وجّه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خطاباً إلى الفرنسيين، مساء الأحد، على خلفية أعمال العنف والتخريب التي شهدتها مدن فرنسية، السبت 17 أكتوبر، في مشاهد وصفها بأنها تعكس لحظة بالغة الخطورة، بعدما تعرضت متاجر ومبانٍ عمومية ومقار جماعات ترابية لهجمات، فيما أُصيب مئات من عناصر الشرطة والدرك.
وأكد ماكرون، في خطابه، أن ما شهدته البلاد من أعمال نهب وتخريب لا يمكن تبريره أو التساهل معه، مشدداً على ضرورة التمييز بين المواطنين الذين خرجوا للتعبير عن مطالب اجتماعية، وبين الأشخاص الذين تورطوا في الاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة وإثارة أعمال الشغب.
وقال الرئيس الفرنسي إن مشاهد تخريب الشوارع والمرافق العمومية تثير الغضب والاستياء، متسائلاً عن الأسباب التي تدفع أشخاصاً إلى استهداف مؤسسات عمومية ومتاجر ومقار إدارية، قبل أن يؤكد أن أياً من المطالب أو الخلافات لا يمكن أن يشكل مبرراً لمثل هذه الأفعال.
تضامن مع قوات الأمن والمتضررين
وأعرب ماكرون عن تضامن الدولة الفرنسية مع عناصر الشرطة والدرك وقوات الأمن الداخلي، مشيداً بما وصفه بمهنيتهم في مواجهة أعمال العنف، ومعبراً عن تعاطفه مع المصابين وأسرهم.
كما وجه رسالة دعم إلى رؤساء الجماعات الترابية والمنتخبين المحليين، فضلاً عن التجار والحرفيين والفاعلين الاقتصاديين الذين تضررت أنشطتهم جراء أعمال النهب والتخريب.
وأشار الرئيس الفرنسي إلى أن بعض أصحاب المحلات اضطروا إلى الدفاع عن متاجرهم وواجهاتهم بأنفسهم في مواجهة المعتدين، مؤكداً أنهم لن يُتركوا بمفردهم في مواجهة الخسائر والصعوبات التي خلفتها هذه الأحداث.
وفي هذا السياق، أعلن أن رئيس الوزراء سيترأس، ابتداءً من اليوم الموالي للخطاب، خلية أزمة لتعبئة المساعدات الممكنة في أقرب الآجال، ومواكبة المتضررين والعمل على إيجاد حلول عملية للتخفيف من تداعيات أعمال العنف على الأنشطة التجارية والاقتصادية.
تحقيقات ومحاسبة المتورطين في أعمال التخريب
وفي ما يتعلق بالمسؤوليات الأمنية والقضائية، أقر ماكرون بأن قوات الأمن واجهت مستويات غير مسبوقة من العنف في عدد من المدن، رغم استعدادها المهني، داعياً الحكومة إلى استخلاص الدروس اللازمة بشأن المعلومات الاستخباراتية والاستباق الأمني، تفادياً لتكرار مثل هذه الأحداث.
وأكد أنه طلب من وزير الداخلية تقديم أجوبة واضحة بشأن ما وقع، مع ضمان الشفافية في تحديد الملابسات والمسؤوليات، مشدداً على ضرورة إجراء التحقيقات بالسرعة المطلوبة.
كما أشار إلى أن وزير العدل طلب من النيابة العامة التعامل مع القضايا المعروضة عليها بأقصى درجات الحزم، معتبراً أن المتابعة القضائية ينبغي أن تكون في مستوى خطورة الأفعال المرتكبة.
وقال ماكرون إن الأشخاص الذين تورطوا في التخريب والنهب يجب أن يتحملوا مسؤولية أفعالهم، مؤكداً أن الاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة لن يمر دون تبعات قانونية.
وشدد في هذا الصدد على أن كل مخالفة يجب أن تترتب عنها الإجراءات القضائية المناسبة، وأن الذين تسببوا في إتلاف الممتلكات ونهب المحلات مطالبون بتحمل مسؤولياتهم وفقاً للقانون.
ماكرون يميز بين الاحتجاجات الاجتماعية وأعمال الشغب
وفي مقابل موقفه المتشدد من أعمال العنف، دعا الرئيس الفرنسي إلى قراءة أوسع للأسباب الاجتماعية التي دفعت مئات الآلاف من المواطنين، وفق ما ورد في خطابه، إلى الخروج للاحتجاج والتعبير عن مطالبهم.
وأكد ماكرون أنه لا ينبغي الخلط بين المتظاهرين الذين يسعون إلى إيصال مطالب مشروعة، وبين الأشخاص الذين استغلوا الاحتجاجات لتنفيذ أعمال التخريب والنهب.
وأوضح أن جانباً من الاحتجاجات يرتبط بالقلق بشأن ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار المحروقات، وهي مخاوف قال إنها تتصل بالتداعيات الاقتصادية للصراع الدائر في منطقة الخليج، والذي أشار إلى أن فرنسا لم تشارك في إطلاقه، لكنها تتحمل جانباً من انعكاساته.
وأبرز الرئيس الفرنسي تفهمه لهذه المخاوف، مشيراً إلى أن الاحتجاجات المرتبطة بالقدرة الشرائية وأسعار الطاقة لا تقتصر على فرنسا، بل تعكس انشغالات تشهدها عواصم أوروبية أخرى.
وأضاف أنه اتخذ مبادرات على المستوى الدولي بهدف ضمان إمدادات المحروقات والغاز والتأثير في أسواق الطاقة، معلناً عزمه مواصلة هذه الجهود من خلال زيارة دول الخليج لتأمين احتياجات فرنسا من الطاقة.
كما أشار إلى أن رئيس الوزراء والحكومة اتخذا تدابير بالتنسيق مع موزعي المحروقات، بهدف ضمان انعكاس الجهود المبذولة على الأسعار، مؤكداً أن الحكومة ستواصل العمل لمعالجة مسألة القدرة الشرائية، التي وصفها بأنها من القضايا الأساسية التي تشغل الفرنسيين.
قلق متزايد لدى الشباب بشأن المستقبل
وتطرق ماكرون إلى الاحتجاجات التي تعرفها الأوساط التعليمية والجامعية، معتبراً أن الشباب الفرنسي يعبر منذ أسابيع عن قلق عميق بشأن المستقبل وظروف العيش والدراسة، فضلاً عن صعوبات التوجيه الدراسي والمهني وإيجاد مكان لهم داخل المجتمع.
وقال الرئيس الفرنسي إنه يتفهم مخاوف التلاميذ والطلبة، مؤكداً أن قضايا الشباب شكلت محوراً لالتزامه السياسي لأكثر من عشر سنوات، وأن أصواتهم ينبغي أن تُسمع دون أحكام مسبقة أو تقليل من حجم الصعوبات التي يواجهونها.
وأشار إلى أن الحكومة شرعت بالفعل في العمل على هذه الملفات، موضحاً أن وزير التربية الوطنية أطلق منصة جمعت أكثر من 100 ألف مساهمة، إلى جانب اجتماعات نُظمت على مستوى الأكاديميات والثانويات.
وأوضح أن هذه المعطيات ستشكل أساساً لإعداد حلول تتلاءم مع انتظارات الشباب، من خلال إشراكهم في بلورة المقترحات والسياسات التي تهم مستقبلهم.
ثلاثة محاور لمواجهة الأزمة
وفي محاولة لاحتواء الوضع، أعلن ماكرون عن توجه حكومي يقوم على ثلاثة محاور رئيسية، تجمع بين تشديد الإجراءات الأمنية وفتح قنوات الحوار والاستجابة للمطالب الاجتماعية.
ويتمثل المحور الأول في تعزيز صلاحيات السلطات المحلية في حماية المدن والمرافق العمومية والمحلات التجارية، حيث دعا الرئيس الفرنسي المحافظين إلى اتخاذ القرارات اللازمة بالتنسيق مع رؤساء الجماعات الترابية، بما في ذلك حظر بعض التجمعات عندما تقتضي الضرورة ذلك، واتخاذ التدابير المناسبة لحماية الأشخاص والممتلكات.
أما المحور الثاني، فيتعلق بمسؤولية الأحزاب السياسية والمنظمات المهنية والنقابات، إذ دعاها ماكرون إلى إدانة أعمال العنف بشكل واضح لا لبس فيه، والعمل على تهدئة الأوضاع وتفادي التصعيد.
وأكد أن المرحلة الحالية تتطلب من مختلف الفاعلين تحمل مسؤولياتهم، مشدداً على أن فرنسا تحتاج إلى النظام والتهدئة، وليس إلى مزيد من التوتر والانقسام. وأعلن أن رئيس الوزراء سيعقد اجتماعات مع هذه الهيئات خلال الأيام المقبلة للحصول على مواقف واضحة وعلنية بشأن ما شهدته البلاد.
ويهم المحور الثالث إشراك الشباب ومختلف مكونات المجتمع في البحث عن حلول عملية للمشكلات المطروحة، حيث دعا ماكرون إلى جمع التلاميذ والطلبة والأساتذة وممثلي أرباب العمل والنقابات والجماعات الترابية والبرلمانيين حول طاولة واحدة، للعمل مع الحكومة على إعداد مقترحات ملموسة ابتداءً من الأسبوع الجاري.
وشدد الرئيس الفرنسي على أن الاستماع إلى المطالب الاجتماعية والانخراط في الحوار لا يعنيان التساهل مع أعمال العنف، مؤكداً أن الدولة ستتعامل بحزم مع المتورطين في التخريب والاعتداءات.
الانتخابات الرئاسية المقبلة في صلب الخطاب
وفي الجزء الأخير من خطابه، ربط ماكرون الأزمة الحالية بالسياق السياسي الذي تعيشه فرنسا، مشيراً إلى أن البلاد تفصلها ستة أشهر عن الانتخابات الرئاسية المقبلة، وهي محطة وصفها بالمهمة في تحديد الخيارات المستقبلية للفرنسيين.
واعتبر أن الدعوات إلى النزول إلى الشارع وإثارة الفوضى، وفق قراءته للأحداث، تهدد بتحويل النقاش السياسي إلى مواجهات وأعمال تخريب، بدلاً من أن يكون مناسبة لعرض البرامج ومناقشة البدائل.
ودعا الرئيس الفرنسي إلى جعل الانتخابات المقبلة فرصة لنقاش ديمقراطي مسؤول، من خلال الاجتماعات العامة والأحزاب السياسية والصحافة والبرامج التلفزيونية والتجمعات السلمية، بعيداً عن العنف وتدمير الممتلكات.
وأكد أن فرنسا تستحق تنظيم انتخابات رئاسية تتيح للمواطنين التعبير عن اختياراتهم ومناقشة مستقبل البلاد في أجواء يسودها الاحترام، مشدداً على أن مسؤولية الحفاظ على هذا المسار تبدأ من المرحلة الحالية.
كما دعا مختلف الأطراف إلى اعتماد الحوار والاستجابة العملية للمطالب الآنية، مع الاستعداد لاتخاذ القرارات المستقبلية اللازمة، معتبراً أن معالجة الأوضاع الاجتماعية والأمنية تتطلب الجمع بين الإنصات للمواطنين واحترام القانون.
دعوة إلى التهدئة والحفاظ على وحدة البلاد
واختتم ماكرون خطابه بالتأكيد على أن المرحلة الراهنة تستدعي قدراً كبيراً من المسؤولية السياسية والاجتماعية، في ظل التحديات المرتبطة بالقدرة الشرائية وأسعار الطاقة ومخاوف الشباب، إلى جانب تداعيات أعمال العنف والتخريب التي شهدتها عدة مدن فرنسية.
وشدد على ضرورة عدم السماح لأعمال الشغب بإسكات المطالب الاجتماعية، وفي الوقت نفسه عدم تحويل هذه المطالب إلى مبرر للاعتداء على المؤسسات والممتلكات.
وتمحورت رسالته الأساسية حول الجمع بين الحوار والحزم؛ فمن جهة، تعهدت السلطات بالعمل على معالجة المخاوف الاقتصادية والاجتماعية وإشراك الشباب في صياغة الحلول، ومن جهة أخرى، أكد الرئيس الفرنسي أن المتورطين في أعمال العنف سيواجهون الإجراءات القانونية اللازمة.
وختم خطابه بالتشديد على حاجة فرنسا إلى الوحدة والهدوء والاحترام، في وقت تواجه فيه البلاد تحديات أمنية واجتماعية وسياسية متداخلة، وقبيل الاستحقاق الرئاسي المرتقب بعد ستة أشهر.




