هدى المساوي
ما حدث في هذه التظاهرة ليس مجرد بطولة رياضية، بل مرآة كاشفة للعقليات، المغرب لم يستضف حدثاً عادياً، بل نظم نسخة يُشهد لها من حيث الإمكانيات، التقنيات، البنى التحتية، والإنضباط. ملاعب بمعايير عالمية، تنظيم محكم، أمن حاضر باحتراف، وإستقبال يعكس عمق الثقافة المغربية التي ترى في الضيف قيمة لا تُمس. من أعلى هرم المسؤولية إلى أصغر متطوع، الجميع إشتغل بروح واحدة : إنجاح الحدث وتشريف البلاد.
لكن، وكالعادة، النجاح لا يقابل دائماً بالاعتراف، بل أحياناً يقابل بـالحقد والإنكار. بدل الشكر و التقدير، صُدمنا بسلوك منحط ومخزٍ لضيف جزائري على أراضينا موثقاً فعلته في فيديو، في حالة إستعراض فجّ لقلة الذوق وإنعدام الأخلاق.
أي مستوى هذا ؟ وأي رسالة يحملها ؟ هل هذا حقد دفين ؟ أم أن الإساءة أصبحت وسيلة للتعبير عن العجز ؟
بعد ذلك، تبدأ حملة الأعذار الجاهزة. الجزائر تخرج بإتهام خطير : “المغرب يرشي الحكام”. إتهام ثقيل، يطلق بلا وثيقة، بلا دليل، بلا حياء. فقط كلام يرمى في الهواء لتسميم الأجواء وتشويه نجاح لم يستطيعوا مجاراته. حتى قنواتهم كل المواضيع حاضرة : السياسة، المؤامرات، الاتهامات… إلا التحليل الكروي غائب تماماً، الأمر هكذا عندما تعجز عن الفوز داخل المستطيل الأخضر، يصبح الهروب إلى نظريات المؤامرة أسهل طريق.
مصر بدورها إختارت مسار التبرير، فإشتكت من الفندق، وكأن الفندق هو من أضاع الفرص، أو ارتكب الأخطاء، أو خسر المباريات. علماً أن إقامتهم كانت في أحد أرقى الفنادق السياحية، بشهادة الجميع، ففي ثقافتنا المغربية الأصيلة، من يهاجم بيت من إستضافه يسمى عديم الأصل… ومن يفعلها علناً يوقع شهادة إفلاسه الأخلاقي.
الحقيقة البسيطة أن المشكلة لم تكن في الفندق، بل في الأداء، لكن الاعتراف بالفشل أصعب من إختلاق ذريعة.
وفي نصف النهائي أمام السنغال، إنفجرت الصورة الحقيقية. رفض قرارات التحكيم، إنسحاب من الملعب، تعطيل للمباراة، وفوضى في المدرجات. مشجعون يكسرون، يهاجمون عناصر الأمن، ويتصرفون وكأنهم في ساحة صراع لا في بطولة رياضية. هذه التصرفات لا تسيء للمغرب ولا لتنظيمه، بل تدين أصحابها وتكشف معدنهم.
تستأنف المباراة، تعلن ضربة جزاء، فينفذها “دياز” بلا أي روح قتالية، وكأن الأمر مجرد واجب ثقيل لا رغبة فيه. الأغرب من ذلك أن لاعبي السنغال لم يبدوا أي رد فعل عند إضاعة الهدف. لا فرحة، لا توتر، لا إحتفال. برود غير طبيعي وصمت يطرح أكثر من علامة إستفهام، ويجعل المشهد كله يبدو وكأنه جزء من سيناريو مرسوم سلفاً.
ولو أن كل هذه الفرق، ولاعبوها، ومسؤولوها، وجماهيرها، صرفوا ربع هذا الهجوم وهذه الطاقة ضد الفرق الخصمة داخل الملعب، بدل توجيهها نحو الحكام، والتنظيم، والمضيف، لكان الفوز في المتناول، لكن من الأسهل الصراخ خارج الملعب من القتال داخله.
ما وقع لم يكن صدفة، بل سلسلة متكاملة من السلوكيات الممنهجة : تشكيك، إنسحاب، فوضى، إتهامات، ومحاولات بائسة لتشويه الصورة. عندما لا تستطيع مجاراة النجاح، تحاول تلويثه، وعندما تعجز عن التفوق، تبحث عن شماعة تعلق عليها إخفاقك.
لكن الحقيقة تبقى ثابتة، مهما إرتفع الضجيج :
المغرب نجح في التنظيم، نجح في الاستضافة، ونجح في كسب إحترام منصفين يعرفون قيمة العمل. أما الباقي، فليس سوى ضوضاء خاسرين.
وما بُني بالجدية، والاحتراف، والاحترام، لن تهدمه تصرفات صبيانية، ولا إتهامات فارغة، ولا حملات تشويه رخيصة..
ما علمتنا إياه هذه التظاهرة يتجاوز كرة القدم والنتائج والتحكيم. لقد علمتنا أن الوطن ليس فندقاً نغادره عند أول خيبة، ولا منصة نسيء إليها عندما لا تخدم أهواءنا. الوطن وطننا نحن، وطن أجدادنا الشرفاء، الذي بُني بالتضحيات والعرق والكرامة، ولا مكان فيه لمن لا شرف له، ولا قيمة لمن يطعن فيه عند أول إختبار.
تعلمنا أن الانتماء الحقيقي يظهر في لحظات الضغط، لا في لحظات التصفيق. وأن من لا يحترم وطنه، ولا يدافع عنه، ولا يصونه من التشويه، لا يستحق أن يتكلم بإسمه. وطننا ليس خياراً مؤقتاً، ولا ورقة نلعب بها حسب المصالح. هو وطننا الأول والأخير، وليس وطناً ثانياً لأي كان، ولا تابعاً لأحد، ولا موضوعاً للمساومة.
هذه التظاهرة مرت، لكن رسائلها ستبقى : المغرب ثابت، شامخ، واثق من نفسه، ومن لا يحتمل رؤية وطن قوي وناجح، فمشكلته ليست مع المغرب…بل مع نفسه !
أنا هدى المساوي، أقولها وأنا أتحمل كامل المسؤولية عما أقول، سموها تحريضاً، سموها فتنة، سموها ما شئتم، الفتنة لم تبدأ اليوم، هي كانت مستيقظة منذ زمن… نحن فقط من كنا نائمين..
من الآن فصاعداً، يجب أن تكون الأولوية لأبنائنا، لفلذات أكبادنا، لإخوتنا… أما الآخر فيبقى ضيفاً لا أكثر، لا مكان بعد اليوم للترحيب المبالغ فيه، ولا للمجاملات المجانية، ولا لفتح الأبواب لمن لا يعرف قيمة ما يقدم له.
عاملوا الناس على قدر ما يستحقون، لا أقل ولا أكثر. فالكرامة لا توزع بسخاء، والإحترام لا يُمنح إلا لمن يحسن حمله..
الوطن وطننا، والأرض أرضنا و ديما مغرب..





