كشف تقرير الأمين العام للأمم المتحدة حول الصحراء المغربية، الموجه إلى أعضاء مجلس الأمن في فاتح أكتوبر 2026، عن تطورات جديدة في مسار النزاع، أبرزها استئناف المفاوضات المباشرة بين المغرب وجبهة البوليساريو والجزائر وموريتانيا، للمرة الأولى منذ نحو سبع سنوات.
وأكد التقرير أن الوضع في الصحراء المغربية لا يزال يتسم بالتوتر واستمرار أعمال عدائية منخفضة الحدة بين المغرب وجبهة البوليساريو، غير أن اعتماد مجلس الأمن للقرار 2797 لسنة 2025 أعطى، وفق التقرير، زخماً جديداً للعملية السياسية التي يقودها المبعوث الشخصي للأمين العام إلى الصحراء الغربية، ستافان دي ميستورا.
ثلاث جولات من المفاوضات المباشرة
وأشار التقرير إلى أن دي ميستورا، بتعاون مع الولايات المتحدة بصفتها حاملة القلم في مجلس الأمن بشأن ملف الصحراء، قاد خلال الربع الأول من سنة 2026 ثلاث جولات من المفاوضات المباشرة، بمشاركة المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو.
وعُقدت الجولة الأولى في واشنطن يومي 18 و19 يناير، حيث قدم المغرب نسخة موسعة من مقترح الحكم الذاتي الذي طرحه سنة 2007، وأبدى استعداده للعمل مع جبهة البوليساريو للتفاوض حول حل مقبول بشكل متبادل وتنفيذه.
أما الجولة الثانية، فاحتضنتها مدريد يومي 8 و9 فبراير، وناقش خلالها المشاركون عدداً من القضايا المرتبطة بالمرحلة الانتقالية، من بينها إنشاء مجلس انتقالي، وضمانات التنفيذ، وتقاسم الموارد، والعفو والمصالحة، ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، إضافة إلى التدابير الأمنية والنظم الانتخابية.
واحتضنت واشنطن الجولة الثالثة يومي 23 و24 فبراير، وشهدت نقاشات معمقة حول المجلس الانتقالي، إلى جانب فتح النقاش بشأن قضيتَي تقرير المصير والسيادة على الإقليم، اللتين وصفهما التقرير بأنهما من أكثر نقاط الخلاف حساسية.
الحكم الذاتي أساساً للمفاوضات
وأوضح التقرير أن المفاوضات جرت على أساس مقترح المغرب للحكم الذاتي، انسجاماً مع قرار مجلس الأمن 2797، مشيراً إلى أن المغرب أعد كذلك «مشروع نظام أساسي للحكم الذاتي» يتضمن تفاصيل إضافية لمقترح 2007.
وبحسب التقرير، تمت مشاركة هذا المشروع مع المبعوث الشخصي للأمين العام والولايات المتحدة، إضافة إلى الأطراف المشاركة في المفاوضات، في يناير 2026، مع عدم تعميمه بشكل علني باعتباره وثيقة مخصصة لتكون أساساً للتفاوض وليس اتفاقاً نهائياً.
وفي المقابل، قدمت جبهة البوليساريو أفكارها ومقترحاتها الخاصة، استناداً إلى وثيقة سبق أن وجهتها إلى الأمين العام في أكتوبر 2025، تتضمن مقترحات مرتبطة بضمانات ما بعد الاستفتاء.
دي ميستورا يدعو إلى حكم ذاتي «حقيقي»
وبحسب التقرير، شدد دي ميستورا خلال المفاوضات على أن أي مقترح للحكم الذاتي يجب أن يستوفي أعلى المعايير الدولية، وأن الانتقال إلى حكم ذاتي حقيقي ينبغي أن تدعمه ضمانات دولية قوية.
كما أكد أن أي تسوية سياسية يجب أن تتضمن عملية تشاور «ذات مغزى» مع الشعب الصحراوي، بما يتماشى مع مبدأ تقرير المصير.
وأشار التقرير إلى أن المبعوث الشخصي أعد مشروعاً منقحاً لاتفاق إطاري بشأن فترة انتقالية، من شأنه أن يشكل أساساً لمفاوضات لاحقة حول نموذج مفصل للحكم الذاتي وعملية تشاور.
تحركات دبلوماسية وتغيّر في مواقف عدد من الدول
وسجل التقرير كذلك تطورات على مستوى المواقف الدولية، مشيراً إلى أن عدداً من الدول قام بتوضيح أو تغيير مواقفه عقب اعتماد القرار 2797.
وذكر أن السويد وسويسرا أعربتا عن دعمهما لخطة المغرب للحكم الذاتي، فيما علقت مالي وهندوراس اعترافهما بـ«الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية»، بينما علقت بوليفيا علاقاتها الدبلوماسية معها في فبراير 2026.
كما أعادت مدغشقر وكندا واليابان التأكيد على دعمها للمقترح المغربي، في حين حدّث الاتحاد الأوروبي موقفه الجماعي في يناير 2026، بما يشير إلى أن المفاوضات ينبغي أن تتخذ المقترح المغربي أساساً لها.
استمرار التوتر الميداني
وعلى المستوى الميداني، أفاد التقرير باستمرار إطلاق النار من جانب جبهة البوليساريو باتجاه الجدار الرملي، إلى جانب تسجيل ضربات بطائرات مسيرة من الجيش المغربي شرق الجدار.
وسجل التقرير حادث إطلاق نار في السمارة في 5 مايو 2026، وقع في منطقة مدنية وأسفر عن إصابة مدني واحد، فيما أشارت الولايات المتحدة إلى أن مثل هذه الأعمال لا تنسجم مع روح المحادثات الأخيرة.
كما أشار إلى استمرار القيود المفروضة على تحركات دوريات بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية «مينورسو» شرق الجدار، مع استمرار منع طلعات المروحيات منذ نوفمبر 2020.
«مينورسو» أمام تحديات مالية وميدانية
وبخصوص بعثة «مينورسو»، أوضح التقرير أن العنصر العسكري للبعثة كان يضم، حتى 15 أغسطس 2026، 155 فرداً، بينهم 27 امرأة.
كما نفذت البعثة دوريات برية غطت أكثر من 296 ألف كيلومتر، إلى جانب آلاف الزيارات لمواقع الجيش المغربي غرب الجدار، و152 طلعة استطلاع جوي.
وحذر التقرير من أن تزايد المساهمات المالية غير المسددة أدى إلى تقليص عدد المراقبين، فضلاً عن تقليص برنامج إزالة الألغام والأسطول الجوي للبعثة.
تحذير من استمرار الأعمال العدائية
وفي الجانب الإنساني، أشار التقرير إلى استمرار معاناة اللاجئين الصحراويين في مخيمات تندوف، مع تسجيل مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية، في ظل ضعف تمويل خطط الاستجابة الإنسانية.
كما أعرب عن القلق إزاء وضع حقوق الإنسان، مشيراً إلى استمرار القيود المفروضة على الحيز المدني وحرية التعبير، وعدم تمكن مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان من الوصول إلى الإقليم منذ سنة 2015.
الأمين العام يحث الأطراف على اغتنام فرصة المفاوضات
وفي خلاصة التقرير، أعرب الأمين العام للأمم المتحدة عن تشجيعه لاستئناف المشاركة المباشرة بين الأطراف، داعياً المغرب وجبهة البوليساريو إلى اغتنام هذه الفرصة والانخراط بحسن نية في مفاوضات ترمي إلى التوصل إلى حل سياسي «مقبول بشكل متبادل» يكفل تقرير المصير لشعب الصحراء الغربية.
كما دعا إلى استكشاف إمكانية تحقيق «حكم ذاتي حقيقي» لشعب الصحراء الغربية، مشيراً، في سياق قرار مجلس الأمن 2797، إلى أن هذا الخيار «يمكن أن يمثل النتيجة الأكثر قابلية للتحقق».
وأوصى الأمين العام بتمديد ولاية بعثة «مينورسو» لمدة سنة إضافية، إلى غاية 31 أكتوبر 2027، محذراً من أن غياب البعثة قد يرفع مخاطر تصعيد الأعمال العدائية.
ويضع التقرير، بذلك، المفاوضات المباشرة ومقترح الحكم الذاتي والضمانات الدولية وعملية التشاور مع الشعب الصحراوي في صلب المرحلة المقبلة من المسار الأممي، وسط استمرار الخلاف حول قضيتي السيادة وتقرير المصير.



