احتضنت كلية العلوم القانونية والسياسية بتطوان مناقشة أطروحة دكتوراه في القانون الخاص، تقدم بها الباحث نور الدين المدن، تحت إشراف الأستاذ الدكتور محمد التليدي، حول موضوع «موقع العفو في السياسة العقابية»، في دراسة أكاديمية سعت إلى تفكيك الإطار القانوني والمؤسساتي لهذه الآلية، واستجلاء دورها في تحقيق التوازن بين تنفيذ العقوبات ومقتضيات الإصلاح وإعادة الإدماج.
وتكتسي هذه الأطروحة أهمية خاصة بالنظر إلى محدودية الدراسات الأكاديمية المتخصصة في مؤسسة العفو، رغم مكانتها ضمن الممارسة القانونية والجنائية، وما تثيره من إشكالات تتصل بتنفيذ الأحكام القضائية، والسياسة الجنائية، وحقوق الضحايا، فضلاً عن انعكاساتها على الأمن المجتمعي.
وجرت المناقشة أمام لجنة علمية ترأسها الدكتور أمين أعزان، أستاذ التعليم العالي بكلية العلوم القانونية والسياسية بطنجة، وعضوية كل من الدكتور عبد المهيمن حمزة، أستاذ التعليم العالي بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال بالرباط، والدكتور سعد بن عجيبة، أستاذ مؤهل بكلية العلوم القانونية والسياسية بتطوان، والدكتورة منال منصور، أستاذة مؤهلة بكلية أصول الدين بتطوان، والدكتور عبد الحميد المليحي، أستاذ مؤهل بكلية العلوم القانونية والسياسية بطنجة، إلى جانب الأستاذ المشرف الدكتور محمد التليدي.

وانطلق الباحث في دراسته من إشكالية محورية تتعلق بمدى قدرة المشرع المغربي على تأطير مؤسسة العفو بما يضمن التوفيق بين مقتضيات الردع وحضور البعد الإنساني للعقوبة، ويجعل من العفو آلية منسجمة مع توجهات السياسة الجنائية الحديثة.
وتزداد راهنية هذا الموضوع في ظل التحولات التي يعرفها التشريع الجنائي بالمغرب، خاصة مع المستجدات المرتبطة بالقانون رقم 03.23 والقانون رقم 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة، وما تطرحه هذه النصوص من تساؤلات بشأن موقع العفو ضمن منظومة تنفيذ العقوبات والبدائل المتاحة لإعادة تأهيل المحكوم عليهم.
وتوزعت الأطروحة على بابين رئيسيين؛ خصص الأول لدراسة موقع مؤسسة العفو ضمن فلسفة الدولة في إنزال العقاب، مع الوقوف عند تمييزها عن المؤسسات القانونية المشابهة، واستعراض مبرراتها في التشريع المغربي وبعض التجارب المقارنة. فيما تناول الباب الثاني موقع العفو في السياسة الجنائية المغربية، من خلال تحليل النصوص القانونية المؤطرة للمسطرة، والتمييز بين العفو الشامل والعفو الخاص، والآثار القانونية المترتبة عن كل منهما.

كما أولت الدراسة اهتماماً خاصاً بدور لجنة العفو، باعتبارها إحدى الآليات المؤسساتية الأساسية في دراسة الطلبات وإبداء الرأي بشأنها، إلى جانب بحث تعدد الجهات المتدخلة في إعداد الملفات وإحالتها وتتبعها، وما يرتبط بذلك من إشكالات التنسيق وتوزيع الاختصاصات بين وزارة العدل ورئاسة النيابة العامة، خصوصاً بعد استقلال هذه الأخيرة.
وسجلت الأطروحة مجموعة من الاختلالات التي تطبع الإطار القانوني والتنظيمي لمؤسسة العفو، من أبرزها تعدد النصوص والمناشير والدوريات المؤطرة لها، واختلاف المرجعيات المعتمدة قبل استقلال النيابة العامة وبعده، فضلاً عن بعض الإشكالات المرتبطة باستعمال المصطلحات القانونية والتمييز بين العفو وسقوط الدعوى العمومية وقرينة البراءة.
وفي تقييمه للممارسة العملية، خلص الباحث إلى أن لجنة العفو تشكل ضمانة مؤسساتية مهمة، غير أن تعدد المتدخلين والطابع الاستشاري للجنة، إلى جانب محدودية التنسيق وتبادل المعطيات، قد يؤثر في نجاعة المسطرة. كما أشار إلى أن وضوح مراحل معالجة طلبات العفو لا يلغي الإشكالات المرتبطة بطول الآجال وصعوبة تتبع الملفات ومعرفة مآلها.
وشددت الدراسة على أن تقييم مؤسسة العفو لا ينبغي أن يظل محصوراً في عدد المستفيدين، بل يتعين أن يستند إلى مؤشرات أكثر شمولاً، تشمل مدى مساهمتها في إعادة الإدماج، والحد من العود إلى الجريمة، والتخفيف من الاكتظاظ داخل المؤسسات السجنية، مع مراعاة حقوق الضحايا ومتطلبات الأمن المجتمعي.
رقمنة المسطرة وتوحيد المرجعيات القانونية
وفي الشق المتعلق بالتوصيات، دعا الباحث إلى مراجعة المقتضيات القانونية المرتبطة بالعفو في قانون المسطرة الجنائية، بما يضمن التدقيق في الآثار القانونية لكل نوع من أنواعه على الدعوى العمومية والعقوبة والحكم القضائي وحقوق الضحايا.
كما أوصى بتوضيح المفاهيم القانونية المرتبطة بالعفو، والتمييز بدقة بين العفو الشامل والعفو العام والعفو الخاص، وبين العفو الفردي والجماعي والعفو العادي والاستثنائي، تفادياً للتداخل والالتباس في تحديد طبيعة كل مؤسسة وآثارها.
ومن بين المقترحات التي حملتها الأطروحة، تجميع النصوص التشريعية والتنظيمية والتوجيهية المؤطرة للعفو ضمن مرجع قانوني موحد ومحيّن، يحدد المقتضيات التي ما تزال سارية وتلك التي جرى تعديلها أو إلغاؤها، بما يحد من تشتت المرجعيات واختلاف الممارسات.
وعلى المستوى المؤسساتي، دعا المدن إلى تعزيز تركيبة لجنة العفو وتقوية تمثيلية الهيئات القضائية والحقوقية داخلها، وتحسين التنسيق بين مختلف الجهات المعنية بدراسة الطلبات واقتراح المستفيدين وتنفيذ القرارات، مع اعتماد معايير أكثر وضوحاً تراعي طبيعة الجريمة وخطورتها، وسلوك المحكوم عليه، ووضعه الاجتماعي والإنساني، ومدى احتمال عودته إلى ارتكاب الجريمة.
كما شدد على ضرورة ضبط آجال معالجة الطلبات وتقليص المراحل غير الضرورية، مع اعتماد الرقمنة الشاملة للمسطرة، بما يتيح تتبع الملفات والاطلاع على مآلها في آجال معقولة، ويعزز الشفافية والنجاعة الإدارية.
ولم تحصر الأطروحة إصلاح مؤسسة العفو في الجوانب القانونية والإجرائية، بل دعت إلى ربط الاستفادة منه ببرامج للمواكبة الاجتماعية والمهنية والنفسية، حتى يشكل العفو محطة ضمن مسار متكامل لإعادة الإدماج، وليس مجرد إجراء يفضي إلى تخفيض العقوبة أو إنهائها.
كما أوصت بملاءمة نظام العفو مع المستجدات التي تعرفها السياسة الجنائية، خاصة في ظل التوسع في اعتماد العقوبات البديلة، وتشجيع الدراسات الميدانية والإحصائية لتقييم أثر العفو على إعادة الإدماج والعود إلى الجريمة وتدبير المؤسسات السجنية.
وتخلص الأطروحة إلى أن مؤسسة العفو، بما تحمله من أبعاد قانونية وإنسانية، تحتاج إلى مزيد من الضبط التشريعي والتنسيق المؤسساتي والتقييم الموضوعي لنتائجها، بما يضمن عدم تعارضها مع قوة الأحكام القضائية، وفي الوقت نفسه يتيح توظيفها كآلية للإصلاح والإنصاف وإعادة الإدماج داخل السياسة العقابية بالمغرب.





