أقرّ المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء المغربية، في مداخلته أمام مجلس الأمن بتاريخ 8 أكتوبر 2026، بوصول المفاوضات بشأن النزاع إلى طريق مسدود، داعياً المجلس إلى توضيح التوجهات الواردة في القرار رقم 2797، وجعل الحكم الذاتي محوراً للمناقشات المقبلة، مع التشديد على ضرورة أن يكون حقيقياً وفعلياً، وأن يحظى بموافقة الشعب الصحراوي عبر ممارسة ذات مغزى لحق تقرير المصير.
وأوضح المبعوث الأممي أنه، رغم الجهود التي بذلتها الولايات المتحدة وعدد من الدول الأعضاء، إلى جانب المساعي التي قادها شخصياً لإعادة إطلاق العملية السياسية منذ يناير الماضي، فإن المفاوضات تواجه حالة من الجمود الجوهري، بعد خمس سنوات من العمل على إيجاد حل مقبول للطرفين.
وعزا هذا التعثر إلى ثلاثة عوامل رئيسية، تتمثل في استمرار انعدام الثقة بين المغرب وجبهة البوليساريو، ورفض الجبهة الخوض بجدية في تفاصيل الحكم الذاتي باعتباره حلاً محتملاً، فضلاً عن تعقيد القضايا المطروحة للنقاش، رغم تقديم المغرب مشروعاً موسعاً للحكم الذاتي من 39 صفحة، اعتبره المبعوث أساساً متيناً للمفاوضات، لكنه يحتاج إلى مزيد من النقاش والتفاوض.
الحكم الذاتي أساس للمفاوضات المقبلة
واعتبر المبعوث أن تجاوز حالة الجمود الحالية يستدعي توضيح مواطن الغموض في قرار مجلس الأمن رقم 2797، بما يجعل الحكم الذاتي أساساً للمناقشات المقبلة، بصرف النظر عن النتائج التي ستفضي إليها المفاوضات.
وأضاف أن دراسة مواقف الطرفين وتطورات النزاع خلال السنوات الخمس الماضية، إلى جانب مواقف عدد كبير من الدول الأعضاء، جعلته يرى أن الحكم الذاتي الحقيقي هو الخيار الذي ينبغي أن يحظى بالاهتمام الأكبر في المرحلة الراهنة.
وفي هذا السياق، دعا مجلس الأمن إلى التأكيد، في قراره المقبل، على ثلاثة شروط أساسية، أولها أن يكون الحكم الذاتي حقيقياً وفعلياً، وليس مجرد تسمية شكلية، وثانيها أن يخضع لعملية ذات مغزى لتقرير المصير، وثالثها أن تدعمه ضمانات دولية قوية تكفل مراقبة تنفيذه الكامل.
سبعة شروط لضمان حكم ذاتي فعلي
وحدد المبعوث الأممي مجموعة من العناصر التي يرى أنها ضرورية لضمان قيام حكم ذاتي حقيقي في الصحراء الغربية، تشمل إنشاء مؤسسات تمنح الصحراويين سلطة اتخاذ القرارات السياسية المرتبطة بحياتهم اليومية، وضمان عودة اللاجئين في ظروف آمنة وكريمة.
كما شدد على ضرورة تمكين الصحراويين من إدارة شؤونهم بأنفسهم، بما يشمل سن القوانين، وتسيير المؤسسات العمومية، والعمل في سلك القضاء، وتطوير الأنشطة الاقتصادية، وتولي مسؤوليات حفظ النظام العام والأمن.
وتتضمن هذه الشروط، بحسب المبعوث، إشراك جبهة البوليساريو والصحراويين الآخرين في إدارة الصحراء، وضمان عدم إلغاء الحكم الذاتي أو تقويضه بقرارات مفاجئة أو تدابير إدارية، فضلاً عن إخضاعه لضمانات دولية قوية تضمن استمراره وتنفيذه مستقبلاً.
وأكد أن العنصر الأهم يتمثل في التصديق على الحكم الذاتي من خلال ممارسة فعلية وذات مغزى لحق تقرير المصير.
المبعوث الأممي: لا يمكن فرض الحكم الذاتي على الصحراويين
وشدد المسؤول الأممي على أن أي نموذج للحكم الذاتي لا يمكن فرضه على الشعب الصحراوي، معتبراً أن من حقه الاطلاع على تفاصيل المقترح المطروح والتشاور بشأنها، داعياً إلى اعتماد عملية أكثر شفافية وشمولاً تتيح إشراك مختلف مكونات المجتمع الصحراوي في تحديد مستقبل المنطقة.
وفي هذا الإطار، أشار إلى مبادرة جرى تطويرها بالتعاون مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، تقوم على تنظيم زيارات فردية وطوعية للاجئين الصحراويين إلى مدينتي العيون والداخلة، بهدف الاطلاع على الأوضاع في الصحراء الغربية وطرح تساؤلاتهم بشأن مقترح الحكم الذاتي.
وأوضح أن المبادرة أُبلغت بها جبهة البوليساريو في الثاني من سبتمبر الماضي، عبر رسالة موقعة من المفوض السامي لشؤون اللاجئين، والسفير مايك والتز، والمبعوث الشخصي للأمين العام.
وأضاف أن الجبهة ردت على الرسالة في 14 سبتمبر، معربة عن استعدادها للتعاون مع المفوضية السامية لتسهيل تنفيذ المبادرة، وهو ما اعتبره المبعوث انفتاحاً ينبغي البناء عليه ومتابعته.
كما دعا إلى عدم إغفال معاناة اللاجئين الصحراويين في مخيمات تندوف، وكذلك المقيمين وسط المجتمعات المحلية في بلدان أخرى، ولا سيما موريتانيا.
دعوة إلى تنازلات متبادلة قبل نهاية العام
وفي ختام مداخلته، دافع المبعوث الأممي عن صراحته في تقييم مسار المفاوضات، معتبراً أن الحياد لا يعني السلبية، خصوصاً في مرحلة وصفها بالحاسمة، وداعياً الطرفين إلى الانخراط، عقب اعتماد قرار مجلس الأمن المقبل، في مفاوضات منسقة وبحسن نية لاستكشاف إمكانية التوصل إلى حكم ذاتي حقيقي.
وبخصوص جبهة البوليساريو، أوضح أن الانخراط في هذا المسار لا يعني القبول بمقترح المغرب بصيغته الحالية، بل يقتضي دراسته والمطالبة بإدخال تحسينات عليه، وطلب توضيحات بشأنه، وتقديم مقترحات بناءة حول عناصره، بهدف الوصول إلى تسوية توافقية تحظى بدعم دولي.
وأعرب عن أمله في أن تتخذ الجبهة هذه الخطوة قبل نهاية العام الجاري، بمساعدة الأطراف الدولية المعنية، مؤكداً أن التوصل إلى تسوية يتطلب مرونة تاريخية وشجاعة سياسية من الجانبين، بما في ذلك المغرب.




