على إثر تصدّر حزب الأصالة والمعاصرة نتائج الانتخابات التشريعية، ينتقل النقاش إلى مرحلة تشكيل الحكومة المقبلة، في ظل القيادة الجماعية الثلاثية للحزب.
فكيف يُفهم الفصل 47 من الدستور في هذه الحالة؟ وما حدود دور الحزب في تحديد الشخصية التي يمكن أن تتولى رئاسة الحكومة، مقابل الاختصاص الملكي في التعيين؟ وهل يتيح الدستور تولي امرأة هذا المنصب؟
في هذا الحوار، يقدم الأستاذ الدكتور رشيد لزرق قراءة دستورية لهذه الإشكالات.
1. بعد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة للانتخابات التشريعية بقيادة جماعية ثلاثية، كيف تقرؤون تطبيق الفصل 47 من الدستور المغربي؟
ينبغي الانطلاق من النص الدستوري نفسه. فالفصل 47 ينص على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها.
وبالتالي، فإن الدستور حسم قيداً أساسياً على سلطة التعيين، وهو أن رئيس الحكومة يجب أن يكون من الحزب المتصدر للانتخابات. لكنه لم ينص على أن الشخص المعين يجب أن يكون الأمين العام للحزب أو المنسق الوطني أو رئيس الحزب أو رئيس لائحته الانتخابية.
وهذه النقطة تجعل حالة حزب الأصالة والمعاصرة، رغم خصوصية قيادته الجماعية، قابلة للاستيعاب دستورياً. فالفصل 47 يتحدث عن الحزب السياسي باعتباره الإطار الذي يجب أن ينتمي إليه رئيس الحكومة، ولا يتحدث عن زعيم الحزب أو رئيسه باعتباره المعني حصراً بالتعيين.
لذلك ينبغي التمييز بين مستويين: الأول يتعلق بتحديد الحزب الذي يجب أن يأتي منه رئيس الحكومة، وقد حسمه الدستور لصالح الحزب المتصدر للانتخابات؛ أما المستوى الثاني فيتعلق باختيار الشخص من داخل هذا الحزب، وهنا لا يحدد الفصل 47 آلية حزبية بعينها ولا يحصر التعيين في شخص محدد.
وقد أظهرت الممارسة الدستورية السابقة أن احترام الفصل 47 يرتبط أساساً بالبقاء داخل الحزب المتصدر، وليس بالضرورة بتعيين الشخص الذي يتولى قيادته التنظيمية.
وعليه، فإن القيادة الجماعية قد توسع سياسياً دائرة الشخصيات المحتمل تعيينها، لكنها لا تغير القاعدة الدستورية الأساسية: التعيين يتم من طرف الملك، مع التقيد بضرورة اختيار رئيس الحكومة من الحزب المتصدر للانتخابات.
2. هل يتيح الدستور تعيين امرأة رئيسة للحكومة؟ وما الشروط الدستورية المرتبطة بذلك؟
نعم. لا يوجد في الدستور المغربي أي مقتضى يمنع تعيين امرأة رئيسة للحكومة.
فالدستور يكرس المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق المدنية والسياسية، كما أن الفصل 47 لا يتضمن أي تمييز مرتبط بالجنس في ما يتعلق بتولي رئاسة الحكومة.
وبالتالي، فإن الشروط الدستورية لا ترتبط بكون الشخص رجلاً أو امرأة، وإنما ترتبط أساساً بانتمائه إلى الحزب الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وبصدور التعيين من الملك وفقاً لمقتضيات الفصل 47.
ومن المهم كذلك التأكيد على أن الفصل 47 لا يشترط صراحة أن يكون الشخص المعين رئيساً للحزب أو أميناً عاماً له، كما لا ينص صراحة على وجوب أن يكون عضواً منتخباً في مجلس النواب.
لذلك، فإن تعيين امرأة رئيسة للحكومة لا يطرح من حيث المبدأ أي إشكال دستوري، متى كانت تنتمي إلى الحزب المتصدر للانتخابات واستوفى التعيين المقتضيات التي يحددها الدستور.
3. هل يمكن لحزب الأصالة والمعاصرة، بالاستناد إلى نظامه الداخلي، أن يبادر إلى حسم اسم مرشحه لرئاسة الحكومة، أم أن هذه المبادرة ليست شرطاً دستورياً قبل الاختيار الملكي؟
ينبغي هنا التمييز بين الترشيح الحزبي والتعيين الدستوري.
يمكن للحزب، من الناحية السياسية والتنظيمية، أن يجتمع داخل أجهزته المختصة وأن يتوافق على شخصية يراها الأنسب لتولي رئاسة الحكومة، متى كانت قواعده الداخلية تسمح بذلك.
غير أن هذا الاختيار الداخلي لا يتحول إلى قرار ملزم دستورياً للملك، لأن الفصل 47 لا ينص على أن الحزب المتصدر يقترح رئيس الحكومة ثم يقوم الملك بتعيينه، وإنما يسند للملك مباشرة سلطة تعيين رئيس الحكومة من الحزب المتصدر.
وهذا الفرق في الصياغة له دلالة دستورية مهمة. فالدستور، عندما أراد جعل الاقتراح شرطاً، نص عليه صراحة في مواضع أخرى، كما هو الحال بالنسبة إلى تعيين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها. أما بالنسبة إلى رئيس الحكومة، فلم يجعل اقتراح الحزب مرحلة دستورية إلزامية.
لذلك، يمكن للحزب أن يقدم اسماً أو يعبر عن تفضيل سياسي أو يتوصل إلى توافق داخلي بشأن شخصية معينة، لكن ذلك يبقى موقفاً سياسياً وتنظيمياً وليس شرطاً دستورياً سابقاً على التعيين.
كما أن القيادة الجماعية لا تعني أن الاختيار يجب أن ينحصر بالضرورة في أعضائها الثلاثة. فالدستور يشترط الانتماء إلى الحزب المتصدر، ولا يشترط الانتماء إلى جهاز القيادة الجماعية تحديداً.
4. هل تستدعي هذه الحالة عقد مؤتمر وطني استثنائي، أم أن القرار يمكن أن تتخذه أجهزة الحزب المختصة دون اللجوء إلى المؤتمر؟
من الناحية الدستورية، لا يوجد أي مقتضى يفرض عقد مؤتمر وطني استثنائي قبل تعيين رئيس الحكومة.
الفصل 47 لا يتدخل في كيفية تنظيم الحزب لنفسه، ولا يشترط عقد مؤتمر حزبي من أجل تسمية شخص يمكن أن يتولى رئاسة الحكومة.
أما من الناحية التنظيمية الحزبية، فينبغي التمييز بين مجرد اتخاذ موقف سياسي بشأن الشخصية المفضلة، وبين تعديل النظام الأساسي للحزب أو تغيير بنيته القيادية.
فإذا كان الأمر يتعلق فقط بتوافق داخلي أو قرار سياسي تصدره الأجهزة المختصة داخل الحزب، فلا يوجد ما يجعل المؤتمر الوطني شرطاً لازماً في حد ذاته.
أما إذا كان الأمر يقتضي تعديل النظام الأساسي، أو تغيير بنية القيادة الجماعية، أو استحداث قواعد جديدة تتعلق بتمثيل الحزب أو تحديد من يتولى قيادته، فإن المسألة تصبح مرتبطة بالقواعد الداخلية للحزب وبالمسطرة القانونية المعتمدة لتعديل نظامه الأساسي.
وعليه، فهناك ثلاثة مستويات يجب عدم الخلط بينها: تعيين رئيس الحكومة باعتباره مسألة دستورية، واختيار قيادة الحزب باعتباره مسألة تنظيمية، وتعديل النظام الأساسي باعتباره مسألة حزبية قانونية تخضع لإجراءات محددة.
5. هل توجد تجارب دولية لأحزاب ذات قيادة جماعية وصلت إلى الحكم، ويمكن الاستئناس بها لفهم الحالة المغربية؟
نعم، توجد تجارب دولية لأحزاب تعتمد قيادة مشتركة أو جماعية، وقد شاركت بعض هذه الأحزاب في ممارسة السلطة أو في الائتلافات الحكومية.
وتظهر هذه التجارب أن القيادة الجماعية للحزب لا تعني بالضرورة أن رئاسة الحكومة أو الجهاز التنفيذي تصبح بدورها جماعية. فقد يحتفظ الحزب بقيادة ثنائية أو جماعية، بينما يظل منصب رئيس الحكومة منصباً فردياً يسند إلى شخص واحد يتحمل المسؤولية السياسية والدستورية.
ومن بين الأمثلة التي يمكن الاستئناس بها بعض الأحزاب الخضراء في أوروبا ونيوزيلندا، حيث توجد صيغ للقيادة المشتركة أو الثنائية، مع مشاركة الحزب في الحكومة دون أن تتحول القيادة الجماعية الحزبية إلى قيادة جماعية للجهاز التنفيذي.
لكن هذه المقارنات ينبغي التعامل معها بحذر، لأن النظام الدستوري المغربي له خصوصيته، ولا يمكن نقل تجربة أجنبية بصورة آلية إلى تفسير الفصل 47.
ما يمكن الاستفادة منه هو المبدأ العام القائم على الفصل بين تنظيم الحزب الداخلي وبين تنظيم السلطة التنفيذية في الدولة. فقد يعتمد الحزب قيادة جماعية، بينما يظل الدستور مطالباً في مرحلة تشكيل الحكومة بتحديد شخص واحد يتولى منصب رئيس الحكومة ويمارس الصلاحيات المرتبطة به.
الخلاصة
الإشكال الذي تطرحه حالة حزب الأصالة والمعاصرة لا يتمثل في وجود فراغ دستوري، وإنما في اختبار مدى مرونة الفصل 47 أمام نموذج حزبي يقوم على القيادة الجماعية.
فالنص الدستوري ربط التعيين بالحزب السياسي المتصدر للانتخابات، ولم يربطه صراحة بصفة الأمين العام أو رئيس الحزب. لذلك يمكن من الناحية الدستورية تعيين أي شخصية تنتمي إلى الحزب المتصدر، رجلاً كانت أو امرأة، دون أن يكون من الضروري أن تكون هي الشخصية الأولى تنظيمياً داخل الحزب.
كما أن اقتراح الحزب لاسم معين يمكن أن تكون له أهمية سياسية كبيرة، لكنه لا يمثل شرطاً دستورياً سابقاً على التعيين الملكي. وفي المقابل، تظل كيفية اتخاذ الحزب لقراره الداخلي مسألة تخضع لنظامه الأساسي وأجهزته المختصة.
وعليه، فإن القيادة الجماعية للحزب لا تتعارض في حد ذاتها مع الفصل 47، لأن الدستور ينظم موقع رئيس الحكومة داخل الدولة، بينما يظل شكل قيادة الحزب جزءاً من استقلاليته التنظيمية الداخلية.
نبذة عن رشيد لزرق:
دكتور في العلوم السياسية من جامعة القاضي عياض
خبير دستوري و متخصص في الشؤون البرلمانية و الحزبية
محاضر في مجموعة من الملتقيات الدولية في موضوع صياغة الدساتير و اللوائح الداخلية للبرلمان، و النظم الانتخابية
مراقب دولي للانتخابات
مستشار سابق لدى وزير العلاقات مع البرلمان و المجتمع المدني



