د. حميد النهري- أستاذ جامعي ورئيس الجمعية المغربية لأساتذة المالية العمومية
أثار الدكتور حميد النهري، الأستاذ الجامعي، جملة من الأسئلة المؤسساتية والاقتصادية والمالية بشأن مسطرة إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027، معتبراً أن خصوصية السنة الانتخابية تضع الميزانية المقبلة أمام إشكالية تتجاوز الأرقام إلى حدود التفويض السياسي للحكومة الحالية، ومدى قدرتها على رسم التزامات تمتد إلى ولايات حكومية وتشريعية لاحقة.
وفي قراءة تحليلية موزعة على ثلاث حلقات تحت عنوان «ميزانية 2027 بين استمرارية الدولة وحدود التفويض»، توقف النهري عند منشور رئيس الحكومة رقم 12/2026، الصادر بتاريخ 5 غشت 2026 والمتعلق بإعداد مشروع قانون المالية للسنة المالية 2027، رابطاً بين توقيت صدوره والانتخابات التشريعية المرتقبة في 23 شتنبر 2026.
ويرى الأستاذ الجامعي أن السؤال المركزي الذي تطرحه هذه الوضعية يتمثل في تحديد الجهة التي تعد مشروع القانون فعلياً، والجهة التي ستودعه، ثم الحكومة التي ستتحمل مسؤوليته السياسية أمام البرلمان، خصوصاً إذا أسفرت الانتخابات عن أغلبية وحكومة جديدتين قبل إيداع المشروع أو مباشرة بعده.
منشور إداري في قلب مسطرة دستورية ومالية معقدة
وأوضح النهري أن الوثيقة المتداولة أحياناً باسم «الرسالة التوجيهية» تحمل قانونياً وصف «منشور»، وهو بحسب قراءته عمل إداري داخلي يصدره رئيس الحكومة ويوجه أساساً إلى الآمرين بالصرف لإعداد مقترحاتهم المتعلقة بالمداخيل والنفقات للسنة الموالية.
وأشار إلى أن مسطرة إعداد قانون المالية تمر قبل ذلك عبر مجموعة من المحطات، بدءاً من التداول في التوجهات العامة لمشروع قانون المالية بمجلس الوزراء، مروراً بتحضير المشروع من طرف وزارة الاقتصاد والمالية تحت سلطة رئيس الحكومة، ثم عرضه على مجلس الحكومة ولجنتي المالية بالبرلمان.
وذكر أن اللجنتين المكلفتين بالمالية في مجلسي البرلمان عقدتا بالفعل اجتماعاً مشتركاً يوم 23 يوليوز 2026 للاستماع إلى عرض وزيرة الاقتصاد والمالية حول الإطار العام لإعداد مشروع قانون المالية 2027 والبرمجة الميزانياتية لثلاث سنوات 2027-2029، غير أن هذا العرض، بحسب مقتضيات القانون التنظيمي للمالية التي استند إليها، يكون موضوع مناقشة دون تصويت.
ومن هنا، يعتبر النهري أن التدخل البرلماني الملزم لا يظهر إلا في المرحلة النهائية، عند إيداع المشروع والتصويت عليه، وهو ما يخلق مفارقة في السنة الانتخابية، إذ إن البرلمان الذي ناقش الإطار العام قبل الانتخابات قد لا يكون هو نفسه البرلمان الذي سيصوت على النص النهائي.
وثيقة ميزانياتية أم عرض لحصيلة حكومية؟
وتوقف التحليل كذلك عند مضمون المنشور، مشيراً إلى أن الجزء الأكبر منه خصص لعرض الحصيلة والإنجازات الاقتصادية والاجتماعية، مقابل مساحة محدودة للتوجيهات العملية المباشرة الموجهة إلى القطاعات الحكومية.
ويرى النهري أن هذه البنية تمنح الوثيقة وظيفة سياسية إلى جانب وظيفتها الإجرائية، خصوصاً مع تكرار مجموعة من التوجيهات المتعلقة بتقليص نفقات اقتناء السيارات وبناء وتهيئة المقرات الإدارية والسفر والاستقبال والفندقة وتنظيم المؤتمرات والندوات.
ولفت إلى أن تكرار التوجيهات نفسها خلال سنوات متتالية، من دون نشر سقوف كمية واضحة أو مؤشرات مفصلة لقياس تنفيذها، يجعل تقييم أثرها الفعلي أمراً صعباً.
27 يوماً فقط بين الانتخابات وأجل إيداع مشروع المالية
وتكتسب الإشكالية، وفق الأستاذ الجامعي، بعداً أكبر بالنظر إلى التقارب الشديد بين موعد الانتخابات التشريعية وأجل إيداع مشروع قانون المالية.
فحسب القراءة التي قدمها، يفصل 27 يوماً فقط بين الانتخابات المقررة في 23 شتنبر وأقصى أجل قانوني لإيداع مشروع قانون المالية في 20 أكتوبر.
وهي فترة يفترض أن تشمل إعلان النتائج، وتعيين رئيس الحكومة، وإجراء مفاوضات تشكيل الأغلبية، وتعيين أعضاء الحكومة، ثم مراجعة مشروع مالية أعدت أسسه خلال الولاية السابقة قبل إيداعه أمام مجلس النواب.
واستحضر النهري تجربة سنة 2021، عندما جرت الانتخابات في 8 شتنبر وعينت الحكومة في 7 أكتوبر، لتجد نفسها أمام مشروع قانون مالية سبق أن قطعت الحكومة السابقة أشواطاً مهمة في إعداده.
كما أشار إلى تجربتي 2011 و2016، حين تأخر صدور قوانين المالية المتعلقة بالسنوات التالية للانتخابات، ما أدى إلى استمرار تدبير النفقات العمومية مؤقتاً وفق الآليات الدستورية المتاحة إلى حين المصادقة على قوانين المالية.
ويرى الباحث أن تكرار هذا الوضع يكشف وجود إشكال مسطري في السنوات الانتخابية، لأن المنظومة القانونية تبني إعداد الميزانية على فرضية استمرارية الحكومة، في الوقت الذي تفرض فيه الانتخابات احتمال تغير الأغلبية والسلطة التنفيذية.
التزامات تتجاوز 2027 إلى غاية 2037
ومن أبرز الملاحظات التي توقف عندها التحليل امتداد بعض الأهداف والالتزامات الواردة في المنشور إلى سنوات بعيدة عن الولاية الحكومية الحالية.
فبحسب القراءة، تتضمن الوثيقة أهدافاً تتعلق بالمديونية إلى نهاية 2029، وبرامج للتنمية الترابية المندمجة تمتد لثماني سنوات، إلى جانب أهداف قطاعية بآفاق 2030 و2035 و2037.
ويقول النهري إن التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد يظل أمراً ضرورياً لاستمرارية الدولة، إلا أن السؤال يتعلق بالوعاء المؤسساتي الذي يتم من خلاله إعلان التزامات تمتد عبر ولايات حكومية وتشريعية لاحقة.
ويعتبر أن الإشكال لا يكمن في التخطيط بعيد المدى في حد ذاته، وإنما في مدى توفر هذه الالتزامات على سند سياسي وبرلماني مباشر، خصوصاً عندما ترد في منشور إداري لا يخضع في حد ذاته للتصويت.
الأرقام تكشف صورة أكثر تعقيداً للنمو
وفي الحلقة الثانية من تحليله، انتقل النهري إلى قراءة المؤشرات الاقتصادية الواردة في المنشور، داعياً إلى عدم التعامل معها بشكل منفصل.
وتوقف عند توقع نمو الاقتصاد بنسبة 5,3 في المائة خلال 2026، في مقابل نمو القيمة المضافة الفلاحية بنسبة 15,1 في المائة، والأنشطة غير الفلاحية بنسبة 4,2 في المائة، بينما حددت فرضية النمو لسنة 2027 في 4,1 في المائة.
واعتبر أن هذه الأرقام تشير إلى استمرار الأداء غير الفلاحي في مستوى قريب من أربعة في المائة، وأن القفزة المسجلة في معدل نمو 2026 ترتبط جزئياً بالأداء الفلاحي القوي.
ومن هذا المنطلق، يرى الأستاذ الجامعي أن الحديث عن تراجع ارتهان الاقتصاد للتقلبات المناخية يحتاج إلى قراءة دقيقة لتركيبة النمو، وليس للاعتماد على المعدل الإجمالي فقط.
ارتفاع قوي للمداخيل يفتح سؤال الضغط الجبائي
كما سلط النهري الضوء على تطور المداخيل العادية، مشيراً إلى انتقالها، بحسب الأرقام التي استند إليها، من 256,2 مليار درهم سنة 2021 إلى 424,2 مليار درهم سنة 2025، أي بزيادة تناهز 168 مليار درهم خلال أربع سنوات.
ويرى أن وتيرة نمو المداخيل التي تفوق وتيرة النمو الاقتصادي تطرح سؤالاً حول مصادر هذه الزيادة، ومدى مساهمة توسيع الوعاء الضريبي وتحسن التحصيل ومراجعة الامتيازات الجبائية فيها.
ويزداد السؤال، وفق التحليل، أهمية مع التزام الحكومة بمواصلة الإصلاح الجبائي من دون رفع الضغط الجبائي، ما يستدعي تقديم تقديرات كمية أكثر تفصيلاً حول الموارد التي يمكن تعبئتها خلال 2027.
هوامش مالية محدودة أمام تزايد الالتزامات
وفي الحلقة الثالثة، ركز النهري على قدرة المالية العمومية على استيعاب الالتزامات الاجتماعية والاستثمارية المعلنة مع الحفاظ على عجز في حدود 3 في المائة ومديونية تناهز 65 في المائة.
وتشير القراءة إلى أن مسار تقليص عجز الميزانية ينتقل من 7,1 في المائة سنة 2020 إلى 3,5 في المائة سنة 2025 ثم 3 في المائة سنة 2026، قبل تثبيته في المستوى نفسه خلال 2027.
وبالتوازي، أحصى النهري مجموعة من الالتزامات التي وصفها بالمتكررة أو متعددة السنوات، من بينها كلفة إجراءات الحوار الاجتماعي في القطاع العام، ودعم بعض المواد الأساسية، والتحويلات لفائدة الجهات، والدعم الاجتماعي المباشر، إلى جانب برامج التنمية الترابية المندمجة.
ويقدر مجموع عدد من هذه الالتزامات، وفق حسابه المبني على الأرقام المذكورة في الوثيقة، بما يفوق 130 مليار درهم سنوياً، مع التأكيد على أن هذا الرقم لا يشمل جميع بنود الإنفاق العمومي، من قبيل كتلة الأجور الأساسية وخدمة الدين والاستثمار العمومي العادي والتزامات أخرى.
الحوار الاجتماعي يخلق التزامات دائمة
وسلط النهري الضوء بشكل خاص على الكلفة المالية لإجراءات الحوار الاجتماعي، معتبراً أنها تكتسب طابعاً طويل الأمد بالنظر إلى ارتباطها بالأجور والضريبة على الدخل وإجراءات يصعب التراجع عنها مستقبلاً.
وأشار إلى أن هذه التدابير ساهمت، وفق المعطيات التي استند إليها، في تحسين متوسط الأجور والحد الأدنى للأجر في القطاع العام، وهو ما يمثل مكسباً اجتماعياً، لكنه في الوقت نفسه يضيف التزامات دائمة إلى قاعدة الإنفاق العمومي.
ويرى أن تقييم هذه السياسات يجب أن يجمع بين أثرها الاجتماعي الإيجابي وكلفتها المتكررة على الميزانيات المقبلة.
التخلي عن «التمويل المبتكر» يزيد ضغط البحث عن الموارد
ومن النقاط التي اعتبرها النهري إيجابية التزام الحكومة بعدم الاعتماد على المداخيل المرتبطة بما يسمى «آليات التمويل المبتكرة»، التي تقوم في بعض الحالات على بيع أصول تملكها الدولة مع إعادة استئجارها.
ويرى الأستاذ الجامعي أن التخلي عن هذه الموارد الاستثنائية يعزز وضوح عرض الوضعية المالية، لكنه في المقابل يفرض إيجاد موارد أكثر استدامة لتمويل الالتزامات نفسها.
وبذلك تصبح معادلة 2027، في نظره، قائمة على تحقيق عدة شروط في وقت واحد: نمو يناهز 4,1 في المائة، واستمرار نمو المداخيل دون رفع الضغط الجبائي، واستيعاب التزامات اجتماعية واستثمارية واسعة، والحفاظ على سقف عجز لا يتجاوز 3 في المائة، مع التخلي عن بعض الموارد الاستثنائية.
دعوة إلى مسطرة خاصة بالسنوات الانتخابية
وخلص الدكتور حميد النهري إلى أن النقاش لا ينبغي أن يقتصر على تحميل الحكومة الحالية مسؤولية هذا الوضع، لأن إعداد مشروع المالية يظل التزاماً قانونياً ولا يمكن تعليق عمل الدولة في انتظار نتائج الانتخابات وتشكيل حكومة جديدة.
غير أنه يرى أن تكرار الإشكال في سنوات 2011 و2016 و2021، ثم ظهوره مجدداً في 2026، يستدعي التفكير في تطوير الإطار القانوني المنظم للمالية العمومية.
واقترح أن يشمل النقاش حول إصلاح القانون التنظيمي لقانون المالية وضع مسطرة خاصة بالسنوات الانتخابية، يمكن أن تتضمن، وفق السيناريوهات التي طرحها، إطاراً مالياً انتقالياً، أو تكييفاً لأجل الإيداع، أو تحديداً أدق لصلاحيات الحكومة المنتهية ولايتها في ما يتعلق بالالتزامات الجديدة متعددة السنوات.
كما دعا إلى التفكير في تعزيز التقييم المستقل للفرضيات الاقتصادية والمالية، مستحضراً نماذج مقارنة في فرنسا وبريطانيا تتولى فيها هيئات مستقلة فحص واقعية بعض فرضيات الميزانية ونشر تقييماتها للرأي العام والمؤسسات.
بين ضرورة الاستمرارية وشرعية القرار المالي
وتنتهي الدراسة إلى أن ميزانية 2027 تضع المالية العمومية المغربية أمام معادلة مزدوجة: ضمان استمرارية الدولة والتزاماتها الاجتماعية والاستثمارية من جهة، واحترام منطق تجديد التفويض السياسي والبرلماني من جهة أخرى.
ويرى النهري أن القضية لا تتعلق فقط بمقدار الموارد أو بحجم العجز والمديونية، وإنما أيضاً بمن يملك سلطة تحديد الأولويات المالية، ومن يتحمل المسؤولية السياسية عنها، وكيف يمكن التوفيق بين التخطيط طويل الأمد وحق الحكومات والبرلمانات الجديدة في تحديد اختياراتها.
ويختصر الأستاذ الجامعي الإشكال في سؤال يعتبره مركزياً مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية: إلى أي حد تبدأ الحكومات المقبلة، أياً كان لونها السياسي، ولايتها بهامش مناورة تكون أجزاء أساسية منه قد تحددت سلفاً؟



