أحمد مغني-مدير المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير بطنجة
يشهد التعليم العالي، على غرار مختلف القطاعات الاستراتيجية، تحولات عميقة فرضتها الثورة الرقمية، وتسارع الابتكار، والتغير المستمر في متطلبات سوق الشغل. وفي ظل هذه التحولات، لم يعد الحصول على شهادة جامعية في بداية المسار المهني كافيًا لضمان استدامة الكفاءة أو الحفاظ على القدرة التنافسية، بل أصبح تحديث المعارف واكتساب مهارات جديدة ضرورة تفرضها طبيعة الاقتصاد المعاصر. ومن هنا برز مفهوم التكوين مدى الحياة باعتباره أحد المرتكزات الأساسية للسياسات الجامعية الحديثة، ورافعة لتنمية رأس المال البشري، وتحسين الإنتاجية، وتعزيز النمو الاقتصادي.
وفي هذا السياق، اعتمد المغرب التكوين مدى الحياة في إطار الزمن الميسّر، بما يتيح للموظفين والأجراء والمهنيين استئناف الدراسة الجامعية أو تطوير مؤهلاتهم العلمية والمهنية، دون الانقطاع عن ممارسة أنشطتهم. ويعكس هذا التوجه تطورًا في وظيفة الجامعة، التي لم تعد فضاءً للتكوين الأساسي فقط، بل أصبحت شريكًا دائمًا في مواكبة الكفاءات الوطنية طوال حياتها المهنية.
غير أن نجاح هذا الورش لا يرتبط فقط بجودة البرامج أو بمرونة تنظيم الدراسة، بل يقتضي أيضًا اعتماد نموذج تمويل يضمن استدامته، ويحافظ، في الوقت نفسه، على الدور الاجتماعي للجامعة العمومية.
الاستثمار في رأس المال البشري أساس التمويل المتوازن
تؤكد الأدبيات الاقتصادية، منذ أعمال الاقتصادي غاري بيكر، أن التعليم والتكوين يمثلان استثمارًا في رأس المال البشري، وليس مجرد خدمة استهلاكية. فالاستثمار في المعرفة والمهارة يرفع إنتاجية الفرد، ويزيد من قدرته على الابتكار، ويحسن فرصه في الترقي المهني، ويرفع مستوى دخله، كما ينعكس إيجابًا على المؤسسة التي يعمل بها وعلى الاقتصاد الوطني ككل.
ومن هذا المنطلق، تميز السياسات التعليمية الحديثة بين التكوين الأساسي، الذي يندرج ضمن مسؤولية الدولة في ضمان الحق في التعليم، وبين التكوين مدى الحياة، الذي يستهدف أشخاصًا يمارسون نشاطًا مهنيًا ويلتحقون بالجامعة بمبادرة منهم من أجل تطوير كفاءاتهم أو استكمال مسارهم العلمي. وفي هذه الحالة، تتحقق للمستفيد منفعة مباشرة تتمثل في تحسين مؤهلاته وفرصه المهنية، وهو ما يجعل مساهمته في التمويل منسجمة مع المبادئ الاقتصادية التي تقوم على تقاسم التكلفة بين مختلف المستفيدين من عوائد الاستثمار.
وقد بينت تقارير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية والبنك الدولي أن أكثر النماذج استدامة هي تلك التي تعتمد تمويلًا مشتركًا، تتحمل فيه الدولة النصيب الأكبر باعتبارها مستفيدة من الآثار الاقتصادية والاجتماعية للتكوين، مع مساهمة المستفيد عندما يحقق عائدًا مهنيًا مباشرًا من هذا الاستثمار. ويكتسي هذا التوجه أهمية خاصة في الدول النامية، حيث تظل الموارد العمومية مطالبة بالاستجابة لاحتياجات متزايدة في مجالات التعليم والصحة والحماية الاجتماعية والبنيات التحتية، مما يفرض حسن ترتيب الأولويات وترشيد استخدام الموارد.
النموذج المغربي… استدامة التمويل مع الحفاظ على الدور الاجتماعي للدولة
ينسجم النموذج المغربي مع هذه المبادئ، إذ يقوم على التمييز بين التكوين الأساسي، الذي يظل مجانيًا باعتباره حقًا دستوريًا وخدمة عمومية، وبين التكوين مدى الحياة في إطار الزمن الميسّر، الموجه إلى الأشخاص النشيطين الراغبين في تطوير مؤهلاتهم العلمية والمهنية. وفي هذا الإطار، تم اعتماد أداء رسوم التسجيل، مع استمرار الدولة في تحمل الجزء الأكبر من التكلفة الفعلية للتكوين.
فالكلفة الحقيقية لهذا النوع من التكوين لا تقتصر على القاعات الدراسية أو ساعات التدريس، بل تشمل البنيات التحتية، والتجهيزات، والمختبرات، والمنصات الرقمية، وأجور الأساتذة والأطر الإدارية والتقنية، والخدمات الجامعية، وتكاليف التسيير، والدعم البيداغوجي، والبحث العلمي. ولذلك، فإن رسوم التسجيل لا تمثل ثمنًا للتكوين، ولا تعكس كلفته الحقيقية، وإنما تشكل مساهمة محدودة في تمويل منظومة تظل الدولة المستثمر الرئيسي فيها.
وتزداد هذه المقاربة اتزانًا بالنظر إلى كونها لم تغفل البعد الاجتماعي، حيث تم إقرار إعفاء الموظفين والأجراء الذين لا يتجاوز دخلهم الشهري الحد الأدنى للأجور من أداء رسوم التسجيل، بما يضمن عدم تحول الوضعية الاقتصادية إلى عائق أمام الاستفادة من التكوين مدى الحياة. كما تم الحفاظ على مجانية التكوين بالتوقيت العادي، بما يكرس مبدأ تكافؤ الفرص ويؤكد استمرار الدولة في تحمل مسؤوليتها تجاه التعليم العمومي.
وتعكس هذه الاختيارات فهمًا متقدمًا للعلاقة بين الاستثمار العمومي والمسؤولية الفردية. فالدولة تواصل تحمل الجزء الأكبر من التكلفة باعتبار التكوين استثمارًا استراتيجيًا في رأس المال البشري، بينما يساهم المستفيد مساهمة محدودة بالنظر إلى ما يجنيه من منفعة مباشرة تتمثل في تطوير كفاءاته وتحسين مساره المهني. وبذلك، لا يشكل أداء رسوم التسجيل نقلًا لعبء التمويل إلى الأفراد، بل تجسيدًا لمبدأ تقاسم المسؤولية الذي أصبح يشكل أحد المرتكزات الأساسية لسياسات تمويل التكوين مدى الحياة في مختلف التجارب الدولية.
إن اعتماد التكوين مدى الحياة في إطار الزمن الميسّر لا يمثل مجرد إضافة إلى صيغ التكوين الجامعي، بل يعكس رؤية جديدة تجعل الجامعة شريكًا دائمًا في التنمية الاقتصادية والاجتماعية. كما أن النموذج المغربي في تمويل هذا الورش يقدم مثالًا على إمكانية التوفيق بين استدامة الموارد والإنصاف الاجتماعي والحفاظ على الدور المركزي للدولة في تمويل التعليم العمومي.
ومن هذا المنظور، فإن الاستثمار في رأس المال البشري يظل مسؤولية مشتركة تتقاسمها الدولة والمستفيد، كلٌّ في حدود ما يجنيه من منافع، بما يضمن استمرارية هذا الورش الوطني وتعزيز مساهمته في بناء اقتصاد المعرفة وخدمة التنمية الشاملة.



