تعيش ساكنة جماعة بني ليث، التابعة لقيادة بني حسان بإقليم تطوان، على وقع وضع يثير الكثير من علامات الاستفهام بشأن تدبير الممتلكات الجماعية، بعدما تحولت سيارة إسعاف حديثة من نوع «ميتسوبيشي»، تسلمتها الجماعة سنة 2019 في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، إلى مركبة متلاشية مركونة بمستودع الجماعة، عقب بقائها خارج الخدمة لأزيد من أربع سنوات، دون أن تنجح المجالس المتعاقبة في إعادتها إلى أداء وظيفتها الاجتماعية والإنسانية.
وتكتسي هذه القضية أهمية خاصة بالنظر إلى ارتباط الأمر بخدمة حيوية تمس سلامة المواطنين وحقهم في الاستفادة من الإسعاف ونقل المرضى، لاسيما في الحالات المستعجلة، في وقت تواصل فيه الجماعة تخصيص اعتمادات مالية سنوية لصيانة سياراتها وآلياتها، دون أن ينعكس ذلك، بحسب معطيات محلية، على إصلاح هذه المركبة وإعادتها إلى الخدمة.
وتشير المعطيات التي توصلت بها جريدة “شمالي” إلى أن سيارة الإسعاف، التي تسلمتها الجماعة سنة 2019 من عامل إقليم تطوان آنذاك، يونس التازي، توقفت عن العمل منذ أكتوبر 2022، قبل أن تدخل في مسار طويل من التعطيل والإهمال، انتهى باستقرارها وسط المتلاشيات بمستودع الجماعة، بعدما كانت قد شوهدت في وقت سابق بأحد مرائب مدينة تطوان وهي في وضعية متدهورة.

شكاية منذ 2024 دون تغيير في الوضع
وكانت القضية قد خرجت إلى العلن في يونيو 2024، بعدما وجه عبد السلام أخريف، مستشار بمجلس جماعة بني ليث، شكاية إلى عامل إقليم تطوان ورئيس دائرة تطوان، نبه من خلالها إلى اختفاء سيارة الإسعاف لأزيد من 18 شهرا، دون تقديم توضيحات بشأن مكان وجودها أو أسباب إخراجها من الخدمة.

وأوضح المستشار، في مراسلته المؤرخة في 4 يونيو 2024، أنه عثر بالصدفة على السيارة بأحد المرائب بمدينة تطوان، حيث كانت مغطاة بغطاء كبير ومربوطة بالحبال، وتبدو عليها آثار التكسير، فضلا عن اختفاء بعض أجزائها، وهو ما دفعه إلى مطالبة السلطات الإقليمية بالتدخل للكشف عن ظروف وجودها هناك وتحديد المسؤوليات المرتبطة بتدهور حالتها.
كما دعا إلى استفسار رئيس الجماعة بشأن أسباب اختفاء هذه المركبة طيلة تلك المدة، والعمل على إعادتها إلى مقر الجماعة وإصلاحها حتى تستأنف تقديم خدماتها لفائدة السكان، محذرا من تداعيات استمرار تعطيل وسيلة نقل مخصصة للتدخل في الحالات الصحية الحرجة.
ورغم مرور أكثر من عامين على توجيه الشكاية، فإن الوضع، وفق المعطيات المتوفرة، لم يعرف أي انفراج يذكر، إذ لا تزال السيارة خارج الخدمة، بعدما انتقلت من أحد مرائب تطوان إلى مستودع الجماعة، حيث انتهى بها المطاف مركونة وسط المتلاشيات.
80 ألف درهم للصيانة في 2026 و130 ألفا في مشروع ميزانية 2027
ولا تتوقف علامات الاستفهام عند ظروف اختفاء السيارة وتدهور حالتها، بل تمتد إلى كيفية تدبير الاعتمادات المالية المرصودة لصيانة أسطول الجماعة. فقد خصصت جماعة بني ليث مبلغ 80 ألف درهم خلال سنة 2026 لصيانة السيارات والآليات، فيما تضمن مشروع ميزانية سنة 2027، الذي صادق عليه المجلس خلال دورة أكتوبر المنصرم، اعتمادا بقيمة 130 ألف درهم للغرض ذاته.
وتثير هذه الأرقام تساؤلات لدى المعارضة بشأن جدوى الاعتمادات المرصودة سنويا، في ظل استمرار تعطل سيارة إسعاف حديثة كان من المفترض أن تشكل إضافة مهمة للعرض الصحي والاجتماعي بالجماعة، خصوصا أن إصلاحها وإعادتها إلى الخدمة لم يتحققا، رغم مرور سنوات على توقفها.
كما سجلت المعارضة ملاحظات بشأن تخصيص اعتمادات سنوية بقيمة 100 ألف درهم لأجور العمال العرضيين، متسائلة عن مدى انعكاس هذه النفقات على الخدمات المقدمة للساكنة، في ظل ما تعتبره غيابا لهؤلاء العمال على أرض الواقع.
الجماعة مهددة بفقدان خدمة الإسعاف
وتزداد خطورة الوضع بالنظر إلى أن سيارة الإسعاف المتوقفة ليست الوحيدة التي تعتمد عليها الجماعة، لكنها كانت الأحدث ضمن أسطولها. أما السيارة الثانية، فتعود إلى سنة 2008، وتعاني، وفق المعطيات المحلية، من التقادم والأعطال المتكررة، ما يضع الساكنة أمام احتمال فقدان خدمة الإسعاف بشكل كامل في حال خروج المركبة المتبقية عن الخدمة.
وفي انتظار معالجة هذا الوضع، يضطر سكان المنطقة، في بعض الحالات، إلى الاستعانة بسيارات إسعاف تابعة لجماعات مجاورة لنقل المرضى، وهو ما قد يزيد من صعوبة التدخل، خصوصا بالمناطق التي تتطلب وقتا للوصول إليها، حيث يشكل التأخر في نقل الحالات الحرجة عاملا قد تكون له عواقب خطيرة.
وأمام استمرار هذا الوضع، تطالب المعارضة بتدخل سلطات إقليم تطوان لإجراء خبرة تقنية على سيارة الإسعاف وفتح تحقيق إداري لتحديد ملابسات تعطلها واختفائها، والكشف عن ظروف تكسيرها واختفاء بعض أجزائها، فضلا عن تحديد المسؤوليات بشأن بقائها خارج الخدمة طوال هذه المدة.
كما تدعو إلى توضيح أوجه صرف الاعتمادات المخصصة لصيانة السيارات والآليات، ومدى استفادة أسطول الجماعة منها، معتبرة أن القضية تتجاوز مجرد تعطل مركبة، لتطرح إشكالا أعمق يتعلق بحماية الممتلكات الجماعية وصيانة المال العام وضمان استمرارية المرافق والخدمات الأساسية.
وبين سيارة إسعاف حديثة تحولت إلى متلاشيات، وأخرى تعاني من التقادم والأعطاب، تجد ساكنة بني ليث نفسها أمام سؤال ملح: كيف يعقل أن تظل مركبة اقتنيت لخدمة المواطنين معطلة لأكثر من أربع سنوات، بينما تتجدد سنويا الاعتمادات المالية المخصصة لصيانة آليات الجماعة؟





