اعتبر الدكتور حميد النهري، أستاذ المالية العامة بجامعة عبد المالك السعدي بطنجة ورئيس الجمعية المغربية للمالية العمومية، أن النقاش السياسي الذي رافق التحاق الوزير المنتدب المكلف بالميزانية فوزي لقجع بحزب الأصالة والمعاصرة يكشف عودة منطق «الرجل القوي» أو «السوبر ستار» إلى واجهة السياسة المغربية، في وقت يفترض فيه، حسب رأيه، أن تكون المؤسسات والأحزاب والبرامج هي أساس التنافس الانتخابي.
وقال النهري، في مقال تحليلي، إن جزءاً من الخطاب المحيط بلقجع بدأ يتعامل معه باعتباره «رجل المرحلة» والقادر على قيادة الحزب إلى الأغلبية وربما إلى رئاسة الحكومة، رغم أن الانتخابات لم تُجر بعد، ولم يقدم المعني بالأمر برنامجاً وطنياً متكاملاً يعرضه على الناخبين.
واستعار أستاذ المالية العامة العبارة الساخرة «حيجيب الديب من ديله»، معتبراً أنها تختصر ثقافة سياسية تقوم على البحث عن شخصية قوية كلما ضعفت المؤسسات أو عجزت الأحزاب عن إنتاج قياداتها من الداخل.
وأوضح النهري أن الإشكال، في نظره، لا يتعلق بحق لقجع في الانضمام إلى حزب سياسي أو الترشح للانتخابات، وإنما بالطريقة التي يجري بها تقديمه مسبقاً باعتباره الحل شبه الوحيد لمستقبل الحزب والمشهد السياسي.
وأشار إلى أن لقجع أكد، خلال أول ظهور حزبي له بأكادير، أنه التحق بحزب الأصالة والمعاصرة «مواطناً بسيطاً» ولم يأت بحثاً عن منصب، في الوقت الذي تحدث فيه قيادي بالحزب عن اتصالات ونقاشات امتدت لأكثر من سنة قبل الإعلان عن انضمامه.
واعتبر النهري أن هذه المعطيات تطرح أسئلة بشأن الطريقة التي تُصنع بها القرارات السياسية داخل الأحزاب، خاصة عندما يجد الرأي العام نفسه أمام نتائج مسارات تفاوضية طويلة لم يكن مطلعاً عليها إلا لحظة الإعلان النهائي عنها.
وأكد المتحدث أن الحزب الذي يصبح في حاجة إلى شخصية وافدة من خارجه لتقديمها باعتبارها «الحل الوحيد» يطرح، في الآن نفسه، أسئلة حول قدرته على إنتاج قياداته من داخله، ومدى فعالية مؤتمراته وهياكله ومنظماته في تكوين نخب سياسية قادرة على المنافسة.
وأضاف أن الديمقراطية، في جوهرها، تقوم على وجود البدائل، محذراً من أن تقديم شخص واحد باعتباره «لا بديل عنه» يتعارض مع منطق التعدد والاختيار الذي يقوم عليه العمل السياسي.
وتوقف النهري كذلك عند الفرق بين النجاح في تدبير مسؤوليات عمومية وبين اكتساب الشرعية الانتخابية، مؤكداً أن «السمعة والشعبية والخبرة» لا تعوض أصوات الناخبين، وأن صندوق الاقتراع ليس حفل تكريم لمسار مهني أو إداري.
وفي هذا السياق، شدد على أن دخول لقجع إلى الحلبة الحزبية يضعه أمام قواعد مختلفة، يصبح معها مطالباً بتقديم أجوبة سياسية واضحة بشأن اختياراته الاقتصادية والاجتماعية وتصوراته للعدالة الاجتماعية والمجالية وتمويل الإصلاحات.
كما اعتبر أن موقع لقجع وزيراً منتدباً مكلفاً بالميزانية يجعله معنياً مباشرة بمناقشة حصيلة الولاية الحكومية الحالية، بالنظر إلى الدور المحوري لقوانين المالية في تنزيل السياسات العمومية وتحديد مجالات الإنفاق والاستثمار والاختيارات الجبائية.
وقال النهري إن تقييم هذه الحصيلة ينبغي ألا يقتصر على المؤشرات والأرقام، بل يجب أن يشمل أثرها على القدرة الشرائية والعدالة المجالية ومستوى الخدمات العمومية وما تحقق فعلياً على الأرض.
وتابع أن حديث لقجع عن القدرة الشرائية والصحة والتعليم والإدماج الاقتصادي ومحاربة السكن غير اللائق يظل، في غياب تفاصيل دقيقة بشأن التمويل والموارد والاختيارات، أقرب إلى إعلان نوايا منه إلى برنامج سياسي مكتمل.
وحذر الأستاذ الجامعي من أن المبالغة في رفع سقف التوقعات حول لقجع قد تتحول إلى عبء سياسي عليه، لأن تقديمه مسبقاً باعتباره الشخص الذي سيغير كل شيء قد يجعله كذلك هدفاً رئيسياً لمنافسيه، قبل أن يخوض أول اختبار انتخابي له.
وخلص النهري إلى أن الاعتراض ليس على دخول فوزي لقجع إلى السياسة أو طموحه إلى رئاسة الحكومة إذا أفرزت الانتخابات والمؤسسات الدستورية ذلك، وإنما على «صناعة الشرعية قبل المرور عبر الناخب».
وأكد أن الديمقراطية القوية لا تقوم على العثور على «نجم» قبل الانتخابات، وإنما على أحزاب قادرة على إنتاج قيادات متعددة وبرامج متنافسة وترك الكلمة الأخيرة للمواطن، مضيفاً: «تمهلوا قليلاً… المغاربة لم يصوتوا بعد».



