من أجل الفهم (الحلقة 4)
تكاثرت الأقوال وتناسلت حول الهروب الجماعي لآلاف المغاربة نحو مدينة سبتة المحتلة، فمن قائل إن شياطين الإنس توسلوا بطلاسيم الفضاء الرقمي، فسحروا عقول الناس وقادوهم كما يقاد القطيع، ومنهم من يرى أن القراءة الخاطئة والتأويل المغرض لقرارات إدارية إسبانية أوهمت الهائمين على وجوههم أن الشمس تشرق من الغرب، وآخرون برروا هذا العبث بالزيادة في ثمن المحروقات ،كمن زار الطبيب يشتكي من الإسهال ف (عْملو الدوَا حْمار في صَبْعُو).
بغض النظر عن كل هذه التبريرات التي قد تجلي ما هو جلي أصلا وموثق بالصوت والصورة وكأنه يوم الحشر والناس قد بعثوا من القبور، لكن إبصار ما وراء هذه المشاهد السريالية التي اختلط فيها ومن خلالها الواقع باللامعقول والحقيقة بالخيال، يستوجب قدرا من التأني، وكثيرا من التأمل، وجرعة معتبرة من الموضوعية.
الأمر ليس عابرا ولا فجائيا بل هو وغيره من الأعراض يؤشر على الكثير من الخِلال (جمع خَلَلٍ) في المنظومة المجتمعية بكاملها، ولا شك أن قسطا كبيرا من هذه الخلال إن لم يكن النصيب الأكبر تتحمل مسؤوليته الدولة، فما الذي نعنيه بالدولة؟ أهو المعنى المختزل في الإدارة المحتكة بالمواطن، أم هي سلطة متحكمة غير قابلة للتحديد، أم هي الحكومة (المنتخبة ) وبالتَّبع الأحزاب المشكلة لها ، والأحزاب المعارضة ؟ أم هي النقابات الموالية والمعارضة؟ أم المنظمات الحقوقية والمدنية ؟؟ أم ؟؟ أم ؟؟
ليس المجال مجال التعريفات الأكاديمية لكل مصطلح ذكر أعلاه وإنما الغاية التنبيه على اللبس الحاصل لدى العديد من الناس باختزال مفهوم الدولة في معنى من المعاني السابقة، والتأكيد على أن استعمال لفظ الدولة هاهنا يطال كل تلك الأطراف، وأخرى معها منع الإطناب من ذكرها.
فالارتباك الحاصل على مستوى النموذج المنشود للمواطن المغربي هو نتيجة حتمية لغياب الحد الأدنى من التوافق بين الأطراف المشكلة للدولة، وهذا الارتباك ينعكس ضياعا وحيرة على المستهدف بالرسائل التربوية والتأطيرية الصادرة عن كل طرف، مواد الدستور تُمطَّط وتُلْوى أعناقها انتصارا لهذا الطرح أو ذاك، والثوابت عينُها كل يقرأها بخلفياته ورؤاه، وكما قيل ( تْلَقَاو الثيران وسخط الله على البرواك) والبرواك نبات شديد الخضرة يزدهر في فصل الربيع، فإذا تناطحت الثيران (جمع ثور) فوقه، هشمته وجعلته حطاما، وها قد أضحى الشعب (برواكا ) تتناطح على أشلائه المصالح الشخصية الضيقة، وتتباهي باحتقاره النرجسيات المتعالية المقيتة .
تضخمت ثقافة الحقوق على حساب الواجبات نتيجة الصراع الدائر بين أطراف الدولة، فمن يرى أن المواطنة حقوق على الجميع توفيرها له، دون أن ينبهه أحد إلى تقصيره في واجباته، لأن قوة الفرد هي في التوازن بين المطالبة بالحقوق والقيام بالواجبات وكلما قدم المواطن الثانية على الأولى كان أقوى مع الحرص على عدم التفريط في أي منهما، ومن أوجب واجبات المواطنة المشاركة الإيجابية ونبذ الانتظارية. ومن الناس من يعتبر نفسه أولى بخيرات هذا الوطن، أما غيره إنما وجد لخدمته، لاعتبارات الحسب والنسب أو المال والجاه أو الحظوة و(الشطارة). كل ذلك وغيره أضعف روح المواطنة عند العديد من الناس وقتل بداخلهم فطرة الانتماء، فمن أين لي بحب الوطن وأنا لم أساهم يوما في جلب مصلحة تخدمه وتجعله أفضل لي ولغيري، كما أنني لم أدرأْ عنه في يوم من الأيام مفسدة تهدد كيانه وتغتصب فيه العزة والعدل والكرامة؟ وأي ارتباط بالوطن سيصمد أمام (الحُكرة) والإحساس بالدونية أمام رب العمل ورئيس الوظيفة ورجل السلطة أو مجرد عونها؟
إن هذه الحلقة لا تكفي للحديث عن مسؤوليات الدولة وأطرافها في العار الذي لحق بنا على أبواب سبتة المحتلة فمع حلقة قادمة لمزيد من البوح بما يختلج الصدر عن هموم هذا الوطن.
عبد الخالق الغربي 04 غشت 2026 (يتبع)
من أجل الفهم (الحلقة 5)
من خلال الحلقة الرابعة لهذه السلسلة تبين أن للدولة ثلاثة أركان أساسية، وباقي الأطراف هي فروع لهذه الأركان:
- الشعب: أي الأفراد الذين يحملون جنسية الدولة ويقيمون على أرضها بصفة دائمة، أو الهيئات والمنظمات التي ينتظم بداخلها هؤلاء الأفراد مثل الجمعيات والنقابات والأحزاب وغيرها.
- الإقليم: أي الرقعة الجغرافية المحددة (الأرض، المياه الإقليمية، والطبقة الجوية فوقهما) التي يعيش عليها الشعب وتمارس الدولة سيادتها عليها.
- السلطة السياسية (الحكومة): أي الهيئة الحاكمة التي تدير شؤون المجتمع وتفرض النظام والقانون وتسهر على سلامة المواطنين وأمنهم المادي والروحي.
بالرجوع إلى أزمة الهروب الجماعي إلى سبتة المحتلة يظهر جليا أن تفكير الشعب وسلوكيات الأفراد تنذر بشر مستطير استشرى ويستشري.
وقد أُفْرِدَتْ للشعب فقرات من الحلقات السابقة حيث أُلْقِيَ ببعض اللوم على الأسرة وبقسط آخر على المثقفين والفنانين والمربين والمؤثرين ، لكن ذلك مُجْتَمِعاً لا يفسر هذه الحالة من الهوس بأروبا وهذه الرغبة الجامحة في الهجرة. للإنصاف والموضوعية ليس المغرب بهذه الدرجة من السوء فيرغبَ الجميع في التخلص من جحيمه، فالبلاد لا تجتاحها مجاعة تحصد الأرواح وإن كان الغلاء قد أرهق الميزانيات وأربك الحسابات وأتى على المدخرات، والمغرب لا يعرف حربا لا خارجية ولا أهلية ــ لا قدر الله ــ فيفرَّ الناس بأرواحهم، وإن كانت الفتنة أشد من القتل والمواطن لا يشعر لا بالأمن ولا بالأمان، وبلادنا لا يقودها نظام دكتاتوري بالمعنى المتعارف عليه من القمع والاختطاف والتنكيل وإن كان العديد من الأفواه المنتقدة للوضع قد كُمِّمَ، وزمرة من الأقلام المأجورة قد حُدِّدَ لها لون المداد وعدد السطور وعلامات الترقيم .
إن أحداث سبتة تؤكد مقولة (المغرب متميز في كل شيء) فلا الظروف ولا السياقات تفسران هذا الهذيان قياسا بالجوار بل بكل نقاط التماس بين الدول، ولا الشعارات البراقة ولا الإنجازات الخادعة أثنت الناس عن ارتكاب هذا المنكر في حق الوطن وسمعته.
إنه ناقوس الخطر ينذر الدولة بكل أركانها ويلزمها بإعادة النظر في اختياراتها وسياساتها، فالتجهيز والبناء والتشييد من شأنه أن يستهوي الناس لحين، لكنه لا يغرس في العقول والنفوس روح الانتماء ولا قيم التضحية ولا معاني التعايش والترابط والتواد، كما لا يجعلها قويمة الفكرة، ولا سديدة الرأي. سيما وأن ما يحتفى به كإنجازات اقتصر على بعض المدن الكبرى بينما ظلت معظم جهات ومناطق المغرب غارقة في العزلة تعاني نقصا حادا على مستوى التعليم والتطبيب والخدمات. والإنجازات الرياضية مهما نفخ فيها، تظل كفقاعات الصابون التي يلهو بها الأطفال، سرعان ما تنطفئ وتصير عدما، فالملاعب والألقاب والكؤوس الرياضية لا تسمن ولا تغني من جوع، بل إن لها جوانب وآثار سلبية مقابل ما يمكن اعتباره إيجابيا، فعدد الذين يحققون إنجازات رياضية تضمن لهم العيش الكريم محدود جدا، بالمقارنة بأعداد الممارسين الذين تتبخر أحلامهم يوم يكتشفون أن الصيف قد حل وأنهم ضيعوا اللبن. والمهرجانات الصاخبة لا تعدو أن تكون مخدرا مفعوله وتأثيره لا محالة مُنْتَهيان والوعي حتما سيعود، يوم يعلم الذين بذروا أموال الأمة في التفاهة أي منقلب سينقلبون وما جحافل الهروب الجماعي إلى سبتة سوى مخرجات حتمية لمدخلات تافهة غير مسؤولة ولا هادفة.
إن كل أمة لا تستثمر في الإنسان مآلها الخراب وإن شيدت وبنت، والاستثمار في الإنسان حقا وصدقا، يقتضي توجيه أثمن ثروات البلاد وأصدق جهود العباد نحو بناء الإنسان قبل بناء الحجر، نحو صون كرامة الإنسان وتنشئته على قيم المواطنة وما تقتضيه من توازن بين الحقوق والواجبات.
بغض النظر عن الفساد الذي ينخر مفاصل الدولة ويحبط كل محاولة للإصلاح أو الإقلاع فإن تسيير الدولة بعقلية المقاولة نفسَه، منهجية محكوم عليها بالفشل والنكوص ومقولة التنمية قبل الديموقراطية وهم، لا مواطن أبقى ولا تنمية حقق. تسيير شؤون الدولة يقتضي استحضار البعد الإنساني في كل مشروع يروم النماء والرخاء، لأن التسيير عينه يحتاج إلى ضمائر وازعة وقوانين رادعة، كل تجمع بشري لا بد له من عقد اجتماعي يضبط سلوك أفراده، لا يميز بين الحاكم والمحكوم إلا بما يقتضيه التوقير والاحترام، ولا يحابي غنيا ولا فقيرا إلا بقدر ما يمليه التوزيع العادل للثروات ، الإنسان ليس ثروة مادية تروج حسب قانون العرض والطلب ، الإنسان مشاعر يجب أن تلبى ، الإنسان قيم يجب أن تغرس وترعى ، الإنسان هلوع يحتاج إلى طمأنة وأمان الإنسان منوع تعتريه نزعات الاستفراد بالأشياء والاستغلال للأجواء لذا وجب لجم تغوله وتهذيب تهوره، وكل هذا وذاك مسؤولية الدولة التي تستفرد بالسلطة دون غيرها وإلا ساد قانون الغاب.
إلى حين نشر الحلقة السادسة والأخيرة تكون خاتمة لهذه السلسلة دمتم متمتعين بمواطنة حقيقية سالمين من شعارات العام زين.
عبد الخالق الغربي 13غشت 2026



