في لقاء خُصص لمغاربة العالم، بدا أن أكثر من لبّى الدعوة هم من لم يغادروا الإدارات أصلاً؛ موظفون ومسؤولون وممثلو هيئات ملأوا جانباً مهماً من القاعة، بينما ظل الحضور الفعلي لأفراد الجالية دون الزخم الذي يوحي به عنوان القافلة. هكذا انطلقت أولى محطات الاستثمار بطنجة بصورة أقرب إلى لقاء مؤسساتي تقليدي منها إلى موعد مبتكر لاستقطاب مستثمرين من مغاربة العالم، ما يطرح سؤالاً بسيطاً ومحرجاً: كيف نبحث عن الجالية بأدوات لا تغادر المكاتب؟
ولم تحمل المحطة الأولى من القافلة الجهوية للاستثمار الموجهة لفائدة المغاربة المقيمين بالخارج، التي احتضنتها طنجة يوم الاثنين 10 غشت 2026 بأحد فنادق طنجة، الزخم المنتظر من مبادرة يفترض أن تستهدف شريحة واسعة من أفراد الجالية المغربية، في واحدة من أكثر جهات المملكة ارتباطاً بمغاربة العالم.

ورغم أهمية موضوع اللقاء، الذي نظمه المركز الجهوي للاستثمار لجهة طنجة-تطوان-الحسيمة في إطار أسبوع الاستثمار الخاص بمغاربة العالم، فإن مستوى التعبئة بدا محدوداً، إذ لم تمتلئ القاعة رغم صغر حجمها، فيما أظهرت الصور المتاحة حضوراً بارزاً لمسؤولين إداريين وممثلي مؤسسات وهيئات منتخبة ومهنية، مقابل حضور أقل وضوحاً للفئة التي يفترض أن تشكل جوهر المبادرة، أي المغاربة المقيمين بالخارج.
ويطرح هذا المشهد تساؤلات حول مدى نجاعة طرق التواصل والتعبئة المعتمدة للوصول إلى أفراد الجالية، خصوصاً أن تنظيم لقاء للاستثمار لا يفترض أن يقتصر على توجيه الدعوات وفق القنوات المؤسساتية التقليدية أو استدعاء عدد محدود من الأشخاص المعروفين لدى الإدارات والهيئات، بل يحتاج إلى آليات مفتوحة وشفافة تسمح بالوصول إلى المستثمرين المحتملين وأصحاب المشاريع والكفاءات المغربية المقيمة بمختلف دول العالم.

كما أن نجاح مبادرة من هذا النوع لا يقاس فقط بعدد المسؤولين والمؤسسات المشاركة، بل أساساً بعدد أفراد الجالية الذين تم الوصول إليهم، وعدد حاملي المشاريع الحاضرين، والملفات الاستثمارية التي جرى استقبالها، والمواعيد الفردية التي تم تنظيمها، ثم المشاريع التي ستتحول لاحقاً إلى استثمارات فعلية.
وكان من الممكن أن تتحول محطة طنجة إلى فضاء أكثر جاذبية وتفاعلاً من خلال تجاوز نموذج اللقاءات التقليدية القائمة على الكلمات والعروض المؤسساتية، واعتماد صيغ أكثر ابتكاراً تضع المستثمر المغربي المقيم بالخارج في قلب الحدث وليس في مقاعد الاستماع فقط.
ومن بين الحلول، الانتقال بالقافلة إلى الأماكن التي يوجد فيها مغاربة العالم فعلياً خلال فترة الصيف، من خلال إقامة فضاءات متنقلة في ميناء طنجة المتوسط ومطار طنجة ومراكز المدن والمناطق السياحية، بدل انتظار حضور الجالية إلى قاعات الندوات مع ابتكار تواصلية حلول غير تقليدية.
ومن شأن إطلاق حملات رقمية موجهة جغرافياً إلى المغاربة المقيمين في فرنسا وإسبانيا وبلجيكا وهولندا وألمانيا ودول أخرى، والاستعانة بجمعيات وكفاءات وشبكات رجال الأعمال المغاربة بالخارج، أن يوسع دائرة المستفيدين بعيداً عن منطق الدعوات الشخصية أو العلاقات المؤسساتية التقليدية.

كما يمكن تخصيص جلسات لعرض تجارب حقيقية لمغاربة العالم استثمروا في الجهة، بما فيها التجارب التي واجهت صعوبات، لأن المستثمر المحتمل يحتاج إلى معرفة المساطر والمدة والتكلفة والعراقيل والحلول أكثر مما يحتاج إلى سماع خطاب عام حول المؤهلات الاستثمارية.
فنجاح قافلة موجهة لمغاربة العالم لا ينبغي أن يقاس بعدد المسؤولين الجالسين في الصفوف الأمامية، وإنما بعدد المستثمرين الذين دخلوا القاعة بفكرة وخرجوا منها بمشروع قابل للتنفيذ.




