من أجل الفهم (الحلقة 1 )
صور مفزعة تلك التي تتناقلها وسائل الإعلام من حدود سبتة المحتلة، فهذه المشاهد تثير بحق الفزع من الحاضر، والقلق على المستقبل كما تجبرنا مكرهين على مساءلة الماضي (القريب منه على وجه التحديد) لذلك يجد كل عاقل نفسه معنيا بشكل مباشر بهذه الأحداث المفاجئة والغريبة من حيث كمها وقوة اندفاع المشاركين فيها، وإن كانت في حقيقة الأمر ليست جديدة كظاهرة تكاد تعم أرجاء الوطن خلال العشرية الحالية بل والتي قبلها.
مما سبق يتبين أن تناول هذه الأحداث بالتحليل ومحاولة فهمها ورصد أسبابها وخلفياتها يقتضي الكثير من الحذر ، الحذر من تسطيح ما قد يكون تغلغل في مجتمعنا دون أن ننتبه ، الحذر من مقولة ( طاحت الصومعة علقو الحجام )والانجرار وراء التوظيفات السياسية والإيديولوجية اغتناما للحظة واستغلالا للأحداث وإمعانا في التدليس والتضليل ، الحذر من التماهي مع شرائح اجتماعية وإن كانت تمثل مخرجات السياسات التربوية والاقتصادية والاجتماعية الخاطئة أو أقل ما يقال عنها أنها لم تكن موفقة ، إلا أن بعض سلوكيات هذه الشرائح و تموضعاتها وطريقة تفكيرها تظل غير سليمة وغير مقبولة، فكونها ضحية لا يبرر انحرافها ، الحذر من اختزال أسباب هذه الأحداث في سياقات مبتورة أو في مقاطع مجتزأة من واقع أكثر تعقيدا و أشد تشابكا .
إن أي محاولة لفهم ما جرى بل وما يجري من زهد الناس في وطنهم واستبدال حميمية الأهل وجذور الانتماء بعرض من الرفاهية خادع مهما لمع، وذو كلفة من الكرامة والعزة مهما سطع. إن فهم هذا التمظهر المخيف لأزمة خانقة استحكمت بوجدان الناس منذ أمد ليس بالقصير، لكن الجميع أغلق بصره وصم آذانه واستسلم لهذا التيار الهادر الجارف الذي يقود الجميع نحو الهاوية.
لأجل فهم هذه الكارثة لا بد من البحث عن ذواتنا التي افتقدناها، والغوص في أعماق وعينا الجمعي الذي أصيب بلطخات خبيثة وجب رصدها وإنتاج الترياق اللازم للحد من آثارها المدمرة. كما أنها ـ الكارثة ـ تسائل الدولة والأسرة والمسجد والمدرسة والأحزاب والصحافة والمثقفين والمجتمع المدني وغيرها من الهيئات والمؤسسات.
لأجل ذلك يحاول هذا الجهد المتواضع أن يلامس مكامن الداء الذي ما فتئ ينخر مجتمعاتنا منذ مدة، وما أحداث سبتة سوى تمظهر وعرض لهذا المرض الخبيث الذي قد يفاجئنا بأعراض وتمظهرات أشد إيلاما وأكثر قبحا وأسوء عاقبة.
لاشك أن عوامل عدة ومدخلات متشابكة و سياقات وظروف مختلفة كانت وراء ما حدث بباب سبتة وما يحدث باستمرار في وطننا وربما في الأوطان المجاورة لنا وسأحاول في سلسلة من التدوينات القصيرة والمركزة التطرق لبعض هذه العوامل وتلك السياقات بقدر من الاختصار الذي لا يخل بالحد الأدنى من الفهم والاستيعاب ، كما أنبه إلى أن ترتيب هذه الأسباب والعوامل لا يعني أبدا أهمية المقدم على المؤخر منها، كما لا يعني أي حسم في نسبة أثر كل عامل أو سبب في تفاقم الداء وانتشاره لأن ذلك قد يسقط في المحاذير المشار إليها أعلاه، فلا اختزال في عامل دون غيره ، ولا تماه مع انحرافات أو تبريرها ،ولا اجتزاء ولا تبسيط لشأن لا يختلف اثنان في كونه معقد ومركب ومتشابك.
عبد الخالق الغربي 31يوليوز 2026 (يتبع)
من أجل الفهم (الحلقة 2)
كل من يختزل أسباب تدفق هذه الجحافل من الناس من كل الشرائح في ظروف العيش الصعبة، أو في البطالة المستشرية، أو في الفساد الذي عم البلاد وقهر العباد، إنما يغطي الشمس بالغربال، فكلنا نعلم أن هذه الأسباب وإن كان لها نصيب مقدر فيما حدث ويحدث إلا أنها قاصرة عن تفسير هذا الانجراف المزلزل لأركان كنا نظنها متينة من قبيل حب الوطن والارتباط بالأهل والخوف على الأبناء.
بالأمس القريب كانت الأسرة محضنا حقيقيا لأفرادها، تنشئ صغارها على التمسك بهذه الروابط لدرجة تكاد تجعلها من المقدسات فجيل الستينيات والسبعينيات كانت أمامه فرص كبيرة للهجرة إلى أوربا، لم تكن آنذاك تأشيرة دخول إلى معظم دول أوربا، وفرص العمل كانت وفيرة، ورغم صعوبة استصدار جواز السفر كانت ظروف (الحريك ) متاحة، فالبحر الأبيض المتوسط هو هو نفسه والمسافة عبر المضيق لم تتغير ولم تتبدل، بل إن وسائل ومعدات المراقبة كانت أقل كما وكيفا.
لم تكن الأسرة كما أصبح حالها اليوم مجرد مؤسسة يقتصر دورها على تعليم الأبناء طرق الاغتناء السريع باستثمار الأموال والجهود للحصول على الشواهد والديبلومات ، أو بتوجيههم إلى الهجرة نحو أوربا لكسب المال وضمان المستقبل ، صحيح أن كل الأسر تسعى إلى تعليم أبنائها وتوجيههم لسبل كسب الرزق ، وصحيح أن الإنسان كل إنسان مجبول على حب الرفاهية والسعي نحو العيش الرغيد وهذا محمود ومشروع ، لكن لم يكن في يوم من الأيام كسب المال هو غاية الغايات ، فالأسرة كانت دائما منبع القيم الذي يتلقى فيه الفرد ركائز التوازن في حياته ، يسعى لضمان حاجياته المادية والمالية دون أن يفرط في قيمه الإنسانية وروابطه الأسرية والاجتماعية . كانت الأسرة تعتبر كل فرد من أفرادها جزء لا يتجزأ من كيانها ولا يمكن التفريط فيه بهذه الصور المذلة والمهينة التي شاهدناها من خلال أمهات تلقين بفلذات أكبادهن إلى البحر وأباء يجرون أزواجهم وأبناءهم نحو المجهول ، كانت الأمهات اللائي يعلمن أن أبناؤهن عازمون على الهجرة يغضبن ويبكين ويناشدن ويتشبثن، وإذا لم يسعفهن ذلك يستسلمن مكرهات وهن يبكين دما على فراق أبنائهن وتظل قلوبهن معلقة بأبنائهن خوفا عليهم مهما توصلن بأخبار مطمئنة ، كان الآباء يرفضون مجرد مناقشة الأبناء في موضوع الهجرة وترك الأهل والوطن بل كانوا يغضبون أيما غضب من الأبناء المصرين على الهجرة .
قد يخالف هذا التوصيف الكثير من الناس بدليل أن عددا كبيرا من المغاربة هاجروا إلى أروبا وأمريكا منذ الستينيات والسبعينيات بحثا عن تحسين ظروف عيشهم، لكن نظرة سريعة للإحصائيات كفيلة بأن تصحح الرؤية وتقوم النظر إذ أن مجموع المغاربة المقيمين خارج الوطن وإلى حدود 1990 لم يتجاوز 1,7 مليون مغربي ومغربية وهذا العدد يشمل المهاجرين الفعليين وأبناءهم من الجيل الأول والثاني الذين ولدوا بديار الهجرة ،وبعملية حسابية بسيطة يتبين أن الذين هاجروا فعليا هم أقل بكثير من 1 مليون مغربي ومغربية من مجموع سكان المغرب (26مليون نسمة حسب إحصاء 1994).
الأسرة تتحمل جزء مقدرا من وزر تخريج هذه الأجيال الفاقدة للبوصلة لأنها ببساطة تخلت عن أدوارها التربوية ورسالاتها القيمية وانجرت وراء ثقافة الاستهلاك حيث التباهي وحب الظهور بمظاهر الثراء وحيث صار المال غاية الغايات تلغى من أجل تحصيله كل القيم وكل العلاقات
أما عن أسباب هذه التحولات التي عرفتها الأسرة وخلفياتها وآثارها المخيفة فلا يسع المقام للتفصيل فيها ، لكن بتناول العوامل الأخرى التي أفرزت من بين ما أفرزته تلك المشاهد المؤلمة من باب سبتة، سينجلي بعض ذلك في الحلقات المقبلة.
عبد الخالق الغربي 01غشت 2026
من أجل الفهم (الحلقة 3)
المتأمل في أعمار الزاحفين على سبتة يرى أن جميع الفئات العمرية ممثلة في هذه المأساة، من الصبية دون العاشرة ،إلى الشباب إلى الكهول بل وإلى الشيوخ، أما الرضع فهم أبرياء من هذا العار براءة الذئب من دم يوسف ،إنما آباؤهم وأمهاتهم من لطخوا براءتهم وأفسدوا عليهم طهرهم ، لكن في غياب المعطيات الدقيقة ومن خلال الصور والمشاهد المنتشرة يبدو أن أغلب هؤلاء التائهين هم من الصبية والشباب، وإذا كانت الحلقة السابقة قد ألقت ببعض اللوم وليس كله على الأسرة فذلك لا يعني بحال أنها تتحمل وحدها مأساة ما حصل، بل إنها هي الأخرى تلقت ضربات وطعنات أفقدتها توازنها .
إن الكثير من أصحاب الرأي والمثقفين والمؤثرين والفنانين ما فتئوا يروجون لنماذج لا علاقة لها بمجتمعاتنا ، حرضوا الأبناء على التمرد على قيمهم متهمين الأسر بالانغلاق والسلطوية والجمود وغيرها من الأوصاف التي ساهمت في تجريدها من سلطتها المعنوية على الأبناء ، ليس الحديث هنا عن المصلحين المهتمين حقيقة بأحوال الأسرة الذين حاولوا ويحاولون دائما التنبيه لبعض الانحرافات في التعامل مع الأبناء والتوجيه إلى حسن التربية وكمال التنشئة ، إنما الحديث عن المنبهرين بعالم غير عالمهم ،عن المنبطحين الحاطبين بليل، ينقلون ما يبشرون بحداثته وفائدته ،وما هو في حقيقة معظمه سوى اجترار وتقليد، وإفساد لعقول الناشئة التي أضحت لا تدري من هي ولا ماذا تريد.
إن (موازين ،وماطا ،وطانجاز و…) وغيرها من المهرجانات كان بالإمكان أن تكون مواسم ترفيه حقيقي لشبابنا يتنافسون فيها على الإبداع الراقي الذي يهذب النفوس، ،ويحض على مكارم الأخلاق ،ويعزز روح الانتماء ، ويلهب الحماس نحو النجاح والفلاح فالأغنية ،والقصيدة ،واللوحة ،وفصول المسرحية كلها أوعية فنية تُملأ بما يُختار لها من رسائل وما يستفاد منها من عبر ودروس ، وما يقدم من خلالها من نماذج تحتذي وقدوات تُتبع ، لكن القائمين على الفن والثقافة في هذا الوطن اختاروا أن يبصموا هذه الأوعية الفنية بصور ومشاهد مقززة ،وأن يشحنوها برسائل إباحية مدمرة وأن يجعلوا طابعها العام وسماتها البارزة تفاهة تغزو العقول والنفوس فغدا التافه قدوة يحتذى ،والتفاهة بضاعة ثمنها الغنى والشهرة والحظوة . فما بالنا اليوم نبكي ولسان حالنا يقول (على نفسها جنت براقش)؟؟
أما أستاذنا المبجل (مع الحرص على عدم التعميم) فقد أجبر الأبناء على الدروس الخصوصية استزادة للمال، وأجزل النقط والدرجات للمستجيب الحريص، وضيق على الرافض لهذا الابتزاز الرخيص، حتى اقتنع المجتهد زورا أن من لبى دعوة الأستاذ أفلح وكسب ومن أبى خاب ورسب، وأستاذنا الجامعي (الفقي لكُنا كَنْترجَّاو بركتو دخل للجامع ببلغتو) ذاك الذي يرجى منه تنوير الفكر وتسديد الرأي فقد سن قاعدة (النقطة مقابل الجنس) وأوقع بعض بناتنا في الرذيلة، وقذف بالباقي في عوالم اليأس والإحباط والسخط على وطن لا يحمي أبناءه من الذئاب.
ومن لم يمارس هذه الخطايا وتلك الدنايا في حق التلاميذ والطلبة والوطن والناس أجمعين، سلك سبيلا آخر في خيانة أمانة الكلمة ونقض عرى القدوة ،وأصبح بوقا لبيع الكلمات الكاذبة للفاسدين وكيل الأمداح الزائفة للمفسدين، ولم يكتف بشهادات الزور والتدليس بل تحول إلى أفَّاق أشر، يزين القبيح، ويمتهن البهتان الصريح، ليلصق بكل صالح مصلح نعوت الخيانة والتبعية للخارج والإضرار بالوطن.
إن الأستاذ والمثقف والفنان والمؤثر المشار إليهم أعلاه والقاعدين منهم والمتفرجين وإن لم يشاركوا هؤلاء في رذائلهم وجرائمهم يتحملون جميعهم قسطا غير يسير من الخطيئة المرتكبة في حق الأجيال التائهة. وإلى وقفات قادمة مع عوامل وأسباب أخرى تفسر ما حدث بباب سبتة.
عبد الخالق الغربي 02 غشت 2026 (يتبع)



