خديجة الشرقاوي
قبل أن تفتح صناديق الاقتراع أبوابها يوم 23 شتنبر 2026، تقدم الترشيحات أول خريطة للمنافسة على مقاعد مجلس النواب. لكنها ليست خريطة للنتائج بقدر ما هي خريطة لقدرة الأحزاب على دخول السباق: أين استطاعت أن تقدم لوائحها؟ وأين تعذر عليها ذلك؟ وهل تعكس قدرتها على تغطية الدوائر موقعها في الحكومة أو المعارضة، أو وزنها الذي خرجت به من انتخابات 2021؟
تكتسب هذه الأسئلة أهميتها من الأرقام التي أعلنتها وزارة الداخلية عقب انتهاء فترة إيداع الترشيحات. فقد بلغ عدد اللوائح المقدمة على الصعيد الوطني 1850 لائحة، تضم 7288 ترشيحا للتنافس على 395 مقعدا، بمعدل يفوق 18 ترشيحا عن كل مقعد. لكن خلف هذا الحجم الكبير للمنافسة تظهر فروق ومفارقات بين الأحزاب لا يكشفها العدد الإجمالي وحده.
المفارقة الأولى: أربعة أحزاب تتساوى في التغطية ولا تتساوى سياسيا
تكشف معطيات وزارة الداخلية أن أربعة أحزاب فقط استطاعت تغطية جميع الدوائر الانتخابية المحلية والجهوية: الأصالة والمعاصرة، والاستقلال، والتقدم والاشتراكية، والعدالة والتنمية. فقد قدم كل واحد منها 92 لائحة محلية تضم 305 مترشحين ومترشحات، إلى جانب 12 لائحة جهوية تضم 90 مترشحة.
للوهلة الأولى، تضع الأرقام الأحزاب الأربعة في الموقع نفسه. لكن هذا التشابه ينتهي تقريبا عند حدود الترشيحات.
فالاستقلال والأصالة والمعاصرة أمضيا الولاية المنتهية داخل الأغلبية الحكومية، بينما قضى العدالة والتنمية والتقدم والاشتراكية الفترة نفسها في المعارضة. كما أن الأحزاب الأربعة لم تدخل هذه الولاية بالأوزان الانتخابية نفسها، ولم تتحمل المسؤوليات السياسية نفسها خلالها.
تكشف هذه المفارقة أن القدرة على تغطية الخريطة الانتخابية ليست امتدادا آليا للموقع السياسي. فالمشاركة في الحكومة لا تمنح وحدها احتكار الانتشار، كما أن الانتقال إلى المعارضة لا يؤدي بالضرورة إلى انكماش القدرة التنظيمية على تقديم المرشحين.
وهنا تحديدا ينبغي التمييز بين نوعين من القوة: قوة تسمح للحزب بالوجود في أكبر عدد ممكن من الدوائر، وقوة تمنحه أصوات الناخبين داخل تلك الدوائر. الأولى يمكن أن نقرأ جزءا منها اليوم في الترشيحات، أما الثانية فلا يمكن قياسها قبل الاقتراع.
المفارقة الثانية: الحزب الذي قاد الحكومة ليس ضمن التغطية الكاملة
تزداد الصورة إثارة عند الانتقال إلى التجمع الوطني للأحرار. فالحزب الذي تصدر انتخابات 2021 وقاد الائتلاف الحكومي خلال الولاية المنتهية قدم 92 لائحة محلية تضم 305 مترشحين ومترشحات، أي إنه غطى جميع الدوائر المحلية، لكنه قدم 11 لائحة جهوية تضم 80 مترشحة، مقابل 12 لائحة جهوية لدى حليفيه الاستقلال والأصالة والمعاصرة.
الفارق هو دائرة جهوية واحدة فقط، ولذلك سيكون من المبالغة تحويله إلى مؤشر على تراجع الحزب أو ضعفه. لكنه يصبح ذا دلالة عندما يوضع داخل الصورة العامة: الحزب الذي قاد الحكومة لا يوجد ضمن الأحزاب الأربعة الوحيدة التي حققت التغطية الكاملة، بينما يوجد ضمنها حزبان من المعارضة.
وهذا يضع حدودا مبكرة لفكرة الربط المباشر بين قيادة الحكومة والقدرة على الانتشار الانتخابي. فخمس سنوات من تدبير السلطة لا تنتج بالضرورة خريطة ترشيحات أوسع من جميع المنافسين، مثلما أن اكتمال التغطية لدى حزب معارض لا يعني أنه أصبح أقرب إلى الفوز.
الأهم بالنسبة إلى التجمع الوطني للأحرار ليس، إذن، غياب لائحة جهوية واحدة، وإنما الاختبار الذي ينتظره في الدوائر التي دخلها بالفعل. فالحزب يخوض انتخابات 2026 من موقع مختلف جذريا عن 2021: آنذاك كان يسعى إلى قيادة الحكومة، أما اليوم فيطلب أصوات الناخبين بعد خمس سنوات من قيادتها.
المفارقة الثالثة: العدالة والتنمية بين خسارة 2021 وتغطية 2026
إذا كان موقع التجمع الوطني للأحرار يجعل أرقامه جديرة بالقراءة، فإن وضع العدالة والتنمية يقدم مفارقة مقابلة.
فالحزب خرج من انتخابات 2021 بتراجع كبير دفعه من قيادة الحكومة إلى المعارضة. وبعد خمس سنوات، تكشف معطيات الترشيحات أنه استطاع تقديم 92 لائحة محلية و12 لائحة جهوية، أي تغطية جميع الدوائر المتاحة للمنافسة.
لا تسمح هذه الأرقام بالقول إن الحزب استعاد قوته الانتخابية. لكنها تسمح باستنتاج أكثر تحديدا: الخسارة الانتخابية التي تعرض لها في 2021 لم تتحول، على الأقل على مستوى القدرة على تقديم الترشيحات في 2026، إلى غياب عن أجزاء من الخريطة الانتخابية.
وهنا تظهر المسافة بين القدرة التنظيمية والقدرة التصويتية بوضوح. يستطيع الحزب أن يجد مرشحين وأن يقدم لوائح في جميع الدوائر، لكن ذلك لا يخبرنا بعدد المواطنين المستعدين للتصويت لهذه اللوائح.
لذلك ستكون حالة العدالة والتنمية واحدة من أكثر الحالات دلالة عند إعلان النتائج. فإذا كانت الترشيحات قد أثبتت قدرته على العودة إلى جميع ساحات المنافسة، فإن الصناديق وحدها ستكشف ما إذا كانت هذه العودة تنظيمية فقط أم انتخابية أيضا.
المفارقة الرابعة: التغطية الجهوية لا تسير دائما مع التغطية المحلية
لا تقتصر المفارقات على الأحزاب الموجودة في مقدمة الخريطة. فبعض التنظيمات استطاعت تغطية الدوائر الجهوية كاملة رغم عدم تقديمها لوائح في جميع الدوائر المحلية.
الحركة الشعبية، مثلا، قدمت 86 لائحة محلية، لكنها حضرت في الدوائر الجهوية الـ12. والأمر نفسه بالنسبة إلى الاتحاد الدستوري الذي قدم 74 لائحة محلية فقط، مقابل 12 لائحة جهوية.
وفي الاتجاه الآخر، قدم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية 90 لائحة محلية، أي إنه اقترب كثيرا من تغطية الدوائر المحلية كاملة، لكنه سجل 11 لائحة جهوية. كما قدم تحالف اليسار 85 لائحة محلية و11 لائحة جهوية.
هذه الفوارق تجعل الحديث عن “التغطية الانتخابية” باعتبارها رقما واحدا غير دقيق. فالحزب قد يمتلك قدرة واسعة على الحضور في الدوائر الجهوية، بينما يظل انتشاره في الدوائر المحلية أقل اتساعا، والعكس ممكن أيضا.
كما تطرح سؤالا يتجاوز الأرقام نفسها: هل تعكس هذه الاختلافات اختيارات انتخابية للأحزاب في توزيع مواردها وترشيحاتها، أم تفاوتا في قدرتها التنظيمية بين المستويين المحلي والجهوي؟ لا يقدم بلاغ وزارة الداخلية عناصر كافية للإجابة عن ذلك، لكنه يكشف الظاهرة التي تستحق المتابعة.
خمسة مترشحين خارج الأحزاب.. رقم صغير بسؤال كبير
في خريطة تضم 7288 ترشيحا، يلفت الانتباه رقم يوجد في الطرف الآخر تماما: المترشحون غير المنتمين حزبيا لم يقدموا سوى لائحتين في دائرتين انتخابيتين محليتين، تضمان خمسة مترشحين ومترشحات.
الرقم لا يسمح وحده بتحديد سبب هذا الحضور المحدود، ولا ينبغي اختزاله في ضعف رغبة المستقلين في المشاركة. فتفسيره يحتاج إلى النظر في الشروط القانونية والتنظيمية والعملية التي تحكم تقديم الترشيحات خارج الأحزاب.
لكنه يكشف نتيجة واضحة على مستوى العرض الانتخابي: المنافسة على مجلس النواب في 2026 تظل حزبية بصورة شبه كاملة.
وهنا يتحول الرقم الصغير إلى سؤال أكبر من أصحابه الخمسة: ما المساحة الفعلية التي يتركها النظام الانتخابي للترشح خارج التنظيمات السياسية، وما الذي يجعل الأحزاب القناة شبه الحصرية للوصول إلى المنافسة التشريعية؟
الترشيحات تقول من دخل السباق.. لا من سيفوز به
تكشف قراءة معطيات وزارة الداخلية أن خريطة الترشيحات أكثر تعقيدا من ترتيب الأحزاب بحسب عدد اللوائح. فهي تجمع في مستوى التغطية الكاملة بين حزبين من الأغلبية وحزبين من المعارضة، وتضع الحزب الذي قاد الحكومة خارج هذه المجموعة بفارق دائرة جهوية واحدة، وتظهر عودة العدالة والتنمية إلى تغطية جميع الدوائر بعد خسارته الانتخابية الكبيرة في 2021، كما تكشف أن الانتشار المحلي والجهوي لا يسيران دائما بالمستوى نفسه.
لكن كل هذه المؤشرات تقيس القدرة على الوصول إلى خط البداية، لا القدرة على عبور خط النهاية.
ففي 2021، كانت الصناديق هي التي أعادت ترتيب الأحزاب وقادت التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال إلى تشكيل الأغلبية الحكومية، ونقلت العدالة والتنمية إلى المعارضة. وبعد خمس سنوات، تقول خريطة الترشيحات إن مواقع الحكومة والمعارضة لم تمنع أحزابا مختلفة من الوصول إلى مستويات متقاربة من الانتشار التنظيمي.
أما السؤال الذي لا يستطيع بلاغ الترشيحات الإجابة عنه، فسيبقى معلقا إلى يوم 23 شتنبر: هل تتحول خريطة الانتشار إلى خريطة أصوات، أم تعيد صناديق الاقتراع ترتيب الأحزاب مرة أخرى؟



