أكد حميد النهري، أستاذ المالية العمومية بجامعة عبد المالك السعدي ورئيس الجمعية المغربية للمالية العمومية، أن مشروع قانون المالية لسنة 2027 يشكل اختباراً أساسياً للحكومة الجديدة، باعتباره أول محطة مالية لترجمة برنامجها الحكومي إلى إجراءات وموارد واعتمادات قابلة للتنفيذ، رغم أن عملية إعداده انطلقت في ظل الحكومة السابقة.
وأوضح النهري، في قراءة تحليلية بعنوان «قانون المالية 2027: برنامج جديد… وميزانية بدأت قبل الحكومة»، أن المرحلة الحالية تفرض التمييز بين الوعود الانتخابية والالتزامات الحكومية والاختيارات المالية الفعلية، مشيراً إلى أن مناقشة مشروع قانون المالية تنقل النقاش السياسي من مستوى الإعلان عن الأولويات إلى مستوى تحديد ما قررت الحكومة تمويله وما اختارت تأجيله.
واعتبر أن خصوصية مشروع مالية 2027 تكمن في كونه يأتي في سياق سياسي جديد، بأغلبية ومعارضة وبرنامج حكومي جديد، في حين بدأت مراحل إعداده في عهد الحكومة السابقة، وهو ما يطرح تساؤلات بشأن طبيعة الاختيارات التي تم الاحتفاظ بها، والتدابير التي جرى تعديلها، والإضافات التي تعكس توجهات الأغلبية الجديدة.
وشدد النهري على أن إعداد الميزانية عملية مؤسساتية وتقنية تمتد على عدة أشهر، وأن بعض النفقات والالتزامات، المرتبطة بالأجور وخدمة الدين والمشاريع الجارية والالتزامات التعاقدية، لا يمكن تغييرها بشكل فوري. غير أنه أكد أن هذه الاستمرارية لا تعفي الحكومة من مسؤولية تحديد أولوياتها وتوضيح اختياراتها السياسية والمالية.
التشغيل والقدرة الشرائية.. اختبار الأولويات الحكومية
وفي معرض تحليله لمضامين المشروع، أبرز النهري أن التوجهات المعلنة تشمل القدرة الشرائية، وتوطيد الدولة الاجتماعية، وإدماج الشباب، والتنمية الترابية، وتعزيز السيادة الاستراتيجية، ودعم الاستثمار والنمو.
غير أنه اعتبر أن الانسجام بين هذه الأولويات وعناوين البرنامج الحكومي لا يكفي للحكم على مدى ترجمتها إلى سياسات فعلية، ما لم تقترن بإجراءات واضحة واعتمادات مالية قابلة للقياس، ومؤشرات محددة لتقييم النتائج.
وفي هذا السياق، طرح تساؤلات بشأن الموارد المخصصة للتشغيل، وطبيعة البرامج الجديدة لإدماج الشباب، وعدد فرص الشغل المستدامة المرتقبة، إلى جانب التدابير التي تعتزم الحكومة اتخاذها لتحسين القدرة الشرائية للأسر، ومدى انعكاس الاعتمادات المخصصة للصحة والتعليم والحماية الاجتماعية على جودة الخدمات وتقليص الفوارق.
وأكد أن تقييم الاختيارات الحكومية ينبغي ألا يقتصر على حجم الاعتمادات المرصودة، بل يجب أن يشمل الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها والنتائج المنتظرة منها.
130 مليار درهم للتنمية الترابية.. التمويل والتنفيذ في صلب التحدي
وتوقف النهري عند الغلاف المالي الذي يتضمنه البرنامج الحكومي للجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، والمحدد في 130 مليار درهم على مدى خمس سنوات، مشيراً إلى أن تمويل هذه البرامج يقوم على مساهمة الدولة بنحو ثلاثة أرباع الغلاف، مقابل مساهمة الجماعات الترابية بالربع المتبقي.
وأوضح أن هذه الصيغة تطرح تحديات مرتبطة بقدرة الجماعات الترابية على تعبئة حصتها من التمويل، فضلاً عن قدرتها التدبيرية على تنفيذ المشاريع المبرمجة.
كما أشار إلى التوجه الرامي إلى رفع التحويلات المالية من الدولة إلى الجهات من 10 مليارات إلى ما لا يقل عن 12 مليار درهم سنوياً ابتداءً من سنة 2027، إلى جانب رفع حصة الجماعات الترابية من الضريبة على القيمة المضافة.
واعتبر أن هذه الالتزامات المالية تظل رهينة بترجمتها الفعلية داخل قانون المالية، وبوضوح معايير توزيع الموارد واختيار المشاريع، وتحديد الجهات المسؤولة عن التنفيذ والنتائج المنتظرة.
أول قانون مالية للحكومة الجديدة.. ضرورة تحديد جدول زمني للالتزامات
وأكد النهري أن مطالبة الحكومة بتنفيذ جميع التزامات برنامجها خلال السنة الأولى قد تكون غير واقعية، بالنظر إلى أن الولاية الحكومية تمتد، في مسارها العادي، خمس سنوات، وأن تنزيل الإصلاحات يتم بصورة تدريجية عبر قوانين المالية والبرمجة الميزانياتية متعددة السنوات.
لكنه شدد، في المقابل، على أن السنة الأولى ينبغي أن تقدم مؤشرات واضحة بشأن اتجاه السياسة الحكومية، من خلال تحديد الأولويات والموارد والجدول الزمني لتنفيذ الالتزامات.
وأضاف أن تأجيل بعض الإصلاحات قد يكون مبرراً لأسباب مالية أو تقنية، شريطة أن يكون تأجيلاً معللاً ومبرمجاً، لا مجرد ترحيل مفتوح للوعود.
وفي هذا الإطار، استحضر التزام الحكومة بربط كل تعهد وارد في برنامجها بمؤشر مرجعي لسنة 2026، وهدف محدد عند نهاية الولاية، ومؤشرات سنوية للإنجاز والأثر، مع تحديد الجهة المسؤولة عن التنفيذ ونشر حصيلة دورية تتيح تتبع ما تحقق وما تأخر وأسباب ذلك.
واعتبر أن تفعيل هذه الآليات من شأنه تعزيز الشفافية والمساءلة، مؤكداً أهمية التحقق من مدى إتاحة الوثائق المرافقة لمشروع قانون المالية لسنة 2027 مؤشرات واضحة تسمح بقياس التقدم في تنفيذ البرنامج الحكومي.
البرلمان أمام اختبار مراقبة الاختيارات المالية
ولم يقتصر تحليل النهري على مسؤولية الحكومة، بل امتد إلى دور البرلمان في مناقشة المشروع، في ظل تشكيلة جديدة للأغلبية والمعارضة.
وأشار إلى أن الأغلبية التي منحت الثقة للبرنامج الحكومي مطالبة بإبراز مدى انسجام مشروع قانون المالية مع الالتزامات التي صادقت عليها، فيما يتعين على المعارضة الانتقال من انتقاد الوعود الانتخابية إلى فحص الاختيارات المالية وتقديم البدائل الممكنة.
وأكد أن مناقشة الميزانية ينبغي ألا تختزل في المطالبة برفع اعتمادات أو خفض أخرى، بل يجب أن تشمل الأهداف والنتائج ومدى مساهمة الإنفاق العمومي في تحقيق الالتزامات الحكومية.
وفي هذا السياق، دعا إلى ربط مشروع قانون المالية بالبرنامج الحكومي والبرمجة الميزانياتية متعددة السنوات ووثائق نجاعة الأداء، بما يسمح بتقييم السياسات العمومية على أساس النتائج، وليس فقط حجم الموارد والنفقات.
«الاستمرارية لا تعفي الحكومة من تقديم اختيارات جديدة»
وخلص النهري إلى أن مشروع قانون المالية لسنة 2027 يتيح أساساً أكثر جدية لمساءلة الحكومة بشأن أولوياتها الفعلية، من خلال التمييز بين ما ورثته من البرمجة السابقة، وما اختارت الاستمرار فيه، وما أضافته تعبيراً عن توجهاتها الجديدة.
وشدد على أن الحكومة لا تبدأ من صفحة بيضاء، بالنظر إلى طبيعة الالتزامات المالية والمؤسساتية الممتدة، لكنها في المقابل لا تستطيع اتخاذ الاستمرارية مبرراً دائماً لغياب الاختيارات الجديدة.
واعتبر أن الاختبار الحقيقي لا يكمن فقط في ما ستنفقه الحكومة خلال سنة 2027، بل في مدى قدرتها على تحويل برنامجها إلى قرارات مالية قابلة للتنفيذ، وقياس أثرها الاجتماعي والاقتصادي، وتوضيح كلفتها والجهات المستفيدة منها.
وبحسب النهري، فإن البرنامج الحكومي يحدد ما تعتزم الحكومة القيام به، بينما تكشف قوانين المالية ما قررت تمويله وما اختارت تأجيله، في حين تظل الحصيلة الفعلية المعيار النهائي لتقييم مدى الوفاء بالالتزامات المعلنة.





