(طنجة) – في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة في حوض البحر الأبيض المتوسط، عاد النقاش حول مستقبل مدينتي سبتة ومليلية والجزر الجعفرية ليطفو على السطح، مستمداً زخمه من التطورات الأخيرة في ملف جبل طارق وأزمة الهجرة المتجددة. فالأحداث التي شهدتها المعابر الحدودية مؤخراً، والتوافقات الأوروبية البريطانية، فتحت باب التكهنات حول إمكانية استنساخ نماذج جديدة لإدارة هذه التخوم، في وقت يبرز فيه التباين في المشهد السياسي بين الرباط ومدريد.
ميزان القوى: استقرار في الجنوب وضغوط في الشمال
يأتي هذا النقاش في سياق جيوسياسي يتسم بتباين واضح في المواقف. فالمغرب، الذي عزز مكانته كفاعل محوري في المعادلة الأمنية والاقتصادية الإقليمية، يجد نفسه في موقع تفاوضي متقدم. شراكته الاستراتيجية مع الولايات المتحدة وموقعه كحليف رئيسي للاتحاد الأوروبي في قضايا الهجرة ومكافحة الإرهاب، تمنحه أوراقاً دبلوماسية قوية.
في المقابل، يمر المشهد السياسي في إسبانيا بمنعطف دقيق. فحكومة بيدرو سانشيز تواجه تحديات داخلية جمة، بدءاً من الصعوبات في تمرير الميزانية العامة لسنتين متتاليتين، وصولاً إلى الضغوط المرتبطة بقضايا وشبهات سياسية تلاحق بعض مكوناتها. هذا المشهد المفتوح على كل الاحتمالات، يقلص من هامش المناورة لدى مدريد ويجعلها أكثر حاجة للحفاظ على استقرار علاقاتها مع محيطها، لا سيما في ظل الضغوط التي قد يمارسها حلفاؤها في أوروبا أو داخل حلف الناتو لتبني مقاربات أكثر براغماتية.
“نموذج جبل طارق”: هل يصلح للاستنساخ في شمال أفريقيا؟
شكّل الاتفاق بين إسبانيا وبريطانيا بشأن جبل طارق، والذي أرسى قواعد جديدة لتسهيل الحركة وتجاوز العقبات الحدودية الكلاسيكية، مرجعية تحليلية للعديد من المراقبين. هل يمكن تطبيق ترتيبات مشابهة على سبتة ومليلية؟
يرى مراقبون أن إحدى السيناريوهات المحتملة، والتي قد يراهن عليها المغرب في حال نشوب أزمة دبلوماسية قابلة للاحتواء، تتمثل في الدفع نحو مفاوضات تفضي إلى صيغة إدارية جديدة للمدينتين. هذا الطرح يستند إلى واقع أن بعض الأطراف اليسارية في التحالف الحكومي الإسباني قد تكون أكثر انفتاحاً على مناقشة ملفات طالما اعتُبرت من “المحرمات” السياسية، في حين تدفع أحزاب اليمين حول اتخاذ إجراءات مشددة بالنسبة للثغرين المحتلين.
سيناريوهات الوضع المستقبلي: من السيادة إلى الإدارة المرنة
تتعدد السيناريوهات التي قد ترسم مستقبل هذه الأراضي، والتي تتطلب من الحكومتين ابتكار صيغ غير تقليدية:
منطقة تجارة حرة وحكم محلي: تحويل سبتة، التي يبلغ تعداد سكانها حوالي 83 ألف نسمة، إلى منطقة تجارة حرة ذات حكم محلي شبه منفصل. في هذا النموذج، قد يقتصر الحضور الإسباني السيادي على المنافذ البحرية أو الإدارة الجمركية المشتركة، وهو وضع قائم جزئياً من خلال اتفاقيات التعاون الحالية.
- إذا توصل المغرب وإسبانيا مستقبلاً إلى اتفاق مبتكر بشأن سبتة ومليلية يحظى بقبول الطرفين والمجتمع الدولي، فقد يشكل ذلك سابقة دبلوماسية وقانونية يمكن أن تستلهم منها دول أخرى تواجه نزاعات إقليمية مماثلة. فنجاح مثل هذا النموذج قد يدفع أطرافاً متنازعة إلى دراسة آليات مشابهة تراعي خصوصية كل نزاع، بدلاً من الاقتصار على الحلول التقليدية.
ومن بين الملفات التي قد تسترعي الانتباه في هذا السياق قضية جزر فوكلاند، المتنازع عليها بين الأرجنتين والمملكة المتحدة. فرغم اختلاف الظروف التاريخية والقانونية والسياسية بين الحالتين، فإن أي نموذج توافقي ناجح بين المغرب وإسبانيا قد يفتح الباب أمام التفكير في مقاربات جديدة يمكن تكييفها مع نزاعات أخرى، دون أن يعني ذلك إمكانية استنساخها حرفياً أو تطبيقها تلقائياً.
ترتيب الأولويات: حسم ملف الصحراء قبل تحريك ملف الثغور
في وسط هذه القراءات الجيوسياسية، يطرح سؤال جوهري حول توقيت إثارة ملف سبتة ومليلية من جانب الرباط: هل من المصلحة الاستراتيجية للمغرب فتح هذا الملف المعقد في وقت يتجه فيه بخطى ثابتة نحو الحسم النهائي لملف الصحراء المغربية؟
تُجمع أوساط تحليليّة على أن أولوية الدبلوماسية المغربية القصوى حالياً تتركز في تحصين الانتصارات المتتالية التي تحققت في النزاع الإقليمي حول الصحراء، لا سيما بعد الدعم التاريخي والصريح من مدريد لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. فتح جبهة تفاوضية أو افتعال أزمة دبلوماسية مع إسبانيا بشأن الثغور الشمالية في هذا التوقيت بالذات قد يربك هذا الموقف المتقدم لمدريد، ويؤثر على الحشد الدولي المتزايد لصالح مغربية الصحراء. لذلك، يميل النهج المغربي إلى “تأجيل” أو إدارة ملف سبتة ومليلية ببراغماتية وهدوء، مراهناً على بناء الشراكة الاستراتيجية وتثبيت النصر في الأقاليم الجنوبية أولاً، قبل الانتقال إلى تنظيم الوضع القانوني والتجاري للحدود الشمالية.
ثمن التغيير… بين المكاسب السيادية والرهانات الأوروبية
رغم ما تحمله هذه السيناريوهات من جاذبية سياسية، فإنها لا تخلو من تحديات استراتيجية بعيدة المدى. فإعادة صياغة وضع سبتة ومليلية، سواء عبر تقليص الوجود الإسباني أو اعتماد نموذج جديد لتدبير المدينتين، قد تعيد رسم العلاقة البرية بين المغرب والاتحاد الأوروبي.
ويطرح ذلك سؤالاً محورياً: هل سيكون إنهاء التماس البري المباشر مع الاتحاد الأوروبي مكسباً سيادياً خالصاً، أم أنه قد يؤثر مستقبلاً في بعض الخيارات الاستراتيجية للمغرب على الصعيد الأوروبي؟
في المقابل، يرى اتجاه آخر أن أي تسوية تفاوضية قد لا تعني بالضرورة فقدان المغرب لامتيازاته مع الاتحاد الأوروبي، بل قد تمنحه موقعاً تفاوضياً أقوى إذا أفضت إلى إنشاء فضاء اقتصادي وحدودي جديد، أو إلى ترتيبات خاصة تحافظ على انسيابية حركة الأشخاص والبضائع، بما يشبه بعض النماذج المعمول بها في مناطق ذات أوضاع قانونية خاصة.
كما يذهب بعض المحللين إلى أن إنهاء أحد أبرز الملفات التاريخية العالقة بين الرباط ومدريد قد يفتح الباب أمام شراكة مغربية أوروبية أكثر استقراراً ووضوحاً، وربما يمنح المغرب وضعاً متقدماً في علاقته المستقبلية مع الفضاء الأوروبي، سواء في إطار الشراكة المميزة أو من خلال ترتيبات جديدة مع منطقة شنغن، دون أن يعني ذلك بالضرورة الحديث عن عضوية كاملة في الاتحاد الأوروبي.
في النهاية، تبقى جميع هذه السيناريوهات في إطار التحليل والاستشراف السياسي، إذ لا توجد حتى الآن أي مؤشرات رسمية على وجود مفاوضات بين المغرب وإسبانيا بشأن اعتماد نموذج مماثل لما تم الاتفاق عليه في جبل طارق. ويبقى مستقبل سبتة ومليلية رهيناً بإرادة سياسية مشتركة، وبالتحولات الجيوسياسية التي قد تشهدها المنطقة خلال السنوات المقبلة.



