ذ . بوشتى بوكزول
كتبت السيدة ياسمينة بادو، بمناسبة انتهاء عدتها بعد وفاة زوجها، أن أربعة أشهر وعشرة أيام “لا تعني شيئا يمكن تفسيره بالعقل والمنطق”، وأنها لا تعني نهاية الحداد ولا الألم ولا الشعور بالفقد، كما اعتبرت أن العدة مقتضى “فاقد للمعنى والمنطق”، خصوصا في عصر تحليل الحمض النووي، وتساءلت عن سبب اقتصارها على المرأة دون الرجل، داعية إلى إصلاح شامل وعميق لمدونة الأسرة.
وبعيدا عن الشخص، وعن تجربة الفقد التي لا يملك أحد حق الحكم عليها، فإن هذا الكلام يفتح سؤالا أكبر بكثير من تجربة فردية: هل يجوز أن نحاكم حكما شرعيا ثابتا بنص قرآني صريح فقط بمعايير التجربة الشخصية، أو بالتطور التقني، أو بمفهوم حديث للمساواة؟
هنا تحديدا ينبغي أن يكون الجواب واضحا.
أولا: أربعة أشهر وعشرة أيام ليست من اختراع مدونة الأسرة
من أول الأمور التي ينبغي تصحيحها أن عدة الوفاة ليست في أصلها “مقتضى من مقتضيات مدونة الأسرة” حتى نتعامل معها كأن المشرع المغربي ابتكرها ثم يمكنه حذفها أو تعديلها متى تغيرت الظروف.
مدونة الأسرة إنما قننت حكما شرعيا سابقا عليها بقرون.
يقول الله تعالى: “والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا” البقرة: 234.
هذا نص قرآني صريح في تحديد عدة المرأة المتوفى عنها زوجها غير الحامل. وقد جاءت مدونة الأسرة في مادتها 132 بالنص على أن عدة المتوفى عنها غير الحامل هي أربعة أشهر وعشرة أيام كاملة.
إذن، من الناحية العلمية، هناك فرق هائل بين القول:
“هل يمكن تعديل صياغة مدونة الأسرة؟” وبين القول: “هل يمكن إلغاء حكم شرعي صريح لأننا لم نعد نرى حكمته؟”
الأول نقاش قانوني وفقهي مشروع. أما الثاني فهو نقاش في مرجعية الحكم نفسه.
ثانيا: العدة ليست هي الحداد
وهنا يقع الخلط الأساسي. العدة ليست مرادفا للحزن.
لم يقل القرآن إن المرأة تعتد أربعة أشهر وعشرة أيام حتى ينتهي حزنها.
ولم يقل إن انتهاء العدة يعني انتهاء حبها لزوجها أو انتهاء ألمها.
فالإنسان قد يفقد شخصا عزيزا فيبقى حزنه عليه عاما أو أعواما، وقد يتجاوز شخص آخر محنته في مدة أقصر.
فالحزن حالة نفسية، أما العدة فهي حكم شرعي. وبالتالي، القول إن “أربعة أشهر وعشرة أيام لا تنهي الحداد” لا يمس أصل الحكم، لأن انتهاء الحداد ليس هو الغاية التي حدد بها القرآن مدة العدة. وهذه نقطة جوهرية.
فلو كان انتهاء الحزن هو المقصود، لكان ينبغي أن تختلف العدة باختلاف مقدار الحزن من امرأة إلى أخرى.
لكن الشريعة لم تفعل ذلك. لأن العدة ليست مقياسا للحزن، كما أن الصلاة ليست مقياسا لدرجة خشوع المصلي.
إنها أحكام شرعية محددة، لا تقاس نتائجها كلها بالمشاعر الفردية.
ثالثا: اختزال العدة في الحمل اختزال مخل
يقال: اليوم نستطيع اكتشاف الحمل، ويمكن إثبات النسب بالتحاليل الجينية، فلماذا الانتظار أربعة أشهر وعشرة أيام؟
السؤال يبدو مقنعا إذا افترضنا أن العلة الوحيدة للعدة هي معرفة وجود الحمل. لكن هذا الافتراض نفسه يحتاج إلى دليل.
فالعدة ليست نظاما طبيا لاكتشاف الحمل.
إنها حكم شرعي مركب، تتداخل فيه معاني حفظ النسب، وتنظيم آثار انتهاء العلاقة الزوجية، واحترام رابطة الزواج، وترتيب الانتقال من حالة الزوجية إلى حالة ما بعد الوفاة، وغير ذلك من الحكم التي لا تختزل في تحليل مخبري.
بل إن النص نفسه يكشف أن القضية ليست مجرد حمل. فلو كان الحمل هو العلة الوحيدة، لما جاءت عدة الوفاة محددة بهذه المدة على هذا النحو، ولما كان للحامل حكم مختلف ينتهي بوضع حملها.
وقد نص القرآن: “وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن” الطلاق: 4.
كما تقرر مدونة الأسرة نفسها أن عدة الحامل تنتهي بوضع حملها أو سقوطه، وهو ما يدل على أن المشرع المغربي لم يجعل مدة الأربعة أشهر والعشرة قاعدة ميكانيكية لا علاقة لها بالحمل، بل نظم الحالات المختلفة تفصيلا.
رابعا: وماذا يفعل تحليل ADN بالحكم الشرعي؟
تحليل ADN يستطيع أن يقدم لنا معلومة علمية مهمة حول النسب. لكن السؤال هو: هل قال القرآن إن العدة شرعت فقط حتى لا نحتاج إلى تحليل ADN ؟
الجواب: لا. وهنا يقع الخلط بين الحكمة المحتملة للحكم وبين ماهية الحكم نفسه.
الطب يستطيع أن يكشف الحمل. والطب يستطيع أن يكشف كثيرا من الأمراض. والتقنية تستطيع أن توفر لنا معلومات لم تكن متاحة للناس قبل قرون.
لكن هل يعني ذلك أن كل حكم شرعي كانت له حكمة تتصل بحالة معينة يصبح ملغى بمجرد ظهور وسيلة تقنية جديدة؟
لو قبلنا هذا المنطق، لتحول الدين من منظومة تشريعية إلى مجموعة من الإجراءات المؤقتة التي تبقى صالحة فقط إلى أن يكتشف الإنسان وسيلة أسرع لتحقيق بعض النتائج.
وهذا تصور لا يستقيم مع طبيعة التشريع الإسلامي.
خامسا: النص القرآني لا يستأذن التقنية الحديثة
المشكلة الأكبر ليست في طرح السؤال، فالإسلام لا يخاف من السؤال. المشكلة حين يتحول السؤال إلى قاعدة: “بما أن العلم تغير، فالحكم لم يعد منطقيا.”
العلم يصف لنا ما يحدث في الكون. أما التشريع فيحدد لنا كيف ينبغي أن ننظم حياتنا وفقا لمرجعيته.
ويمكن للعلم أن يشرح بعض الحكم، لكنه لا يملك وحده سلطة إلغاء نص شرعي.
وهنا يجب أن نفرق بين الاستفادة من العلم في فهم الواقع وبين جعل العلم حاكما على النص الشرعي.
فالوسائل العلمية تتطور، أما النص القرآني فلا يصبح متقادما لأن مختبرا اكتشف وسيلة أسرع لمعرفة الحمل.
سادسا: لماذا لا يعتد الرجل؟
هذا السؤال مشروع أيضا، لكن جوابه لا يكون بافتراض أن كل حكم مختلف بين الرجل والمرأة هو تمييز.
المرأة هي التي تحمل، ولذلك ترتبط بعض الأحكام الشرعية بالرحم والحمل والنسب.
والرجل لا يمر بهذه الحالة البيولوجية. لكن العدة نفسها ليست مجرد “استبراء للرحم”، وإلا لما احتجنا إلى كل هذا التفصيل في أحكامها. فهي جزء من منظومة تشريعية لتنظيم آثار انتهاء الزواج.
ومن الخطأ أن نقول: “بما أن الرجل لا يعتد، فالمرأة مظلومة.”
فهل كل حكم يختص بالمرأة ظلم لها؟ وهل كل حكم يختص بالرجل ظلم له؟
العدل لا يعني أن تكون كل الأحكام متطابقة، بل يعني أن يكون لكل حكم سببه ومجاله وأثره.
سابعا: السن لا يلغي الحكم
ومن الحجج التي طرحتها السيدة بادو أن سنها يجعل احتمال الحمل بعيدا.
وهنا يجب التمييز بين الحالة الفردية والحكم العام. فلو كان كل حكم شرعي يسقط بمجرد أن يقول شخص: “هذه الحالة لا تنطبق علي” ، لانتهت فكرة التشريع العام. فالحكم العام لا يبنى على حالة فردية. ثم إن القرآن لم يقل: “تعتد المرأة التي يمكن أن تحمل”. بل قال: “والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا” ، ثم جاءت أحكام الحامل بنص آخر. وهذا من دقة التشريع.
ثامنا: هناك معنى تعبدي لا تستطيع المختبرات قياسه
وهنا نصل إلى الجانب الذي كثيرا ما يغيب في النقاش الحديث حول الأحكام الشرعية.
ليس كل ما يشرعه الله تعالى قابلا للقياس المخبري. هناك جانب تعبدي في التشريع.
المسلم لا يصلي لأن المختبر أثبت أن عدد الصلوات خمس. ولا يصوم رمضان لأن الطب قرر أن الصيام يجب أن يكون في ذلك الشهر تحديدا. ولا يحج لأن هناك تحليلا علميا يثبت ضرورة الطواف سبعة أشواط. بل يفعل ذلك كله لأن الله أمر به. ومع ذلك، فإن العقل يستطيع أن يتدبر الحكم والمقاصد والآثار. لكن التدبر شيء، وإلغاء الحكم شيء آخر.
تاسعا: السنة النبوية لم تتعامل مع عدة الوفاة كاقتراح اجتماعي
جاءت السنة النبوية مبينة للقرآن ومؤكدة لحكم عدة الوفاة.
وفي الحديث الصحيح عن زينب بنت جحش رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
“لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج، أربعة أشهر وعشرا.”
فالنص النبوي يفرق بوضوح بين الحداد على عموم الأموات وبين الحداد على الزوج. وهذا يؤكد مرة أخرى أن المسألة ليست مجرد مدة للحزن. فالمرأة قد تحزن على أبيها أو أخيها أو ابنها، لكن الشريعة لم تجعل الحداد عليهم كحداد الزوج. لأن العلاقة الزوجية لها خصوصيتها وآثارها الشرعية.
وقد وردت السنة كذلك في قصة سبيعة الأسلمية رضي الله عنها، التي وضعت حملها بعد وفاة زوجها، فأذن لها النبي صلى الله عليه وسلم في الزواج بعد وضع الحمل، وهو ما يبين أن عدة الحامل لها حكم خاص.
عاشرا: الإصلاح لا يعني أن نجعل النص تابعا لكل موجة اجتماعية
لا أحد يقول إن مدونة الأسرة فوق النقاش. ولا أحد يقول إن كل اجتهاد فقهي تاريخي غير قابل للمراجعة.
بل الاجتهاد مطلوب، والقانون قابل للتطوير، والتطبيقات القضائية تحتاج دائما إلى دراسة.
لكن هناك فرق بين تطوير القانون في دائرة الاجتهاد وبين التعامل مع نص قرآني صريح باعتباره “مقتضى متقادما فاقدا للمعنى”.
يمكن أن نناقش: كيف تطبق العدة؟ كيف تحمى حقوق المعتدة؟ كيف تعالج الحالات المستجدة؟ كيف تنظم آثارها القانونية؟
كيف نستفيد من الوسائل العلمية الحديثة في إثبات الحمل والنسب؟ كل ذلك مشروع ومفيد.
لكن لا يجوز أن نقفز من هذه الأسئلة إلى نتيجة مفادها أن التطور العلمي ألغى الحكم القرآني.
وأخيرا…
نحن في حاجة إلى خطاب ديني أكثر عمقا، لا إلى خطاب غاضب.
ونحن في حاجة أيضا إلى نقاش قانوني جاد، لا إلى تحويل النصوص الشرعية إلى مادة للمحاكمة وفق الانطباعات الشخصية.
من حق السيدة ياسمينة بادو أن تقول إن أربعة أشهر وعشرة أيام لا تنهي حزنها. وهذا صحيح، لأن العدة ليست مصممة أصلا لكي تنهي الحزن. لكن ليس من الدقة أن نحول هذه التجربة الشخصية إلى دليل على أن العدة “فاقدة للمعنى والمنطق”. فالعدة ليست دواء للحزن حتى نحاكمها بمدى نجاحها في علاج الحزن. وليست تحليلا للحمل حتى نسقطها بمجرد ظهور تحليل أسرع. وليست قرارا وضعيا ابتدعه المشرع المغربي حتى يقال إن الزمن تجاوزه.
إنها حكم شرعي نص عليه القرآن صراحة. ومن يريد مراجعة مدونة الأسرة، فليبدأ أولا بالتمييز بين ما هو اجتهاد بشري قابل للنقاش وما هو نص شرعي قطعي المرجعية.
لأن المشكلة لا تكون في تجديد الفقه. المشكلة تبدأ حين يصبح جهلنا بحكمة الحكم دليلا على بطلانه، ويصبح عجزنا عن رؤية المعنى سببا لاتهام النص بأنه بلا معنى.
لقد قال الله تعالى:
“وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم” الأحزاب: 36.
فالإسلام لا يمنع العقل من السؤال، لكنه يضع للعقل حدا لا يتجاوزه: أن يفهم النص ويتدبر حكمته، لا أن يجعل نفسه مشرعا فوق النص. والخلاف الحقيقي هنا ليس بين “العلم” و”الدين”، ولا بين “العقل” و”النص”.
بل بين منهجين: منهج يرى أن العلم وسيلة لفهم الواقع، وأن العقل وسيلة للتدبر والاجتهاد داخل حدود النص.
ومنهج آخر يريد أن يجعل ما يقبله العقل المعاصر هو المعيار الذي يقرر للنص ما يبقى وما يسقط.
وبين المنهجين مسافة لا يجوز طمسها تحت شعار الإصلاح.
مدونة الأسرة يمكن إصلاحها، وتطويرها، ومراجعة اجتهاداتها، لكن إصلاح القانون شيء، وإعادة صياغة الأحكام القطعية لتوافق ذوق العصر شيء آخر تماما.
والسؤال الذي ينبغي أن يطرح اليوم ليس: هل ما زالت العدة منطقية في عصر ADN ؟
بل: هل فهمنا العدة أصلا قبل أن نحكم عليها؟



