هدى المساوي
ثمّة لحظة في سيرة الإنسان ينكسر فيها الوهم القديم: وهم أن العالم قابل للإحكام، وأن الأشياء يمكن أن تبقى في مواضعها إذا أحسنّا ترتيبها، وأن المستقبل يمكن استدراجه إلى الطمأنينة بكثرة الحساب والاحتياط.
لحظةٌ يتعرّى فيها العقل من يقينه الصغير، ويقف الإنسان أمام الوجود كما يقف العابر على حافة بحرٍ لا يرى آخره.
هناك، حيث تتراجع الأسباب إلى حدودها، يبدأ سؤالٌ أكثر عمقًا من سؤال النجاة:
على أي شيء يستند القلب حين لا يعود في اليد شيء يمكن الاتكاء عليه؟
ربما كان هذا هو الامتحان الأشد خفاءً في التجربة الإنسانية: ليس أن تفقد ما تحب، وإنما أن تكتشف ما كنت تظنه سندًا، ثم تكتشف أنه لم يكن كذلك قط.
فالإنسان، في ضعفه، ينسج حول نفسه شبكةً من التعلقات؛ يتكئ على إنسان، ومكان، ومال، ومكانة، وخطة، ومستقبل متخيّل. ثم يمضي مطمئنًا إلى هشاشة ما صنعه بيديه، حتى تأتي لحظة واحدة كافية لتقول له:
ليس لك من الأمر إلا ما أودع الله فيك من قدرة على العبور.
ومن هنا تبدأ المعرفة، لا معرفة الأشياء، بل معرفة السند.
حين يصبح الخوف صنمًا داخليًا
الخوف في بدايته إحساس، لكنه إذا تُرك بلا بصيرة يتحول إلى فلسفة كاملة. لا يعود الإنسان يخاف مما حدث، بل مما يمكن أن يحدث. ولا يعود يعيش الواقع، بل يعيش احتمالاته. فيصبح المستقبل، قبل أن يأتي، ساحةً مكتظةً بالمصائب التي لم تقع.
وهكذا يستهلك المرء عمره في معارك لم تقع، ويحمل في صدره جنازات لأشياء ما زالت حيّة.
إن أخطر ما يفعله القلق ليس أنه يجعل الإنسان يتألم، بل أنه يقنعه بأن الألم الذي يتخيله حقيقةٌ واقعة، وأن الاحتمال قدر، وأن المجهول عدو.
ومن هنا تنشأ إحدى أكثر مفارقات النفس البشرية قسوة:
نحن نعاني أحيانًا لا من الواقع، بل من محاولتنا المستميتة أن نضمن ألا يؤلمنا المستقبل.
لكن المستقبل ليس ملكًا لنا كي نضمنه، والغيب ليس مساحةً مفتوحةً للعقل كي يفتش فيها عن الطمأنينة. ثمّة حكمة في أن يبقى بعض الطريق محجوبًا، فلو انكشف الغيب كله، لما بقي للتوكل معنى.
التوكل: أن تسكن في قلب المجهول دون أن تسقط
التوكل ليس أن يخلع الإنسان إرادته، ولا أن يلقي مسؤولياته على القدر، ولا أن يجعل العجز فضيلة. التوكل مقام أكثر دقة، هو أن تبذل غاية استطاعتك، ثم تدرك أن قدرتك على الفعل لا تمنحك حق امتلاك النتيجة.
أن تزرع دون أن تفرض على الأرض موعد الثمر، أن تسعى دون أن تجعل السعي إلهًا صغيرًا تتعلق به، أن تأخذ بالأسباب، لكن ألا تجعل قلبك أسيرًا لها. فالأسباب أبواب، وليست آلهة. والإنسان العاقل لا ينكر الباب، لكنه لا ينسى من يفتح الأبواب.
ولعل جوهر التوكل كله يكمن في تلك المسافة الدقيقة بين الأخذ بالأسباب والتعلق بمسبب الأسباب. تعمل، لأنك مسؤول، وتطمئن، لأنك لست الإله.
فقه السند
السند الحقيقي لا يُعرف في أيام الوفرة، وإنما في اللحظة التي تتساقط فيها الدعامات الوهمية واحدةً بعد أخرى. حين يغيب الشخص الذي ظننته ملجأً، حين تتعطل الخطة التي بنيت عليها أعوامك، حين يأتي الجواب مخالفًا لما دعوت، حين تُغلق نافذة كنت تظن أن حياتك كلها متوقفة عليها. هناك فقط يبدأ امتحان السند.
هل كان قلبك متعلقًا بالباب، أم بمن يفتح الباب؟
هل كنت تريد العطاء، أم كنت تعرف المُعطي؟
هل كنت تحب النجاة، أم كنت تثق بمن يقدّر لك طريقها؟
هذه الأسئلة لا تُجاب بالكلمات، إنها تُجاب بالطريقة التي يقف بها القلب بعد الصدمة.
فقد ينهار الإنسان لأن ما أراده لم يحدث، وقد يحزن دون أن ينهار، وقد يبكي دون أن يعترض، وقد يتألم دون أن يسيء الظن، وهنا يظهر الفرق بين وجع القلب واضطراب اليقين. فليس الإيمان أن لا تحزن، الإيمان أن لا يتحول حزنك إلى قطيعة مع الله.
السيادة الباطنية
السيادة الباطنية ليست أن تستغني عن الناس، بل أن تستغني عن تحويلهم إلى آلهة صغيرة في داخلك. أن تحب دون أن تتملك، أن تحتاج دون أن تستعبد، أن تقترب دون أن تفقد نفسك، أن يكون في حياتك من تحبهم، لكن ألا تجعل مصير روحك معلقًا بحضورهم.
فالإنسان الذي يجعل طمأنينته رهينة شخص واحد قد وضع قلبه في يد شيء متغير بطبيعته، والذي يجعل قيمته مرهونة بنظرة الآخرين، سلّم مفتاح نفسه إلى الخارج، والذي لا يشعر بالأمان إلا حين يملك السيطرة على كل شيء، اختار لنفسه سجنًا لا باب له.
أما السيادة الباطنية، فهي أن يعود مركز الإنسان إلى داخله؛ إلى ذلك الموضع الصامت الذي لا تحكمه تقلبات السوق الاجتماعي، ولا رضا الآخرين، ولا تقلّبات الحظ.
هناك يصبح الإنسان قادرًا على أن يقول: قد أفقد شيئًا، لكنني لا أفقد نفسي. قد يتغير العالم من حولي، لكنني لا أسمح له أن يقتلع مركز روحي، وهذه ليست قسوة،إنها حرية.
الإنسان بين إرادته وإرادة الله
من أعمق أزمات الإنسان أنه يريد أن يكون حرًا في كل شيء، ثم يريد في الوقت نفسه أن يكون محميًا من نتائج كل شيء.
يريد الاختيار، لكنه لا يريد مفاجآت الاختيار، يريد الطريق، لكنه يريد أن يضمن نهايته، يريد الدعاء، لكنه يريد أن تأتي الإجابة بالشكل الذي رسمه مسبقًا، وحين لا يحدث ذلك، يظن أن السماء لم تسمعه. لكن ربما تكون إحدى درجات النضج الروحي أن تتغير علاقة الإنسان بالإجابة. فليس كل ما لم يُعطَ رفضًا، وليس كل تأخير حرمانًا، وليس كل انكسار عقوبة، وليس كل فقدان خسارة.
هناك أشياء لا نستطيع أن نسميها رحمةً إلا بعد أن ننجو منها، وقد يطلب الإنسان بابًا بكل جوارحه، ثم يقضي عمرًا يشكر الله لأنه لم يفتح.
إن العقل البشري يرى اللحظة، أما الحكمة الإلهية فلا تعمل داخل حدود اللحظة. نحن نرى المقطع، والله يعلم القصة.
قداسة النجاة
ولعل النجاة من أكثر الأشياء التي نسي الإنسان معناها، فنحن نتصورها غالبًا بوصفها وصولًا إلى ما نريد، لكن النجاة أعمق من ذلك. قد تكون النجاة أن لا تصبح نسخةً قاسية من نفسك بعد ما مررت به. قد تكون أن تخرج من الخيبة دون أن تفقد قدرتك على الحب، أن تخرج من الفقد دون أن يتحول قلبك إلى مقبرة، أن تتألم دون أن تتلوث روحك بالحقد، أن تخسر شيئًا عزيزًا، ولا تخسر علاقتك بالله.
فليست النجاة دائمًا أن تُعاد إليك الأشياء التي فقدتها، أحيانًا تكون النجاة أن يُعاد إليك أنت، أن تسترد نفسك التي أضعتها في الخوف، وأن تسترد قلبك من التعلق بما لا يملك البقاء. وأن تسترد روحك من الحاجة المستمرة إلى أن يطمئنك العالم.
وهنا تصبح النجاة فعلًا باطنيًا قبل أن تكون تغييرًا خارجيًا.
حين لا ترى المخرج
ثمة حكمة خفية في أن يعجز الإنسان أحيانًا عن رؤية المخرج. فلو كان الطريق ظاهرًا دائمًا، لتحول اليقين إلى حساب، ولو كانت النهايات معلومة، لما احتاج القلب إلى الإيمان.
إن بعض أعظم التحولات الروحية تبدأ من جملة بسيطة: لا أدري.
لا أدري كيف ستنتهي، لا أدري لماذا حدث هذا ! لا أدري متى سيتغير الحال ! لا أدري من أين سيأتي الفرج.
لكنني أعرف أن جهلي لا يعني غياب الحكمة. وهنا يتحول “لا أدري” من علامة عجز إلى باب من أبواب العبودية، لأن الاعتراف بحدود المعرفة هو أول تحرر من غرور العقل. أن تعرف أنك لا تعرف، ثم تطمئن.
تلك منزلة ليست سهلة.
السكينة ليست غياب العاصفة
نحن نبحث عن السلام وكأنه عالم لا تحدث فيه الأشياء المؤلمة، لكن السلام الحقيقي ليس غياب العاصفة. إنه أن لا تصبح العاصفة وطنك الداخلي. أن يضطرب الخارج دون أن يتحول اضطرابه إلى عقيدة في داخلك.
أن تبكي العين، ويبقى في القلب موضع لا تصل إليه الفوضى، أن يخاف الإنسان، ثم يتذكر، أن يضعف، ثم يعود. أن يسقط، ثم يجد في داخله خيطًا خفيًا يشده إلى السماء، ذلك الخيط هو اليقين.
واليقين ليس شعورًا دائمًا بالراحة؛ بل قدرة على العودة إلى المعنى كلما حاول الألم أن يمحوه.
في كل مرة ظننت أنني لن أنجو
ربما لا يفهم الإنسان معنى هذه العبارة إلا بعد أن يعيشها: في كل مرة ظننت أنني لن أنجو، نجوت.
لكن المفارقة أن النجاة لم تأتِ دائمًا كما توقعت. أحيانًا جاءت على هيئة بابٍ أُغلق، وأحيانًا على هيئة شخصٍ ابتعد، وأحيانًا على هيئة تأخير، وأحيانًا على هيئة صمتٍ طويل، وأحيانًا جاءت في صورة قوة لم أكن أعرف أنها موجودة في داخلي.
وحين أنظر إلى الوراء، أكتشف أنني كنت أظن أن الله سينقذني من التجربة، فإذا به ينقذني من داخلها.
لم يرفع الطريق دائمًا. لكنه غيّرني وأنا أمشي فيه، لم يمنع كل سقوط، لكنه علّمني كيف أقوم، لم يُجب كل سؤال. لكنه منحني قلبًا يستطيع أن يعيش دون إجابة فورية.
وهنا تكمن إحدى أكثر أسرار السند قداسة:
أن يكون الله معك، لا يعني أن الطريق سيكون دائمًا سهلًا؛ بل يعني أنك لن تكون وحدك في الطريق.
ختامًا : أن تستقر في المعنى
في آخر الأمر، لا يطلب الإنسان من الحياة أن تصبح بلا ألم، بقدر ما يحتاج أن يصبح هو أوسع من ألمه. أن يعرف أن العالم متغير بطبيعته، وأن كل ما فيه قابل للزوال، وأن محاولة الإمساك بكل شيء ليست إلا شكلًا آخر من أشكال العجز.
السيادة الحقيقية ليست أن تسيطر على الحياة، إنها أن تتحرر من الحاجة إلى السيطرة عليها. أن تعمل دون هلع، أن تحب دون عبودية، أن تفقد دون أن تتفتت، أن تنتظر دون أن تستنزفك الانتظارات. أن تمشي في المجهول وقلبك لا يطلب من الغيب إلا أن يكون الله فيه.
وحين يصل الإنسان إلى هذه النقطة، يصبح التوكل أكثر من فكرة دينية؛ يصبح طريقة في الوجود. يصبح القلب قادرًا على الوقوف في منتصف العاصفة دون أن يعبد العاصفة. ويصبح المجهول أقل رعبًا، لأن الذي لا نعرفه نحن ليس مجهولًا عند الله.
عندها فقط يفهم الإنسان أن أعظم سند لم يكن يومًا ذلك الذي منعه من السقوط، بل ذلك الذي جعله، بعد كل سقوط، قادرًا على النهوض. وأن أعظم سيادة ليست أن تقول: أنا أملك زمام كل شيء، بل أن تقول، في أعمق موضع من روحك:
لا أملك شيئًا ملكًا مطلقًا، لكنني مطمئن إلى من يملك كل شيء.



