قال الدكتور حميد النهري، أستاذ التعليم العالي بجامعة عبد المالك السعدي بطنجة، إن الجدل الذي رافق قانون تنظيم مهنة المحاماة لم يعد يهم المهنة وحدها، بل كشف، بحسب قراءته، مجموعة من الإشكالات المرتبطة بطريقة اشتغال المؤسسات وعلاقتها ببعضها البعض.
وأوضح النهري، في مقال تحليلي بعنوان «قانون المحاماة مرآةً: حين تبقى المؤسسات قائمة وتُفرَّغ من وظيفتها»، أنه تابع ملف القانون منذ بدايته، مروراً بالخلاف حول منهجية الإعداد وأزمة الثقة والمواجهة داخل البرلمان، وصولاً إلى الإحالة على المحكمة الدستورية ثم نشر القانون ودخوله حيز التنفيذ.
وأكد الأستاذ الجامعي أن أهمية مهنة المحاماة تتجاوز البعد المهني، باعتبارها، وفق تعبيره، مؤسسة تقف إلى جانب الفرد عندما يواجه طرفاً أقوى منه، مشدداً على أن استقلال المحامي يشكل ضمانة للمتقاضي وشرطاً من شروط المحاكمة العادلة.
واعتبر النهري أن «المحاماة القوية ليست خصماً من قوة الدولة، وإنما أحد أعمدة دولة الحق والقانون»، مشيراً إلى أن ضعفها لا ينعكس على المحامين وحدهم، بل يمس المواطن والمتقاضي بشكل مباشر.
قانون المحاماة «مرآة» لأعطاب أوسع
ويرى النهري أن قانون المحاماة تحول، دون أن يقصد أحد ذلك، إلى «مرآة» عكست ما وصفه بأعطاب في صناعة القانون، من بينها ضعف التشاركية، وحسم بعض القضايا بالتصويت، وتعثر الإحالة على القضاء الدستوري، إلى جانب تأخر تفعيل آلية الدفع بعدم دستورية القوانين.
وقال إن السؤال الذي ينبغي طرحه، في ضوء هذه التطورات، لا يتعلق فقط بكيفية إصلاح قانون المحاماة، وإنما بـ**«كيفية إصلاح الطريقة التي نصنع بها القوانين»**.
وانتقد النهري، في هذا السياق، ما اعتبره تغليباً لمنطق العدد على التوافق في التعامل مع النصوص ذات الطبيعة البنيوية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمؤسسات العدالة والحقوق والحريات.
كما ربط الأستاذ الجامعي بين هذا النقاش وبين ما وصفه بـ«منطق الشخصنة»، معتبراً أن إسناد الإنجازات إلى الأشخاص بدل المؤسسات يمكن أن يؤدي إلى إضعاف الاستقلال الرمزي للمؤسسات، وتحويل النقد الموجه إليها إلى مواجهة شخصية بدل أن يكون نقاشاً مؤسساتياً.
الرقابة الدستورية.. سؤال لم يُحسم
وتوقف النهري عند مسار الإحالة على المحكمة الدستورية، معتبراً أن تعذر البت في الإحالة لم يحسم مسألة دستورية القانون، وإنما أبقى السؤال قائماً.
وأشار إلى أن القانون التنظيمي رقم 35.24 المتعلق بتحديد شروط وإجراءات الدفع بعدم دستورية قانون أصبح إطاراً قانونياً قائماً، غير أن دخوله حيز التنفيذ مرتبط بأجل أربعة وعشرين شهراً، وهو ما يعني، وفق المعطيات التي أوردها، أن آلية الدفع بعدم الدستورية لن تصبح متاحة عملياً قبل صيف 2028.
وفي الجزء الثاني من مقاله، انتقل النهري إلى سؤال «ما العمل؟»، معتبراً أن طبيعة المعركة تغيرت بعد نشر القانون ودخوله حيز التنفيذ.
وقال إن المرحلة الجديدة تقتضي الانتقال من الاحتجاج على مشروع القانون إلى تتبع كيفية تطبيق القانون النافذ، معتبراً أن المحامين يوجدون في موقع يسمح لهم برصد الإشكالات العملية التي قد يفرزها التطبيق اليومي لمقتضياته.
الدعوة إلى إحداث مرصد لتتبع قانون المحاماة
واقترح الأستاذ الجامعي إحداث مرصد دائم لتتبع تطبيق قانون المحاماة، بشراكة بين المؤسسات المهنية وبعض المختصين في القانون، تكون مهمته توثيق الإشكالات العملية والقانونية التي قد تظهر أثناء تطبيق النص.
وأوضح أن مثل هذا المرصد يمكن أن يحول النقاش من مستوى المواقف العامة إلى مستوى «الوقائع والملفات والاجتهادات والآثار الملموسة لتطبيق القانون»، فضلاً عن إعداد تقارير ودراسات يمكن الاستناد إليها مستقبلاً للمطالبة بتعديل القانون.
كما دعا إلى الاستعداد منذ الآن لتفعيل آلية الدفع بعدم الدستورية عندما تدخل حيز التنفيذ، من خلال تكوين المحامين وتوثيق المقتضيات التي قد تثير إشكالات دستورية وبناء الحجج القانونية اللازمة.
ثلاثة مسارات للمواجهة القانونية
واقترح النهري، إلى جانب العمل المؤسساتي والمهني، ثلاثة مسارات موازية، أولها الاستحقاقات التشريعية المقبلة، من خلال مطالبة الأحزاب بتقديم التزامات واضحة بشأن مراجعة القانون.
أما المسار الثاني، فيرتبط بالنصوص التنظيمية التي ستصدر لتطبيق القانون، والتي اعتبرها مجالاً قانونياً مفتوحاً للنقاش والطعن أمام القضاء الإداري وفق الشروط القانونية.
في حين يتمثل المسار الثالث، بحسبه، في المطالبة بتقليص مدة الأربعة والعشرين شهراً المنصوص عليها في القانون التنظيمي رقم 35.24، بما يسمح بتفعيل آلية الدفع بعدم دستورية القوانين في وقت أقرب.
«المعركة لم تكن ضد الدولة»
وشدد النهري على أن المعركة التي خاضتها الهيئات المهنية للمحامين لم تكن، في نظره، مواجهة مع الدولة أو المؤسسات، مؤكداً أن المحامين «داخل الدولة لا خارجها»، وأن الدفاع عن مواقفهم تم، بحسبه، في إطار المرجعية الدستورية والقانونية.
كما اعتبر أن احترام القانون بعد دخوله حيز التنفيذ لا يعني التخلي عن المطالبة بتعديله، قائلاً إن دولة القانون تتيح الجمع بين احترام النص النافذ والسعي إلى تغييره بالوسائل القانونية والمؤسساتية.
وخلص الأستاذ الجامعي إلى أن التجربة كشفت، في تقديره، قوة المؤسسات المهنية للمحامين وقدرتها على التعبئة والحفاظ على وحدة الموقف، لكنه شدد في المقابل على أهمية النقد الذاتي وتقييم الأدوات والنتائج.
وختم النهري بأن «أخطر ما في هذا الملف ليس القانون»، وإنما احتمال تحول ما وصفه بـ«التبخيس» إلى أسلوب في الحكامة، بحيث تبقى المؤسسات قائمة في النصوص، بينما تُفرغ من وظائفها في الممارسة.
وأكد أن الخلاصة التي ينبغي استخلاصها من هذا الملف، وفق رؤيته، ليست فقط البحث عن كيفية إصلاح قانون المحاماة، بل إعادة التفكير في «الطريقة التي نصنع بها القوانين».



