خديجة الشرقاوي
انتهى الاقتراع، وأعلنت النتائج النهائية لانتخاب ممثلي الصحافيين المهنيين بالمجلس الوطني للصحافة. غير أن ما أفرزته صناديق 15 شتنبر 2026 لا يختصر في سبعة أسماء فائزة، لأن هذه الانتخابات وضعت القانون رقم 09.26 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس أمام أول اختبار انتخابي، وحولت بعض مقتضياته من قواعد مكتوبة إلى نتائج يمكن قراءتها وقياس أثرها.
وأظهرت النتائج معطيين يستحقان التوقف عندهما. أولهما أن ترتيب المترشحين بحسب عدد الأصوات لم يتحول آليا إلى ترتيب أصحاب المقاعد السبعة، بفعل الآلية القانونية المقررة لتمثيلية الصحافيات. وثانيهما أن نسبة المشاركة توقفت عند 49.14 في المائة، بعدما أدلى 1681 ناخبة وناخبا بأصواتهم من أصل 3421 مسجلا في اللوائح الانتخابية النهائية.
فماذا كشف أول انتقال للقانون الجديد من النص إلى الصندوق؟
عندما لا يكفي ترتيب الأصوات للفوز
أفرز الاقتراع تصدرت حنان رحاب النتائج بـ703 أصوات، تلاها عبد الله البقالي بـ481 صوتا، ثم عبد الحق العضيمي بـ455 صوتا، فالكبير خشيشن بـ437 صوتا. وبعد هؤلاء مباشرة، من حيث عدد الأصوات المحصل عليها، جاء أمين الخياري بـ353 صوتا.
لكن الخياري لم يكن ضمن الفائزين السبعة، بينما آلت المقاعد المتبقية إلى مونيا عرشي بـ281 صوتا، ونادية حسيسو بـ257 صوتا، وعزيزة غلام بـ253 صوتا.
هذه النتيجة لا تعني وجود خلل في احتساب الأصوات، وإنما تكشف للمرة الأولى الأثر العملي للطريقة التي اختارها القانون لتحويل الأصوات إلى مقاعد.
فالاقتراع كان سريا اسميا وبالأغلبية النسبية في دورة واحدة، وكان بإمكان كل ناخب اختيار مترشح واحد أو عدة مترشحين في حدود سبعة أسماء. غير أن تحديد الفائزين لا يقوم على أخذ أصحاب أعلى سبعة أرقام بصورة آلية، إذ تتدخل القاعدة القانونية الخاصة بتمثيلية الصحافيات عند توزيع المقاعد.
وهكذا قدمت انتخابات 15 شتنبر حالة واقعية لما كان يمكن مناقشته قبلها بوصفه مجرد احتمال: قد يحتل مترشح مرتبة متقدمة بحسب عدد الأصوات، ويتفوق عدديا على بعض الفائزات، من دون أن يقوده ذلك بالضرورة إلى أحد المقاعد السبعة.
فالنتيجة لم تخالف القانون، بل كشفت أثره: الصندوق رتب الأصوات، والقانون حدد كيف تتحول إلى مقاعد.
أربع صحافيات وثلاثة صحافيين
وتكشف النتيجة أيضا أن الآلية المعتمدة لا تعني تقسيم المقاعد سلفا إلى أربعة للرجال وثلاثة للنساء.
فحنان رحاب لم تحتاج إلى المقعد المخصص لضمان التمثيلية النسائية حتى تدخل المجلس، بل تصدرت جميع المترشحين والمترشحات بـ703 أصوات. ثم أفضى تطبيق آلية توزيع المقاعد إلى فوز ثلاث صحافيات أخريات، هن مونيا عرشي ونادية حسيسو وعزيزة غلام.
وهكذا أصبحت النتيجة أربع صحافيات وثلاثة صحافيين.
وهنا تظهر إحدى الدلالات المهمة لأول تطبيق للنص: الآلية تضمن حضورا أدنى للصحافيات، لكنها لا تجعل هذا الحضور محصورا في المقاعد الثلاثة. فإذا استطاعت صحافية أو أكثر دخول المقاعد الأولى بقوة الأصوات، فإن ذلك لا يمنع تطبيق الآلية المقررة للمقاعد المتبقية.
ولذلك لم تعد المسألة مجرد نقاش نظري حول صياغة قانونية. أصبح أمامنا أثر انتخابي فعلي يمكن على أساسه مناقشة العلاقة بين إرادة الناخب، كما تعكسها أعداد الأصوات، والغاية التي اختارها المشرع لضمان تمثيلية النساء داخل المجلس.
أكثر من نصف المسجلين لم يشاركوا
غير أن طريقة توزيع المقاعد ليست وحدها ما يستحق القراءة في النتائج.
فمن أصل 3421 صحافية وصحافيا مسجلين في اللوائح الانتخابية النهائية، شارك 1681، أي بنسبة 49.14 في المائة. وسجلت العملية 1529 صوتا صحيحا و152 ورقة ملغاة، من دون تسجيل أوراق متنازع بشأنها.
وبعملية حسابية بسيطة، يعني ذلك أن 1740 مسجلا، أي نحو 50.86 في المائة من الهيئة الناخبة، لم يدلوا بأصواتهم.
الرقم لافت، لكنه لا يفسر نفسه.
فلا تسمح نتائج الاقتراع وحدها بمعرفة ما إذا كان عدم المشاركة يعود إلى موقف من المجلس أو من الانتخابات، أو إلى أسباب مهنية أو تنظيمية أو شخصية. ولذلك سيكون من المتسرع وصف الرقم بأنه مقاطعة أو اعتباره دليلا تلقائيا على فقدان الثقة من دون معطيات إضافية.
لكن ما يمكن إثباته هو أن أكثر من نصف الهيئة الناخبة لم تشارك في أول انتخابات تجري في ظل القانون الجديد.
وهنا ينتقل السؤال من حساب الأصوات إلى علاقة المؤسسة بقاعدتها المهنية. فالقانون يستطيع أن يحدد شروط القيد والترشح والتصويت، وأن يرسم طريقة توزيع المقاعد، لكنه لا يستطيع وحده أن يصنع الرغبة في المشاركة.
ومن هذه الزاوية، قد يكون الرقم 49.14 في المائة أحد أهم الأرقام التي خلفها اقتراع 15 شتنبر، لأنه يضع أمام المجلس المقبل تحديا يتجاوز الوصول إلى المقاعد: كيف يجعل مؤسسة التنظيم الذاتي أقرب إلى الصحافيات والصحافيين، بمن شارك منهم في الانتخابات وبمن لم يشارك؟
داخل المجلس.. التساوي في العدد واختلاف طريق الوصول
وبالتوازي مع انتخاب ممثلي الصحافيين المهنيين، أعلنت اللجنة المؤقتة لائحة الناشرين السبعة المنتدبين لعضوية المجلس، بعد فحص الملفات والوثائق والتحقق، بحسب بلاغها، من استيفائهم الشروط القانونية. وتضم اللائحة بهية العمراني، وسعاد المكاوي، ومهدي علابوش، وعزيز الداكي، وإدريس شحتان، والمختار الغزيوي، وخالد الحريري.
وبذلك يظهر داخل التشكيلة الجديدة تساو عددي بين الفئتين المهنيتين: سبعة ممثلين عن الصحافيين وسبعة عن الناشرين.
لكن التساوي في العدد لا يعني التماثل في طريقة الوصول إلى المجلس.
فالصحافيون السبعة وصلوا عبر اقتراع شاركت فيه الهيئة الناخبة للصحافيين المهنيين، بينما وصل ممثلو الناشرين عبر آلية الانتداب من المنظمة المهنية المعنية، وفق المقتضيات المنظمة لهذه الفئة. والتمييز بين الانتخاب والانتداب ليس مجرد اختلاف في المصطلحات، بل اختلاف في مصدر التمثيل وطريقة إنتاجه.
وتكتمل تركيبة المجلس، وفق البناء القانوني الجديد، بثلاثة أعضاء يمثلون مؤسسات وطنية، ليصل مجموع أعضائه إلى 17 عضوا.
أما إعلان نتائج الصحافيين ولائحة الناشرين، فلا يعني أن المسار المؤسساتي انتهى بالكامل؛ فاللجنة نفسها قدمت هذه المرحلة باعتبارها تمهيدا لاستكمال باقي الإجراءات القانونية المرتبطة بتشكيل أجهزة المجلس ومباشرته لمهامه.
من اختبار القانون إلى اختبار المؤسسة
قبل 15 شتنبر، كان ممكنا قراءة القانون رقم 09.26 وبناء فرضيات حول الطريقة التي ستعمل بها قواعده الانتخابية.
اليوم أصبح جزء من تلك الفرضيات واقعا.
نعرف أن ترتيب الأصوات لا يحدد وحده أصحاب المقاعد السبعة. ونعرف أن الآلية الخاصة بتمثيلية الصحافيات أفضت في أول تطبيق لها إلى مجلس يضم، ضمن ممثلي الصحافيين، أربع صحافيات وثلاثة صحافيين. ونعرف أيضا أن نسبة المشاركة لم تتجاوز 49.14 في المائة.
هذه هي النتائج التي يستطيع الصندوق أن يكشفها.
لكن القانون رقم 09.26 لم ينشئ المجلس من أجل إجراء الانتخابات فقط. فالمهام المسندة إليه تمتد إلى التنظيم الذاتي للقطاع، ووضع ميثاق أخلاقيات المهنة، ومنح بطاقة الصحافة المهنية، والوساطة والتحكيم في بعض النزاعات، والنظر في القضايا التأديبية، وتتبع احترام حرية الصحافة، إلى جانب مهام أخرى مرتبطة بالقطاع.
ومن هنا يبدأ الاختبار الثاني، وربما الأصعب.
ففي 15 شتنبر، اختبرت الأصوات جزءا من هندسة القانون الجديد، وأنتجت سبعة ممثلين منتخبين عن الصحافيين. أما بعد استكمال تشكيل المجلس وتنصيب أجهزته، فلن يكون السؤال فقط كيف وصل أعضاؤه إلى مقاعدهم، بل ماذا سيفعلون بها.
لقد نجح القانون في إنتاج تشكيلة للمجلس وفق قواعده الجديدة، أما ما ستجيب عنه الممارسة فهو: هل ستنجح هذه التشكيلة في تحويل التمثيل القانوني إلى ثقة مهنية؟



