث اللامادي للمدينة العتيقة لطنجة ، احداث مسارات سياحية ، مراكز للارشاد السياحي ، نظام المراقبة بالكاميرات . وخصص لمحور تقوية الجاذبية السياحية والاقتصادية للمدينة العتيقة مبلغ 261 مليون درهم  ، كما سيخصص مبلغ 100 مليون درهم لاقتناء الاوعية الخاص بتنفيذ المشاريع المبرمجة في برنامج ترميم و تاهيل المدينة العتيقة لطنجة .

وما تجب الإشارة إليه أن تعزيز الجاذبية السياحية والاقتصادية لن يحقق اهدافه المرصودة إلا بإجراءات صارمة في مجال احتلال الملك العشوائي سواءا من الباعة المتجولون أو من التجار والذين يعمدون على احتلال الملك العام مما يؤدي إلى تشويه الفضاء العام ، فعلى سبيل المثال ما يعانيه شارع إيطاليا التاريخي وشارع اسبانيا  وموقع دار الدباغ، و موقع فندق الشجرة الذي يتطلب مشروعا متكاملا قصد الترميم والتأهيل وبناء مراب للسيارات تحته لتيسير حركية التنقل به .

نظام الحكامة

من أجل تمويل مشروع تأهيل وتثمين  المدينة العتيقة لطنجة سيتم تخصيص 850 مليون درهم من طرف الشركاء في المشروع الذي ستعمل على تنزيله وكالة الإنعاش والتنمية الاقتصادية والاجتماعية لعمالات وأقاليم الشمال بالمملكة، حيث سيستغرق انجازه مدة  60 شهر برسم سنوات 2020- 2024 ،وذلك حسب الجدولة الزمنية لإنجاز المشاريع التي سيتم إعدادها من طرف اللجنة الجهوية للاشراف والتتبع والتقييم والتي تضم  الأطراف المشاركة في البرنامج .

فعلى مستوى الحكامة ستتكلف اللجنة الجهوية بالإشراف والتتبع والتقييم لبرنامج تأهيل وترميم المدينة العتيقة لطنجة ،  برئاسة والي جهة طنجة تطوان الحسيمة  و تضم اللجنة  الأطراف المتدخلة بالمشروع  والتي  ستجتمع كل 3 اشهر، أو كل ما دعت الضرورة إلى ذلك ،وستتكلف بكل الاجراءات القانونية والتقنية والتنسيق  من أجل تنزيل سليم لعقد الشراكة .

وهي  نفس منظومة  التدبير  التي تحكمت تقريبا في تنزيل مشروع طنجة الكبرى ، فمؤسسة الوالي ستشكل  العامل الأساس في تنزيل برنامج تأهيل وترميم المدينة العتيقة، حيث  سيتكلف بإحداث اللجنة الجهوية ويترأس اجتماعاتها وينسق أعمالها، كما سيعمل على تتبع وتقييم المشاريع وضمان الحفاظ على الآجال المحددة لتنفيذ المشاريع ، وعليه نسجل على هاته المنظومة  الملاحظات التالية :

  • استمرا ر هيمنة الإدارة بمستوياتها المركزية واللامركزية بتنزيل  المشاريع التنموية المحلية  الكبرى بدل الثقة بالجماعات الترابية  لتنزيل مثل هكذا مشاريع، فموقع المشروع  يدخل في الحيز الجغرافي التي تمارس  جماعة طنجة اختصاصاتها  .
  • قد يفهم من صيغة عرض اتفاقية الشراكة على الجماعات الترابية المعنية في قوالب تم إعدادها مسبقا لإبداء الاستشارة والمصادقة ، أن الموضوع شكلي فقط ، حيث تم تحديد المشاريع التي سيتم إنجازها والميزانيات المخصصة والشركاء الممولين للمشاريع .
  • تغييب الفاعل المدني المختص من عضوية اللجنة الجهوية، قد يفيد أن اللجنة لا تريد فتح نقاش حول الماثر التي سيتم ترميمها وتأهيلها وطريقة تدبيرها بعد الانتهاء من الأشغال، فرغم التنصيص الدستوري لأدوار المجتمع المدني التي تنص على مساهمته في بلورة السياسات العمومية المحلية وتتبعها وتقييمها ، فإن اللجنة الجهوية للإشراف والتتبع والتقييم أقرت منهجية مغرقة في الاحتكام إلى الآراء الإدارية، بدل الإنصات إلى رأي الساكنة المحلية .
  • استمرار المنطق التجزئي للتعامل مع المشاريع المهيكلة، حيث سيتم ترميم وتاهيل الفضاءات والساحات والبنايات واحداث مرافق دون رؤية مسبقة موحدة لدى الفاعلين الشركاء الممولين للبرنامج حيث يغيب الجواب التشاركي ، ماهو الدور الرئيسي الذي ستضطلع به المدينة العتيقة مستقبلا ؟ ، وبالنظر الى مشاريع سابقة ظلت التجهيزات والمرافق المنجزة تعاني عشوائية التدبير مع غياب مخصصات الصيانة والتسيير .
  • استمرارية ضبابية التعاطي مع موضوع نزع الملكية  وتخصيص العقارات ، حيث من المتوقع أن تعرف العملية صعوبات جمة خصوصا مع استمرار الأزمة الخانقة لجماعة طنجة الناتجة عن عمليات نزع ملكية  سابقة  لعقارات خصصت لمشاريع التاهيل الحضري والتنمية الحضرية وبرنامج مشروع طنجة الكبرى،  حيث وصل مبلغ الحجوزات المالية لأكثر من 80 مليار سنتيم، وهو مبلغ يفوق الميزانية السنوية لجماعة طنجة .
  • عدم وضع ميزانية سنوية متوقعة  لعمليات  صيانة التجهيزات والمرافق المحدثة وتكلفة سداد فواتير الإنارة وصيانة وسقي المناطق الخضراء بالإضافة إلى كل عمليات التأهيل العمراني والتاثيث الحضري، وهي ميزانية ستشكل عبئ إضافي على الميزانية العامة لجماعة طنجة التي تعاني فجوة سنوية بين المداخيل والمصاريف، حيث ستنتقل انطلاقا من سنة 2021 تكاليف مرفق النظافة من 19 مليار الى حوالي 35 مليار .
  • عدم التنصيص على عضوية مقاطعة طنجة المدينة في اللجنة الجهوية للإشراف والتتبع والتقييم ، وهي المؤسسة التي ستعمل على إصدار مجموعة من التراخيص وستتكلف عملياتيا بتوفير اللوجستيك المطلوب وصيانة مجموعة من التجهيزات التي تدخل في اختصاصاتها .
  • عدم إشراك مديرية الأمن الوطني في اللجنة الجهوية رغم أهمية المكون الامني في إنجاح البرنامج  ، حيث سيظل الهاجس الأمني  الغائب الحاضر ، ودعامة أساسية لتعزيز الجاذبية السياحية والاقتصادية للمدينة العتيقة، ومادام أن البرنامج سيعرف إحداث مراكز للشرطة وتركيب نظام المراقبة بالكاميرات كان من المفترض الإشراك القبلي لمصالح الامن قصد إبداء الملاحظات والتوصيات التقنية المطلوبة .
  • رغم توجه البرنامج إلى إعادة تأهيل بنية الأسواق عبر تأهيلها وبناء أخرى، فالملاحظ غياب أي دور للغرفة الجهوية للصناعة والتجارة والخدمات، التي تؤطر مجموعة من الروابط التجارية وتشكل قوة اقتراحية مطلوبة في هكذا مشاريع تهم الأسواق التجارية.
  • رغم أن ترميم وتأهيل المدينة العتيقة لطنجة يستهدف بالأساس المحافظة على الذاكرة المشتركة لساكنة طنجة، فإن أي استشارة مع الساكنة لم تنجز، مما سيجعل الفاعل الإداري غير العارف بخصوصية المنطقة وتاريخها التليد المتحكم في برنامج التأهيل والترميم، مما قد يؤدي إلى تشويه لهاته الذاكرة المشتركة، عن غير قصد سواءا في أولويات التدخل أو تخصيص الفضاءات .

في الختام

برنامج تأهيل وتثمين المدينة العتيقة لطنجة  2020- 2024 برنامج تنموي  رائد ، رغم النواقص التي تم جرد بعضها  أثناء تقييمنا لهذا المشروع المهيكل من خلال وثيقة الشراكة المتعلقة بتنزبل المشروع .

حيث سيعيد برنامج تأهيل وترميم المدينة العتيقة لطنجة  الألق إلى أزقة وساحات المدينة العتيقة، مدينة علاها الغبار والنسيان لعقود خلت، هو  مصالحة  حقيقية مع الماضي الحضاري للمدينة ومجدها التليد .

فالمدينة عرفت حضارات متعاقبة شكلت عقدا جميلا على صدر عروس شمال المغرب، فشكل بهاءا منقطع النظير وإشعاعا جعل المدينة تحضر في أساطير اليونان وفي المخيال الإسلامي وغزوات الإنسان الأوروبي وريشة فنانيهم، مدينة تحتاج اليوم إلى هكذا مشاريع لتعاود الإشعاع من جديد .

 

 

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

لا يمكنك نسخ هذا المحتوى

إغلاق