شهدت قضية اختلاس أوراق التصويت بمدينة طنجة تطورات جديدة، بعدما أحيل عمدة المدينة، منير ليموري، على قاضي التحقيق بمحكمة الاستئناف بطنجة، على خلفية الأبحاث القضائية المرتبطة بواقعة أوراق التصويت التي تم إخراجها من مكاتب الاقتراع وإعادة ضبطها لاحقاً.
ووفق مصادر مطلعة، فقد وجه قاضي التحقيق إلى منير ليموري تهماً تتعلق بـانتهاك العمليات الانتخابية بهدف تغيير أو محاولة تغيير نتيجة الاقتراع، والمشاركة في تزوير محرر عمومي، والإرشاء عن طريق تقديم عرض أو وعد أو هبة بهدف الحصول على القيام بعمل.
وتندرج هذه الأفعال، بحسب التكييف القانوني المعتمد في القضية، ضمن مقتضيات المادة 58 من القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب، والفصول 352 و353 و251 و129 من القانون الجنائي.
ما هي التهم الموجهة إلى عمدة طنجة؟
بحسب التكييف الذي وجهه قاضي التحقيق، فإن الأفعال المنسوبة إلى منير ليموري تتعلق بثلاثة محاور أساسية تصل عقوبتها ل20 سنة:
1. انتهاك العمليات الانتخابية
تتعلق التهمة بانتهاك العمليات الانتخابية من خلال مناورات يراد بها تغيير أو محاولة تغيير نتيجة الاقتراع.
وينص الفصل المتعلق بالعمليات الانتخابية المشار إليه في المادة 58 من القانون التنظيمي رقم 27.11 على عقوبة السجن من خمس إلى عشر سنوات وغرامة من 50 ألفاً إلى 100 ألف درهم بالنسبة للأفعال المحددة فيه، ومنها إبدال أوراق التصويت أو القيام بمناورات أخرى يراد بها تغيير أو محاولة تغيير نتيجة الاقتراع.
2. المشاركة في تزوير محرر عمومي
وتتعلق التهمة الثانية بالمشاركة في تزوير محرر عمومي، مع استناد التكييف إلى الفصول 352 و353 و129 من القانون الجنائي.
ويعاقب الفصل 352، في الحالة التي تنطبق فيها شروطه على الفاعل المحدد فيه، بالسجن من 10 إلى 20 سنة وغرامة من 100 ألف إلى 200 ألف درهم.
أما الفصل 353 فيقرر كذلك عقوبة السجن من 10 إلى 20 سنة وغرامة من 100 ألف إلى 200 ألف درهم في الحالات التي حددها، والمتعلقة بالتغيير بسوء نية في جوهر ورقة مرتبطة بالوظيفة أثناء تحريرها.
وفي المقابل، يحدد الفصل 129 مفهوم المشاركة، بالنسبة لمن لم يساهم مباشرة في تنفيذ الجريمة، لكنه قام بأفعال من قبيل التحريض أو تقديم الوسائل أو المساعدة أو الإعانة في الأعمال التحضيرية أو المسهلة لارتكابها، مع توفر الشروط القانونية للمشاركة.
وبالتالي، فإن تطبيق العقوبة على أساس المشاركة يرتبط بالتكييف النهائي للأفعال ودور كل متهم والوقائع التي يثبتها التحقيق.
3. الإرشاء
وتتعلق التهمة الثالثة بالإرشاء عن طريق تقديم عرض أو وعد أو هبة أو فائدة بهدف الحصول على القيام بعمل أو الامتناع عن عمل.
وينص الفصل 251 من القانون الجنائي على معاقبة من يستعمل العنف أو التهديد، أو يقدم وعداً أو عرضاً أو هبة أو هدية أو فائدة أخرى لتحقيق الغرض المحدد قانوناً، بالعقوبات المقررة في النصوص المحال عليها، كما يعاقب أيضاً من يستجيب لطلب الرشوة في الحالات التي حددها القانون.
وبحسب المقتضى الذي تمت الإحالة عليه في القضية، فإن العقوبة المشار إليها تصل إلى السجن من سنتين إلى خمس سنوات، مع مراعاة التكييف القانوني الدقيق للأفعال والصفة القانونية للأطراف المعنية.
الاعتقال الاحتياطي.. لماذا قرره قاضي التحقيق؟
وبناءً على مقتضيات المادتين 152 و153 من قانون المسطرة الجنائية، قرر قاضي التحقيق إيداع منير ليموري رهن الاعتقال الاحتياطي.
ويأتي هذا القرار في إطار مرحلة التحقيق الإعدادي، التي تهدف إلى تعميق البحث في الوقائع وتحديد المسؤوليات، والاستماع إلى المتهمين والأطراف المعنية، وفحص الأدلة والخبرات والمعطيات التقنية المرتبطة بالقضية.
ويظل الاعتقال الاحتياطي إجراءً من إجراءات التحقيق، ولا يعني صدور حكم بالإدانة.
عقوبات متعددة لا تعني بالضرورة جمعها حسابياً
وتجدر الإشارة إلى أن تعدد الفصول القانونية التي تم الاستناد إليها لا يعني تلقائياً أن العقوبات القصوى لكل فصل ستجمع بشكل آلي.
فالعقوبة النهائية، في حال إحالة القضية على المحاكمة وصدور حكم بالإدانة، تتوقف على التكييف النهائي للأفعال، ودور كل متهم، وما يثبت أمام القضاء، والقواعد القانونية المتعلقة بتعدد الجرائم والعقوبات.
كما أن التهم الموجهة خلال مرحلة التحقيق تظل قابلة للمناقشة والتغيير وفق ما قد يكشفه التحقيق من معطيات جديدة، قبل أن تتخذ النيابة العامة وقاضي التحقيق والجهة القضائية المختصة القرارات النهائية التي يحددها القانون.
معطيات النيابة العامة حول الواقعة
وكان الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بطنجة قد أعلن، في بلاغ صادر بتاريخ فاتح أكتوبر 2026، عن توقيف مشتبه فيهما اثنين، من بينهما عمدة طنجة ومحاسب يعمل بإحدى الشركات، وذلك في إطار استكمال الأبحاث المتعلقة بقضية اختلاس أوراق التصويت.
وأوضح البلاغ أن الأبحاث والخبرات التقنية المنجزة مكنت من التوصل إلى معطيات جديدة بشأن ظروف وملابسات الواقعة.
وحسب المعطيات التي أعلنتها النيابة العامة، فقد أظهرت الأبحاث أن أحد المشتبه فيهم، وهو محاسب يعمل بإحدى الشركات، شارك في وضع علامة على رمز حزب سياسي على مجموعة من أوراق التصويت، وذلك بناءً على طلب من مشغله، الذي أشارت النيابة العامة إلى أنه عمدة طنجة.
وأفادت النيابة العامة كذلك بأن المعني بالأمر كان متواجداً داخل شقة بإحدى الوحدات الفندقية، رفقة شخصين آخرين، وأن هؤلاء الأشخاص كانوا يتوفرون على حقيبتين تحتويان على أوراق التصويت.
تسجيلات كاميرات المراقبة تكشف تفاصيل إضافية
وشملت الأبحاث التقنية تسجيلات كاميرات المراقبة الخاصة بالفندق، حيث أفادت النيابة العامة بأنه تم استرجاع تسجيلات كانت قد تعرضت للمحو.
وأظهرت التسجيلات المسترجعة، وفق البلاغ، وجود المشتبه فيه الثاني داخل الشقة رفقة مستخدمه المحاسب وشخصين آخرين كانا قد أوقفا احتياطياً على ذمة القضية نفسها.
كما أظهرت التسجيلات، بحسب النيابة العامة، وجود الشخص الذي قام بإخراج أوراق التصويت من مكتب التصويت ثم إعادتها إليه.
وأفادت نتائج تحليل التسجيلات بأن الحقيبتين اللتين ظهرتا داخل الشقة هما الحقيبتان نفسيهما اللتان تم ضبطهما لاحقاً بمكتبي التصويت، وهو ما شكل أحد العناصر التي اعتمد عليها البحث في تحديد مسار أوراق التصويت والروابط بين الأشخاص المشتبه فيهم.
خبرات تقنية على الهواتف والاتصالات
ولم تقتصر الأبحاث على تسجيلات كاميرات المراقبة، بل شملت أيضاً الخبرات التقنية المنجزة على الهواتف والوسائط الرقمية.
وفي هذا السياق، قالت النيابة العامة إن الخبرة التقنية على هاتف المشتبه فيه الثاني أظهرت وجود اتصالات هاتفية أجراها مع اثنين من المشتبه فيهم المعتقلين احتياطياً في القضية نفسها.
وتعود هذه الاتصالات، وفق المعطيات الرسمية، إلى الفترة التي سبقت يوم الاقتراع وإلى يوم الاقتراع نفسه.
وتبقى هذه العناصر، في هذه المرحلة، ضمن المعطيات التي تخضع للتقييم والتحقيق القضائي، ولا تشكل في حد ذاتها حكماً نهائياً بثبوت الأفعال أو المسؤولية الجنائية.



