العدالة والتنمية يطالب بلجنة وطنية للتحقيق.. والتقدم والاشتراكية يحمل الحكومة مسؤولية الفشل الاجتماعي.. والحركة الشعبية تدعو إلى مراجعة شاملة للسياسات بعد فاجعة سبتة
اتسعت دائرة التفاعل السياسي مع الأحداث المأساوية التي شهدتها مدينة سبتة المحتلة، عقب موجة الهجرة الجماعية غير المسبوقة التي أقدم عليها عشرات الآلاف من المغاربة، والتي خلفت عشرات الوفيات والمفقودين، حيث سارعت ثلاثة من أبرز أحزاب المعارضة، وهي العدالة والتنمية والتقدم والاشتراكية والحركة الشعبية، إلى إصدار بيانات مطولة تضمنت قراءات متباينة للأسباب والخلفيات، لكنها التقت في التأكيد على خطورة ما جرى وضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة لمعالجة أسبابه وتداعياته.
العدالة والتنمية: لجنة وطنية للتحقيق لكشف الحقيقة وترتيب المسؤوليات
جاء موقف حزب العدالة والتنمية عقب اجتماع استثنائي للأمانة العامة برئاسة الأمين العام عبد الإله ابن كيران، كان مخصصاً في الأصل لمناقشة قضايا انتخابية، قبل أن يتم تحويل جدول أعماله بالكامل لمناقشة أحداث سبتة التي وصفها الحزب بـ”المؤسفة والمؤلمة” و”مشاهد العار” التي عرفتها مدينتا المضيق والفنيدق.
وفي أبرز مخرجات الاجتماع، دعا الحزب إلى إحداث لجنة وطنية للتحقيق بتعليمات ملكية سامية، تتولى إجراء تحقيق وطني مستقل ونزيه وشفاف للكشف عن حقيقة ما جرى، ونشر نتائجه أمام الرأي العام، مع ترتيب المسؤوليات واستخلاص الدروس الكفيلة بمنع تكرار مثل هذه الأحداث.
وأكد الحزب أن التحقيق ينبغي ألا يقتصر على الوقوف عند الوقائع الميدانية، بل يجب أن يمتد إلى تشخيص الاختلالات الديمقراطية والتنموية والاجتماعية التي تدفع آلاف الشباب إلى الهجرة الجماعية والمغامرة بحياتهم.
كما ترحم الحزب على الضحايا، وقدم تعازيه لعائلاتهم، داعياً إلى التعامل مع القضية بعيداً عن “الروايات والتأويلات المتسرعة”، مع التشديد على الوقوف إلى جانب المؤسسة الملكية، والإشادة بأدوارها الدستورية في الحفاظ على استقرار البلاد ووحدتها.
انتقاد شديد لصمت الحكومة والإعلام العمومي
ووجه حزب العدالة والتنمية انتقادات مباشرة للحكومة، معتبراً أن صمتها وعدم تواصلها مع المواطنين خلال الأزمة زاد من حالة الارتباك، كما انتقد تجاهل الإعلام العمومي للأحداث، معتبراً أن المواطنين اضطروا لمتابعة ما يجري داخل بلدهم عبر وسائل إعلام أجنبية.
واعتبر الحزب أن الصور التي رافقت الهجرة الجماعية أضرت بصورة المغرب، وتعكس، رغم المشاريع والمنجزات المسجلة خلال السنوات الأخيرة، وجود اختلالات عميقة على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والتربوية والثقافية والسياسية.
كما حمل الدولة والمجتمع معاً مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع، محذراً من استمرار ما وصفه بإضعاف المؤسسات المنتخبة والفاعل السياسي، ومن تداعيات تراجع الثقة بين المواطن والدولة، داعياً إلى مراجعة شاملة للمسار الديمقراطي والتنموي قبل اتساع دائرة الاحتقان الاجتماعي.
التقدم والاشتراكية: الحكومة مطالبة بالخروج عن صمتها والفشل في التشغيل والتعليم وراء المأساة
أما حزب التقدم والاشتراكية، فقد أكد في بيانه أنه يتابع بقلق بالغ وأسف شديد مشاهد الهجرة الجماعية نحو سبتة ومليلية المحتلتين، معرباً عن تضامنه الكامل مع عائلات الضحايا، ومترحماً على أرواح من فقدوا حياتهم أثناء محاولتهم العبور.
ورغم إقراره بوجود خلفيات معقدة تحيط بالأحداث، شدد الحزب على ضرورة عدم استغلالها سياسياً، معتبراً أن الواقع الاقتصادي والاجتماعي الصعب الذي يعيشه المغرب هو العامل الرئيسي الذي يدفع الشباب إلى البحث عن الكرامة خارج الوطن مهما كانت المخاطر.
وطالب الحزب الحكومة بكسر صمتها، وتقديم معطيات دقيقة للرأي العام حول ملابسات ما جرى، إلى جانب التدخل العاجل لتقديم المساعدات الإنسانية للمغاربة الموجودين داخل سبتة أو في محيطها، مع رفض أي اعتداء على قوات الأمن أو الممتلكات العامة والخاصة.
تحميل الحكومة مسؤولية الإخفاقات الاجتماعية
وربط حزب التقدم والاشتراكية الأحداث بشكل مباشر بما اعتبره فشل السياسات الحكومية في ملفات التشغيل والتعليم ومحاربة الهدر المدرسي، مشيراً إلى تفاقم ظاهرة الشباب خارج التعليم والتكوين والشغل (NEET)، والتي وصفها بأنها واحدة من أخطر القضايا الاجتماعية التي لم تتم معالجتها.
وأكد الحزب أن الأزمة تكشف الحاجة إلى مراجعة عميقة للنموذج الاقتصادي حتى يصبح قادراً على خلق الثروة ومناصب الشغل، وإصلاح النموذج الاجتماعي لتحقيق توزيع عادل للثروات، إلى جانب إعادة الاعتبار للمؤسسات المنتخبة والأحزاب السياسية باعتبارها وسائط للتأطير المجتمعي واستعادة الثقة بين المواطن والدولة.
كما دعا، مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية، إلى القطع مع السياسات التي اعتبر أنها عمقت الفوارق الاجتماعية والمجالية، وعززت نفوذ اللوبيات الاقتصادية على حساب المواطنين.
الحركة الشعبية: ما وقع رسالة إنذار تستوجب مراجعة السياسات العمومية
من جهته، اعتبر حزب الحركة الشعبية أن أحداث سبتة تمثل رسالة إنذار حقيقية تفرض مراجعة شاملة للسياسات العمومية وإطلاق تعاقد مجتمعي جديد يعيد الثقة للمواطن ويجعل كرامته في صلب السياسات العمومية.
وقال الحزب إن موجة النزوح الجماعي ليست حدثاً معزولاً، وإنما نتيجة تراكمات اقتصادية واجتماعية استمرت خلال السنوات الأخيرة، أبرزها ارتفاع البطالة، وتراجع القدرة الشرائية، واتساع الفوارق الاجتماعية والمجالية، وتعثر ورش التشغيل، وضعف أثر برامج الحماية الاجتماعية.
وحمل الحزب الحكومة المسؤولية السياسية عن تفاقم هذه المؤشرات، معتبراً أن استمرار البطالة وارتفاع الأسعار، واتساع الاحتكار والريع، وضعف نجاعة الإنفاق العمومي، كلها عوامل عمقت شعور فئات واسعة، خاصة الشباب، بالإقصاء وفقدان الأمل.
دعوة إلى إصلاحات مؤسساتية وإشادة بالأجهزة الأمنية
ودعا الحزب إلى وقفة وطنية مسؤولة لتشخيص مكامن الخلل، وإصلاح منظومة التربية والتكوين، وتعزيز الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، مع التأكيد على ضرورة إفراز مؤسسات منتخبة قوية وقادرة على مواكبة التحولات الاجتماعية والاقتصادية.
وفي المقابل، أشاد الحزب بما وصفه بحكمة ويقظة مختلف الأجهزة الأمنية والسلطات الترابية في تدبير الأحداث، مثمناً جهودها في حماية الأرواح والحفاظ على الأمن العام ومنع انزلاق الأوضاع.



