أمينة أُشعيب
في الوقت الذي يتفاخر فيه المسؤولون بمدينة سلا بجمالية وهندسة مركب سوق الصالحين النموذجي، الذي كلف ميزانية ضخمة ناهزت 36,1 مليار سنتيم (361 مليون درهم)، تكفي جولة قصيرة بجوار إعدادية السمارة بحي كريمة لتقف على الوجه الآخر والمظلم لهذا المشروع التنموي.
هنا، وعلى رصيف الشارع العام، يصطف العشرات من خياطي الرتوش وراء آلاتهم التقليدية، يمارسون مهنتهم تحت رحمة تقلبات الطقس ونظرات المارة، في مشهد يختزل عمق أزمة الإقصاء التي طالت ذوي الحقوق.
آلات خياطة على الرصيف.. قهر اقتصادي وامتهان للكرامة
هؤلاء الحرفيون لم يكونوا دخلاء، بل شكلوا لسنوات جزءا من الدينامية الاقتصادية ل “سوق الكلب” القديم قبل هدمه. اليوم، وجدوا أنفسهم مقصيين.
تحت أشعة الشمس الحارقة صيفا، ووسط برودة الطقس وزخات المطر شتاء، يواصل هؤلاء الخياطون تشغيل آلاتهم الموضوعة على الإسفلت؛ يقول “ي.ت ” أحد المهنيين من عين المكان بمرارة: “لم نطلب المستحيل، جرى إحصاؤنا وتلقينا وعودا بالحصول على مربعات تجارية تحفظ كرامتنا، لكننا فوجئنا بإسقاط أسمائنا ومنح الأماكن لدخلاء. الرصيف هو ملاذنا الوحيد اليوم لكي لا نمد أيدينا للاستجداء أو نقع في براثن التشرد”.
ويضيف “م.أ” بحسرة: “نتحمل حرارة الصيف ونشتغل بماكينات تقليدية ونحن تعودنا على الكهربائية، ولكن حين تهطل الأمطار لا نشتغل، ولكم أن تتصوروا معاناة حِرفي يحرم من كسب قوت يومه ولو ليوم واحد … وعدونا بأكشاك مثل أكشاك باعة الطيور والورد ولم نتوصل بشيء”
لوائح مشبوهة والفرقة الوطنية تدخل على الخط
تفسر الهيئات الحقوقية هذا الوضع، بكونه انعكاس لاختلالات شابت اللوائح النهائية للمستفيدين.
وفي هذا السياق، وجب التذكير بأن الفرقة الوطنية للشرطة القضائية سبق وأن فتحت بحثا قضائيا حول شبهات تلاعب في لوائح المستفيدين من سوق الصالحين، انتهى برفع الملف إلى النيابة العامة وقاضي التحقيق بالرباط.
وفي انتظار ماسيسفر عنه المسار القضائي، يظل الوضع على الأرض على حاله: الدخلاء داخل المحلات، وذوو الحقوق في الشارع
نداء لرفع التهميش وتصحيح المسار
أمام هذا الصمود الميداني المرير، يجدد خياطو الرتوش بجوار إعدادية السمارة، ملتمسهم إلى عامل عمالة سلا والمصالح المركزية لوزارة الداخلية، ليس من أجل “الصدقة”، بل لتفعيل الفلسفة الحقيقية للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي بني على أساسها سوق الصالحين.
ويطالب المتضررون بإنهاء وضعية “خياطة الرصيف” عبر إدماجهم في مربعات داخل السوق، أو على الأقل تهيئة فضاء نموذجي مغطى ومصغر يحميهم ويضمن لهم الحد الأدنى من العيش الكريم، انسجاما مع التوجيهات الملكية السامية التي جعلت من هذا المشروع آلية لانتشال الفئات الهشة من الشارع، لا تثبيتها فيه.





