يرى الأستاذ الجامعي بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة، ورئيس الجمعية المغربية للمالية العمومية، حميد النهري، أن إحالة مشروع قانون مهنة المحاماة على المحكمة الدستورية لا تعني نهاية الجدل الدائر حوله، مؤكداً أن دور المحكمة ينحصر في مراقبة مدى مطابقة النص للدستور، وليس إعادة التفاوض بشأن الخيارات التي حسمها البرلمان أو تصحيح ما قد يُنظر إليه باعتباره أخطاء سياسية أو تشريعية.
وأوضح النهري، في الجزء الثالث من سلسلة مقالاته حول مهنة المحاماة، أن كثيراً من المحامين والرأي العام يخلطون بين وظيفة القضاء الدستوري ودور المؤسسة التشريعية، مشيراً إلى أن المحكمة الدستورية لا تقيّم جودة القانون أو مدى ملاءمته، وإنما تبت فقط في مدى احترامه للمقتضيات الدستورية. وأضاف أن القانون قد يكون محل انتقاد من الناحية السياسية أو المهنية، ومع ذلك يظل دستورياً، لأن “الخطأ السياسي ليس دائماً عيباً دستورياً”.
وأكد الكاتب أن معركة البرلمان انتهت بإقرار النص وإحالته على المحكمة الدستورية، وأن القضاء الدستوري ليس بديلاً عن الحوار السياسي، معتبراً أن المحكمة لا تصنع التوافقات التي عجز الفاعلون السياسيون عن تحقيقها، بل تزن النص بميزان الدستور فقط. فإذا قضت بمطابقته للدستور، فلا يعني ذلك تزكية جميع اختياراته، وإذا صرحت بعدم دستورية بعض مقتضياته، فإن ذلك يمثل انتصاراً لسمو الدستور وليس لطرف على حساب آخر.
وتوقف النهري عند السياق السياسي الذي يحيط بالملف، مبرزاً أن الأغلبيات البرلمانية بطبيعتها مؤقتة، بينما تستمر آثار القوانين والمؤسسات لعقود، وهو ما يفرض، بحسبه، اعتماد منطق الدولة في التشريع بدل الاكتفاء بمنطق الأغلبية الحكومية العابرة، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقبلة.
واستحضر الكاتب بلاغ جمعية هيئات المحامين بالمغرب الصادر في 20 يوليوز 2026، والذي اعتبر أن إحالة المشروع على المحكمة الدستورية لا تنهي الأزمة، لأنها في جوهرها أزمة منهج وثقة مرتبطة، بحسب الجمعية، بعدم احترام التوافقات وآليات الديمقراطية التشاركية. ويرى النهري أن هذا الموقف يؤكد أن النزاع الحقيقي ما يزال قائماً خارج أسوار المحكمة.
ودعا الأستاذ الجامعي الحكومة، باعتبارها صاحبة المبادرة التشريعية، إلى تحمل مسؤوليتها في إعادة فتح قنوات الحوار والابتعاد عن منطق الغلبة، مقابل دعوة المهنة إلى مواصلة الدفاع عن مطالبها بحجج دستورية وقانونية رصينة، بعيداً عن كل ما قد يضعف موقفها أمام الرأي العام.
وفي سياق متصل، انتقد النهري اعتماد بعض الأصوات داخل المهنة على مبرر “الأعراف والتقاليد” في مواجهة القانون الجديد، موضحاً أن العرف المهني لا يعلو على النص القانوني، ولا يمكن الاحتجاج به في مواجهة تشريع نافذ، لأن مكانته في التراتبية القانونية تظل مكملة للنص وليست بديلاً عنه. وأضاف أن استقلال المحاماة لا يعني الإفلات من القانون، بل ممارسة المهنة بحرية في إطار احترامه.
وختم النهري مقاله بالتأكيد على أن قوة الدولة لا تتحقق بفرض إرادتها على المؤسسات، وإنما ببناء مؤسسات مستقلة وقوية، من بينها القضاء والجامعة والإعلام والمحاماة، معتبراً أن الدفاع عن استقلال المحاماة هو في جوهره دفاع عن حق المواطن في محاكمة عادلة ودولة قانون، وأن المحكمة الدستورية ستفصل في دستورية النص، لكن استعادة الثقة وبناء الشرعية يظلان رهينين بالحوار والتوافق بين مختلف الأطراف.




