تأتي واقعة أوراق التصويت التي جرى ضبطها بمدينة طنجة لتفتح من جديد النقاش حول حدود تأثير الخروقات الانتخابية على صحة نتائج الاقتراع، في ظل وجود سوابق قضائية ودستورية تناولت وقائع مماثلة. وبين المسار الزجري الذي تتولاه الجهات القضائية المختصة، والمسار الدستوري الذي تنظر من خلاله المحكمة الدستورية في مدى تأثير الخروقات على نزاهة وسرية وشفافية العملية الانتخابية، تبرز أسئلة قانونية حول المعايير التي يمكن أن تقود إلى إلغاء نتيجة الاقتراع. في هذا الحوار، يوضح محمد بوخبزة، أستاذ القانون الدستوري بجامعة عبد المالك السعدي وعميد سابق، في حوار مع “شمالي” أبرز المبادئ الدستورية والقانونية المؤطرة لهذه الحالات، ويستعرض السيناريوهات الممكنة في ضوء السوابق القضائية.
سؤال: بداية، هل تعتبرون أن واقعة إخراج أوراق التصويت من مكاتب الاقتراع بمدينة طنجة واقعة غير مسبوقة، أم أن للقضاء الدستوري سوابق في التعامل مع مثل هذه الحالات؟
هذه الواقعة ليست جديدة من حيث طبيعتها، إذ سبق أن عرف المغرب وقائع مماثلة في أكثر من مناسبة انتخابية، وتصدّى لها كل من المجلس الدستوري، ثم المحكمة الدستورية فيما بعد، من خلال مجموعة من القرارات التي أرست مبادئ مهمة تحكم العملية الانتخابية.
وهذه المبادئ تجد أساسها في الدستور، وخاصة الفصلين 2 و11، كما تجد أساسها في القانون التنظيمي المتعلق بالمحكمة الدستورية، والقانون التنظيمي لمجلس النواب. وبالتالي، فالعملية الانتخابية ليست مجرد عملية تقنية، وإنما تحكمها مجموعة من القواعد والمبادئ التي يجب احترامها.
فالعملية الانتخابية يجب أن تكون موسومة بالسرية والنزاهة والحياد والشفافية. وكل ممارسة من شأنها المساس بهذه المبادئ يمكن أن تجعل العملية الانتخابية محل طعن ومراجعة من طرف القضاء الدستوري.
سؤال: بالاستناد إلى بلاغ الوكيل العام للملك بطنجة، الذي تحدث عن إخراج أوراق تصويت من مكاتب الاقتراع وإعادتها إليها، هل يمكن لمثل هذه الوقائع، إذا ثبتت، أن تؤثر في صحة نتيجة الاقتراع، أم يجب إثبات تأثيرها الفعلي في أصوات الناخبين؟
هنا يجب التمييز بين مسارين مختلفين تماماً: المسار الزجري أمام القضاء الجنائي، والمسار الدستوري أمام المحكمة الدستورية.
من الناحية الزجرية، هناك أفعال يمكن أن تندرج ضمن الجرائم الانتخابية، وقد يترتب عنها الحبس أو الغرامة أو هما معاً، بحسب طبيعة الأفعال التي تثبتها الأبحاث والتحقيقات.
لكن ثبوت جريمة انتخابية والحكم على مرتكبها لا يعني، بشكل آلي، أن نتيجة الاقتراع ستُلغى. فالمحكمة الدستورية تنظر إلى المسألة من زاوية مختلفة، وتبحث في مدى تأثير تلك الوقائع على المبادئ التي تحكم العملية الانتخابية، وعلى رأسها سرية الاقتراع ونزاهته وشفافيته.
بمعنى أن الفعل قد يكون مجرّماً ويستوجب عقوبة أمام القضاء الزجري، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن المحكمة الدستورية ستقرر إلغاء نتيجة الاقتراع.
سؤال: إذن، ما الفرق بين اختصاص محكمة الاستئناف واختصاص المحكمة الدستورية في مثل هذه القضايا؟
محكمة الاستئناف، في السياق الزجري، تنظر في الوقائع من زاوية مدى خرقها للمقتضيات القانونية التي وضعها المشرع، وما إذا كانت تشكل جريمة انتخابية تستوجب العقاب.
أما المحكمة الدستورية، فتنظر إلى هذه الوقائع من زاوية تأثيرها على سلامة العملية الانتخابية ومبادئها الأساسية.
ولهذا يجب الفصل بين المسارين. فالمسار الزجري يهتم بإثبات الفعل الجرمي والمسؤولية عنه، بينما المسار الدستوري يهتم بالسؤال المتعلق بسلامة الاقتراع: هل ما وقع مسّ بسرية التصويت أو نزاهته أو شفافيته إلى درجة تؤثر في صحة النتيجة؟
وبالتالي، فإن ما ستنتهي إليه محكمة الاستئناف من عقوبات زجرية لا يحسم بالضرورة ما ستقرره المحكمة الدستورية.
سؤال: في قرار بنسليمان رقم 04/564، أُلغيت نتيجة الاقتراع بعدما اعتبر المجلس الدستوري أن الممارسات أخلّت بسرية التصويت ونزاهته وأحدثت عدم الاطمئنان إلى سلامة الاقتراع. ما المعيار الذي يمكن استخلاصه من هذا القرار؟
المبدأ الأساسي الذي يمكن استخلاصه هو أن القضاء الدستوري لا ينظر فقط إلى مسألة احتساب الأصوات، وإنما يمكن أن ينظر أيضاً إلى مدى توفر الضمانات التي تجعل العملية الانتخابية نزيهة وسليمة.
فإذا كانت هناك ممارسات من شأنها الإخلال بسرية الاقتراع أو نزاهته، وأصبحت معها هناك حالة من عدم الاطمئنان إلى سلامة العملية الانتخابية، فإن الأمر قد يتجاوز مجرد مخالفة إجرائية بسيطة.
وهنا تظهر أهمية المبادئ الدستورية التي تؤطر العملية الانتخابية، لأن الاقتراع لا يتعلق فقط بعدد الأصوات التي حصلت عليها كل لائحة، وإنما أيضاً بالظروف التي جرى فيها التصويت وفرز الأصوات وتوثيق النتائج.
سؤال: وفي قرار آسفي رقم 206/23، اعتبرت المحكمة أن تسريب عدد كبير من أوراق التصويت من مكاتب متعددة وعدم إمكانية حصر تأثيره مسّ بمصداقية العملية برمتها. كيف يختلف هذا المعيار عن مجرد إثبات تغيير النتيجة بالأرقام؟
هناك فرق مهم بين الأمرين. في بعض الحالات يمكن أن يكون من الممكن تحديد عدد الأصوات المتأثرة بدقة، وبالتالي تحديد ما إذا كانت المخالفة قد غيّرت ترتيب المرشحين أو أثرت في النتيجة النهائية.
لكن هناك حالات أخرى يكون فيها حجم الممارسات وطبيعتها وتعدد أماكن وقوعها من شأنه أن يجعل من الصعب تحديد تأثيرها بالأرقام.
وهنا يمكن أن تنتقل المحكمة من البحث فقط في السؤال: هل تغيّرت النتيجة الحسابية؟ إلى سؤال أوسع، وهو: هل ما وقع مسّ بمصداقية العملية الانتخابية وبالضمانات التي يفترض أن تحيط بها؟
وهذا أمر مهم، لأن سلامة الانتخابات لا تختزل دائماً في عملية حسابية يمكن من خلالها القول إن هذا العدد من الأصوات أضيف أو حذف. فهناك مبادئ مرتبطة بسرية الاقتراع ونزاهته وشفافيته، وإذا ثبت أن هذه المبادئ تعرضت لمسّ جوهري، فإن ذلك يمكن أن تكون له تداعيات على صحة الاقتراع.
سؤال: بالعودة إلى واقعة طنجة، هل يمكن اعتبار ما حدث في مدرسة القدس كافياً لوحده لإلغاء نتيجة الاقتراع؟
لا يمكن القول بشكل آلي إن الواقعة ستؤدي إلى الإلغاء. يجب أولاً التحقق من مجموعة من المعطيات والوقائع.
فالسؤال المطروح هو: هل ما وقع في مدرسة القدس واقعة معزولة؟ وما هو عدد أوراق التصويت التي تم ضبطها؟ وما طبيعة هذه الأوراق؟ ولصالح من كانت مؤشر عليها؟ وهل تم إخراجها من مكتب الاقتراع وإعادتها إليه؟ ثم ما حجم الأصوات التي كانت معنية بهذه العملية؟
بعد ذلك يجب النظر في المحاضر والنتائج المسجلة في مختلف مكاتب الاقتراع، لمعرفة ما إذا كانت هذه الوقائع قد كان لها تأثير على النتيجة.
لكن هناك أيضاً سؤال آخر أكثر اتساعاً: هل نحن أمام واقعة معزولة أم أن الأمر يتعلق بممارسات مشابهة وقعت في أكثر من مكتب؟
وهنا يمكن أن يتغير تقدير المسألة، لأن تعدد الخروقات واتساع نطاقها يمكن أن تكون له آثار مختلفة عن واقعة محدودة ومعزولة.
سؤال: إذا ثبت أن أوراق التصويت التي تم ضبطها كانت مؤشر عليها لصالح لائحة معينة، هل يعني ذلك بالضرورة أن النتيجة الانتخابية أصبحت باطلة؟
ليس بالضرورة. المحكمة الدستورية ستحتاج إلى تدقيق المعطيات المرتبطة بهذه الواقعة، ومعرفة مدى تأثيرها الفعلي على نتيجة الاقتراع، وكذلك مدى تأثيرها على المبادئ التي تحكم العملية الانتخابية.
فإذا ثبت مثلاً أن هذه الأوراق مرتبطة بلائحة معينة، فإن السؤال سيكون: ما عددها؟ وما علاقتها بالأصوات المعلن عنها؟ وهل كان لها تأثير على النتيجة؟ وهل كانت هذه الممارسة محدودة أم أنها تعكس ممارسة أوسع؟
إذن، المسألة لا تحسم بمجرد وجود الأوراق، وإنما من خلال طبيعة الواقعة وحجمها وامتدادها وتأثيرها على سلامة الاقتراع.
سؤال: هل يمكن للمحكمة الدستورية، في هذه الحالة، أن تنتقل من البحث في تأثير الواقعة على النتيجة إلى البحث في مدى مساسها بنزاهة وشفافية العملية الانتخابية ككل؟
نعم، وهذا هو الجانب الأكثر أهمية في تقديري. فالمحكمة الدستورية يمكن أن تنظر في مدى تأثير الممارسة على نزاهة وشفافية العملية الانتخابية.
بمعنى أنه ليس ضرورياً دائماً أن يكون النقاش محصوراً في معرفة عدد الأصوات التي تغيرت، وإنما يمكن أن يتعلق أيضاً بما إذا كانت الممارسات التي ثبتت قد مست بمبدأ دستوري من المبادئ التي تحمي العملية الانتخابية.
وهنا نكون أمام مستويين: المستوى الأول هو البحث في تأثير الخلل على النتيجة الحسابية، والمستوى الثاني هو البحث في مدى المساس بالمبادئ الدستورية التي تحكم الانتخابات، وفي مقدمتها سرية الاقتراع ونزاهته وشفافيته.
سؤال: وبناءً على السوابق التي أشرتم إليها، ما السيناريوهات القانونية الممكنة في حالة طنجة إذا ثبتت الوقائع؟
الأمر مرتبط بما ستكشف عنه الأبحاث وبالمعطيات التي ستتوفر أمام المحكمة الدستورية.
يمكن أن يكون النقاش حول مكتب اقتراع محدد إذا تبين أن الخلل محصور فيه وأن تأثيره مرتبط بالنتائج الخاصة بذلك المكتب. ويمكن أيضاً أن يمتد الأمر إلى أكثر من مكتب إذا تبين وجود ممارسات متكررة أو خروقات متعددة لها علاقة بالعملية الانتخابية.
وفي حالات معينة، إذا ثبت أن الخروقات أثرت على النتيجة أو مست بشكل جوهري بالمبادئ التي تحكم العملية الانتخابية، يمكن أن تترتب عن ذلك آثار على نتيجة الاقتراع، وقد يصل الأمر إلى إلغاء الانتخاب وإجراء اقتراع جديد وفقاً لما تقرره المحكمة.
لكن هذا كله ليس آلياً، وإنما يتوقف على طبيعة الوقائع، وحجمها، ومدى ثبوتها، وانتشارها، وتأثيرها على النتيجة وعلى سلامة العملية الانتخابية.
سؤال: في ضوء ذلك، ما الذي سيكون حاسماً في تحديد مآل الطعن المتعلق بانتخابات طنجة؟
العنصر الحاسم سيكون هو المعطيات التي ستتوفر أمام المحكمة الدستورية. فالمحكمة ستحتاج إلى معرفة ما إذا كانت الوقائع ثابتة، وما نطاقها، وهل هي معزولة أم متعددة، وما إذا كان لها تأثير على النتيجة، والأهم من ذلك مدى تأثيرها على المبادئ الدستورية التي تحكم العملية الانتخابية.
لذلك لا يمكن استباق قرار المحكمة الدستورية. فالمسألة تحتاج إلى قراءة دقيقة للمحاضر والوقائع والنتائج والمعطيات المرتبطة بكل مكتب اقتراع.



