أثار إعلان المندوبية السامية للتخطيط عن تراجع معدل البطالة في المغرب إلى 9.5 في المائة خلال الفصل الثاني من سنة 2026، بعدما كان في حدود 13 في المائة أواخر سنة 2025، نقاشاً واسعاً حول أسباب هذا الانخفاض، وما إذا كان يعكس تحسناً فعلياً في سوق الشغل أم نتيجة لتغيير منهجية الاحتساب.
ففي غضون خمسة عشر يومًا فقط، انتقلت النسبة من 13 في المائة إلى 9.5 في المائة، في مفارقة تثير الكثير من علامات الاستفهام، خاصة إذا ما قورنت بالتحذيرات التي سبق أن عبر عنها والي بنك المغرب، عبد اللطيف الجواهري، بشأن أوضاع سوق الشغل. وإذا استمر الأمر بهذا المنطق، فقد نستيقظ غدًا على نسبة بطالة لا تتجاوز 4 في المائة، وربما نسمع من يصف الاقتصاد المغربي بأنه يضاهي اقتصادات ألمانيا والولايات المتحدة. حينها لن يُطلب من المواطنين معالجة الواقع، بل معالجة أبصارهم حتى يروا ما تقوله الأرقام الرسمية. لقد اعتاد المغاربة السخرية من أساليب الدعاية في بعض الأنظمة، لكن المؤسف أن نصبح نحن بدورنا مادة للسخرية. حفظ الله المغرب.
ويأتي هذا الجدل في سياق انتقال رئاسة المندوبية السامية للتخطيط من أحمد الحليمي إلى شكيب بنموسى، حيث اعتمدت المؤسسة، خلال سنة 2026، منهجية جديدة لقياس البطالة تقوم على ما يسمى بـ”البطالة بالمفهوم الضيق”، انسجاماً مع المعايير الدولية الحديثة لمنظمة العمل الدولية.
وبموجب هذه المنهجية، لم يعد يُحتسب ضمن العاطلين عن العمل الأشخاص الذين لا يبحثون فعلياً عن شغل، أو الذين يبحثون عن عمل لكنهم غير مستعدين للالتحاق به في الوقت الحالي، وهو ما انعكس على معدل البطالة المعلن.
ويؤكد منتقدو هذا التغيير أن المقارنة المباشرة بين نسبة البطالة المسجلة خلال فترة أحمد الحليمي وتلك المعلنة في عهد شكيب بنموسى قد تكون مضللة، لأن الأرقام لم تعد تُحتسب وفق المنهجية نفسها، وهو ما يجعل الانخفاض المسجل لا يعني بالضرورة خلق عدد كبير من مناصب الشغل في ظرف زمني وجيز.
وفي المقابل، تؤكد المندوبية السامية للتخطيط أن اعتماد المفهوم الجديد يهدف إلى مواءمة الإحصاءات الوطنية مع المعايير الدولية، مع الإشارة إلى وجود “قطيعة مفاهيمية” مع السلسلة الإحصائية السابقة، بما يعني أن المقارنة المباشرة بين المؤشرات القديمة والجديدة تتطلب أخذ هذا التغيير المنهجي بعين الاعتبار.
ويرى متابعون أن النقاش الدائر اليوم لا يتعلق بالأرقام وحدها، بل يمتد إلى مسألة الثقة في المؤشرات الاقتصادية، إذ إن تغيير منهجية القياس يستوجب شرحاً وافياً للرأي العام، حتى يتم التمييز بين التحسن الناتج عن تطور حقيقي في سوق الشغل، وذلك الناتج عن تعديل أسلوب الاحتساب الإحصائي.



