بوشتى بوكزول
من أطفال الشوارع والهدر المدرسي إلى القاصرين الذين يخاطرون بحياتهم للوصول إلى سبتة المحتلة، تتعدد قضايا الطفولة المغربية التي تستدعي تعبئة حقوقية مستمرة. فلماذا يثار الجدل بقوة حول مشاركة أطفال طنجة في وقفات تضامنية مع فلسطين، بينما تظل معاناة أطفال آخرين في حاجة إلى مزيد من الترافع والاهتمام؟
أثار بلاغ منظمة «ما تقيش ولدي»، بشأن مشاركة أطفال وقاصرين في وقفات تضامنية مع الشعب الفلسطيني بمدينة طنجة، نقاشا حول حدود حماية الطفولة وعلاقة الأطفال بالتعبير عن المواقف الإنسانية والسياسية. فقد عبرت المنظمة عن قلقها من احتمال تجنيد هؤلاء الأطفال في حملات ذات طابع سياسي وإيديولوجي، ودعت إلى البحث في ظروف مشاركتهم ومساءلة الجهات التي قد يثبت استغلالها لهم.
ولا خلاف في أن حماية الأطفال من الاستغلال والإكراه وتعريض سلامتهم للخطر واجب قانوني وأخلاقي. لكن الإشكال الذي يستحق النقاش لا يتعلق بمشروعية هذا المبدأ، بل بمدى شمولية تطبيقه، وبحضور القضايا الحقيقية التي تهدد الطفولة المغربية في الخطاب الحقوقي ومبادرات المنظمات المعنية.
أطفال المغرب.. معاناة تتجاوز الوقفات الاحتجاجية
أين هي التعبئة الحقوقية المستمرة من أجل الأطفال الذين يغادرون مقاعد الدراسة تحت ضغط الفقر والهشاشة؟ وأين هي الأصوات التي ترفع مطالبها بقوة لحماية أطفال الشوارع، وضحايا العنف والاعتداءات الجنسية، والأطفال الذين يتعرضون للاستغلال الاقتصادي أو يعيشون في ظروف تحرمهم من أبسط مقومات الحياة الكريمة؟
إن الحق في التمدرس ليس مجرد تسجيل الطفل في مؤسسة تعليمية، بل هو ضمانة أساسية لحمايته من الإقصاء والاستغلال، وتمكينه من بناء مستقبل كريم. كما أن حماية الطفل تقتضي توفير بيئة آمنة داخل الأسرة والمدرسة والفضاء العام، وضمان حقه في الرعاية الصحية والنفسية، والتصدي لكل أشكال العنف والإهمال.
وتبرز، في هذا السياق، معاناة الأطفال في وضعية إعاقة، وضحايا التنمر والعنف المدرسي، والمهددين بالاستغلال والابتزاز الإلكتروني، فضلا عن الأطفال الذين يعيشون آثار التفكك الأسري والنزاعات العائلية. وهي ملفات تتطلب عملا وقائيا وميدانيا مستمرا، لا يقتصر على البيانات وردود الفعل المرتبطة بالأحداث الطارئة.
سبتة المحتلة.. حين يصبح الرحيل حلما محفوفا بالموت
ومن أكثر المشاهد إيلاما في واقع الطفولة المغربية محاولات القاصرين الوصول إلى مدينة سبتة المحتلة، حتى عبر السباحة أو طرق محفوفة بالمخاطر، بحثا عن مستقبل يعتقدون أنه أفضل خارج الوطن.
إن هذه الظاهرة، التي شهدت موجات لافتة من محاولات العبور، تطرح أسئلة تتجاوز الجانب الأمني والهجرة غير النظامية: ما الذي يدفع طفلا إلى المخاطرة بحياته في البحر؟ وكيف يصل بعض القاصرين إلى الاعتقاد بأن مستقبلهم يوجد خلف الحدود، مهما كانت المخاطر؟
لا يمكن اختزال دوافع هؤلاء الأطفال في الفقر وحده، فهي تتداخل فيها عوامل اجتماعية وأسرية وتربوية وتطلعات شخصية مختلفة. لكن الظاهرة تستدعي، دون شك، مساءلة الظروف التي تدفع بعضهم إلى المجازفة، وتعزيز برامج الوقاية والمواكبة النفسية والاجتماعية وإعادة الإدماج.
وإذا كانت مشاركة الأطفال في وقفة احتجاجية تستدعي التحقق من ظروفها حماية لهم من الاستغلال، فإن قاصرا يخاطر بحياته للوصول إلى سبتة يستحق بدوره اهتماما حقوقيا جادا، لا ينتهي بانتهاء موجة الاهتمام الإعلامي.
فحماية الطفولة لا تبدأ عند ظهور الطفل في صورة مثيرة للجدل، بل تبدأ من معالجة الظروف التي تحرمه من التعليم والأمان والأمل في المستقبل.
التضامن مع فلسطين.. هل يعني بالضرورة استغلال الأطفال؟
إن التعبير عن التضامن مع أطفال فلسطين، الذين يعانون ويلات الحرب والقتل والتجويع والتهجير والحرمان من التعليم والرعاية، قد يكون بالنسبة إلى بعض الأطفال تعبيرا عن تعاطف إنساني وتربية على قيم التضامن ورفض الظلم.
لذلك، لا ينبغي اعتبار مجرد مشاركة طفل في وقفة تضامنية دليلا على تجنيده سياسيا أو إيديولوجيا. فالمعيار الموضوعي هو التحقق من طوعية المشاركة، ومدى فهم الطفل لطبيعة النشاط، وظروف تنظيمه، واحترام سلامته الجسدية والنفسية ومصلحته الفضلى.
ومن حق الجمعيات أن تتدخل عند وجود مؤشرات جدية على الاستغلال أو الإكراه، لكن ذلك يستوجب أدلة ومعطيات موضوعية، لا افتراضات مسبقة تنطلق من طبيعة القضية التي يعبر الأطفال عن تضامنهم معها.
كما أن حماية الأطفال لا تعني تجريدهم من قدرتهم على التعاطف والتعبير عن آرائهم، بل تمكينهم من ممارسة حقوقهم بصورة آمنة ومسؤولة، وفق أعمارهم ومستوى نضجهم.
حقوق الطفل لا تتجزأ
إن السؤال الذي يفرض نفسه على منظمة «ما تقيش ولدي»، وعلى مختلف الهيئات العاملة في مجال حماية الطفولة، هو مدى اتساق الاهتمام المعلن مع حجم الانتهاكات التي يتعرض لها الأطفال في الواقع المغربي.
فهل تحظى قضايا الهدر المدرسي والتشرد والعنف والاعتداءات الجنسية والاستغلال الاقتصادي بالقدر نفسه من الترافع والمطالبة بالمحاسبة؟ وهل تحظى معاناة القاصرين الذين يخاطرون بحياتهم في محاولات الوصول إلى سبتة بما تستحقه من متابعة ومواكبة مستدامتين؟
لا يعني هذا التساؤل إنكار الجهود التي قد تبذلها المنظمة أو غيرها من الجمعيات في ملفات مختلفة، كما لا يكفي غياب قضية عن بلاغ معين لإثبات التقصير. لكنه يظل مدخلا مشروعا لمساءلة الأولويات، ومدى استمرارية العمل الحقوقي وفعاليته، بعيدا عن الانتقائية أو ردود الفعل الموسمية.
إن الدفاع عن حقوق الطفل ينبغي أن يستند إلى معايير ثابتة تشمل جميع الأطفال، بصرف النظر عن أوضاعهم الاجتماعية أو مواقفهم أو طبيعة القضايا التي يتعاطفون معها. فالطفل المغربي الذي يعاني التشرد، والطفل الذي حرم من المدرسة، وضحية الاعتداء الجنسي، والقاصر الذي يخاطر بحياته في البحر، والطفل الفلسطيني الذي يواجه ويلات الحرب، جميعهم يستحقون الحماية والكرامة والإنصاف.
من البيانات إلى حماية فعلية
إن التحدي الحقيقي أمام المنظمات الحقوقية لا يتمثل في إصدار البيانات بشأن الوقائع المثيرة للجدل فحسب، بل في تحويل مبادئ حماية الطفولة إلى برامج مستمرة للوقاية والتوعية والتدخل، ومواكبة الضحايا، والترافع من أجل سياسات عمومية تضمن التعليم والرعاية والحماية لكل طفل.
لا نريد من الجمعيات الحقوقية أن تصمت عن التضامن مع فلسطين، بل أن توسع دائرة اهتمامها لتشمل كل القضايا التي تهدد الطفولة. ولا نريد أن تتحول حماية الأطفال من الاستغلال السياسي إلى عنوان بارز، بينما تتراجع قضايا الاستغلال الجنسي والتشرد والهدر المدرسي والعنف إلى هامش الاهتمام.
إن المعيار الحقيقي للعمل الحقوقي ليس القضية التي تصدر الجمعية بيانا بشأنها، بل قدرتها على الدفاع عن حقوق الأطفال جميعا، دون انتقائية، وبالجدية نفسها، والإصرار نفسه.
فحماية الطفولة ليست شعارا موسميا، ولا معركة انتقائية، بل مسؤولية مجتمعية وأخلاقية تقتضي أن يكون لكل طفل حق في التعليم والأمن والكرامة والأمل في مستقبل أفضل.




