كشف وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، أن الموقف الروسي المعارض لمشروع القرار المتعلق بالصحراء المغربية داخل مجلس الأمن الدولي لم يكن مفاجئاً للرباط، مؤكداً أن المغرب كان على علم مسبق بإمكانية استخدام موسكو حق النقض (الفيتو)، وأنه اختار التعامل مع هذا التطور وفق مقاربة استراتيجية تستند إلى التوجيهات الملكية الداعية إلى الانتقال من منطق «التدبير» إلى منطق «التغيير».
وأوضح بوريطة، خلال استضافته في لقاء خاص على قناة «القناة الثانية»، بمشاركة الإعلامية سناء والزميلين جامع كولحسن وعبد الله الترابي، أن التطورات التي شهدها مجلس الأمن مساء الجمعة 30 أكتوبر 2026، لا يمكن قراءتها بمعزل عن التحولات التي عرفها ملف الصحراء المغربية خلال السنوات الأخيرة، سواء على مستوى المواقف الدولية أو طبيعة الدعم الذي تحظى به المبادرة المغربية للحكم الذاتي.
وأكد الوزير أن المغرب كان يتطلع إلى صدور قرار أممي حاسم وواضح، يستند إلى القرار 2797، ويحدد بصورة دقيقة أسس العملية السياسية ومستقبلها والأطراف المعنية بها، بعيداً عن الصياغات الغامضة التي طبعت عدداً من القرارات السابقة.
من التدبير إلى التغيير.. لماذا لم يتراجع المغرب أمام الفيتو الروسي؟
وفي حديثه عن خلفيات الموقف المغربي، استحضر بوريطة التوجيه الملكي القائم على ضرورة الانتقال من «التدبير إلى التغيير»، موضحاً أن التدبير يعني الاشتغال وفق قواعد قائمة ومحاولة تحقيق نتائج داخلها، بينما يقتضي التغيير إعادة تقييم تلك القواعد ومدى قدرتها على مواكبة التحولات والمساهمة في إيجاد الحلول.
وأضاف أن المغرب وجد نفسه أمام خيارين بعد ظهور مؤشرات معارضة روسيا لمشروع القرار؛ الأول يتمثل في التعامل مع الفيتو باعتباره عقبة ينبغي تجاوزها، من خلال إدخال تعديلات على النص وتخفيف بعض مقتضياته لضمان تمريره، والثاني اعتبار هذا التطور فرصة لإعادة النظر في قواعد الاشتغال الأممي التي أصبحت، بحسب تعبيره، غير منسجمة مع التحولات التي عرفها النزاع.
وشدد بوريطة على أن الرباط اختارت المقاربة الثانية، باعتبار أن الاستجابة لمطالب تعديل القرار من أجل تفادي الفيتو كانت ستُبقي الأمور في إطار التدبير التقليدي، دون معالجة الإشكالات المرتبطة بقواعد اللعبة الأممية.
وكشف الوزير أن احتمال استخدام روسيا حق النقض كان مطروحاً منذ أيام، وأن المغرب لم يفاجأ به لحظة التصويت، بل تعامل معه ضمن تصور مسبق يأخذ بعين الاعتبار مختلف السيناريوهات.
المغرب لا يعود إلى نقطة الصفر.. 35 سنة من المينورسو أصبحت من الماضي
وبخصوص ما إذا كان فشل مجلس الأمن في اعتماد قرار جديد يعني العودة إلى مرحلة ما قبل مسلسل التسوية، استبعد بوريطة هذا الاحتمال، معتبراً أن السياق الدولي والسياسي الحالي يختلف بشكل جوهري عن الظروف التي أُحدثت فيها بعثة المينورسو قبل 35 سنة.
وأوضح أن هناك ثلاثة عناصر أساسية تجعل الوضع الحالي مختلفاً عن مرحلة بداية النزاع.
ويتعلق العنصر الأول بالدينامية الدولية التي تشكلت خلال السنوات الأخيرة، من خلال تنامي دعم عدد من الدول الكبرى والمؤثرة لمغربية الصحراء ولمبادرة الحكم الذاتي، إلى جانب المواقف الداعمة داخل مجلس الأمن، حيث صوتت 11 دولة لصالح مشروع القرار الذي كان يدعم التوجه المغربي، من بينها دول دائمة العضوية.
أما العنصر الثاني، فيرتبط بتغير الظروف والسياقات التي أُنشئت في ظلها بعثة المينورسو، إذ يرى الوزير أن الإطار الذي تأسست فيه البعثة لم يعد يعكس بالضرورة واقع النزاع وتطوراته الحالية، وهو ما يطرح، بحسبه، تساؤلات حول مدى ملاءمة استمرار الآليات نفسها والولاية ذاتها.
ويتمثل العنصر الثالث في ضرورة تحقيق الانسجام بين التحولات التي يشهدها الواقع الدولي والدبلوماسي وبين آليات الأمم المتحدة، التي اعتبر بوريطة أن بعضها لا يزال محكوماً بقواعد متجاوزة تعود إلى مراحل سابقة.
وفي هذا السياق، استحضر الوزير الدينامية التي راكمها المغرب على المستوى الثنائي، خصوصاً مع الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وألمانيا وعدد من الدول الأخرى، متسائلاً عن مدى إمكانية توظيف هذا الزخم للتأثير في المسار الأممي وتطوير آلياته.
المينورسو في قلب التحولات الجديدة
واعتبر بوريطة أن النقاش لم يعد يقتصر على مضمون القرارات الأممية، بل أصبح يشمل أيضاً طبيعة الآليات المعتمدة في تدبير الملف، وفي مقدمتها بعثة المينورسو، التي أُحدثت في سياق تاريخي وسياسي مختلف.
وأشار إلى أن المغرب يرى ضرورة مراجعة عدد من الموروثات المرتبطة بالمرحلة السابقة، بما في ذلك تسمية البعثة وطبيعة مهامها والأطراف المخاطبة في المسلسل السياسي ومآلات هذا المسار.
وبحسب الوزير، فإن الإشكال يكمن في استمرار التعامل مع الملف وفق قواعد لم تعد منسجمة مع التحولات التي شهدتها القضية، وهو ما يفرض التفكير في صيغة جديدة تجعل المسار الأممي أكثر توافقاً مع الواقع السياسي والدبلوماسي الحالي.
الدعم الدولي للمغرب.. قراءة في نتائج التصويت
وفي معرض تقييمه لنتائج التصويت داخل مجلس الأمن، اعتبر بوريطة أن المواقف المسجلة تعكس وجود دينامية دولية متواصلة بشأن قضية الصحراء المغربية، مشيراً إلى أن القرارات الأممية ليست مجرد نصوص إنشائية، بل تحمل رسائل سياسية ينبغي أن تكون واضحة في مضامينها وصياغاتها.
وأوضح أن المغرب كان يدفع منذ بداية المشاورات نحو قرار واضح لا يترك مجالاً للغموض بشأن أساس التفاوض والأطراف المعنية به والنتائج المنتظرة من العملية السياسية.
وأضاف أن استمرار إدراج مقتضيات مرتبطة بالمرحلة السابقة دون مراجعة لم يعد، من وجهة نظر المغرب، منسجماً مع التحولات التي عرفها الملف، مؤكداً أن الرهان يتمثل في الانتقال إلى مرحلة جديدة تتجاوز منطق الجمود وتستثمر التحولات الدبلوماسية المسجلة خلال السنوات الماضية.
وتعكس هذه التصريحات، وفق القراءة التي قدمها الوزير، تمسك الرباط بتوظيف الدعم الدولي المتزايد لمبادرة الحكم الذاتي من أجل الدفع نحو إعادة صياغة المقاربة الأممية للنزاع.
مرحلة جديدة في ملف الصحراء المغربية
وتأتي تصريحات بوريطة في أعقاب البلاغ الصادر عن الديوان الملكي عقب تصويت مجلس الأمن، والذي اعتبر عدم تمديد مهمة بعثة المينورسو تطوراً مهماً وخطوة ذات دلالة في مسار القضية الوطنية.
ويفتح هذا التطور، بحسب المقاربة التي عرضها الوزير، النقاش حول مستقبل الإطار الأممي الذي ظل يؤطر النزاع لعقود، ومدى الحاجة إلى آليات جديدة تتلاءم مع التحولات السياسية والدبلوماسية التي عرفها الملف.
كما يعيد طرح مسألة طبيعة المفاوضات المستقبلية والأطراف التي ينبغي أن تشارك فيها، إلى جانب الأساس الذي ستنطلق منه أي عملية سياسية مقبلة.
وفي هذا الإطار، تظل المبادرة المغربية للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية محور التحرك الدبلوماسي للرباط، التي تسعى إلى تحويل الدعم الدولي الذي راكمته خلال السنوات الأخيرة إلى أرضية عملية لإيجاد تسوية سياسية للنزاع.
وتؤشر تصريحات وزير الخارجية المغربي إلى أن الرباط لا تنظر إلى التطورات الأخيرة باعتبارها مجرد تعثر تقني داخل مجلس الأمن، وإنما باعتبارها مناسبة لإعادة تقييم الإطار الذي أُديرت من خلاله قضية الصحراء المغربية على مدى أكثر من ثلاثة عقود، والبحث عن قواعد جديدة تنسجم مع التحولات التي عرفها الملف.





