بقلم: خديجة الشرقاوي
قبل ساعات من انطلاق أولى مباريات نصف نهائي كأس العالم 2026 بين فرنسا وإسبانيا،تتجه أنظار مئات الملايين من المشجعين إلى المستطيل الأخضر.تتصدر التشكيلات الأساسية عناوين الصحف، وتحلل خطط المدربين،وتحسم الترشيحات بين من يرى في فرنسا خبرة الأبطال،ومن يراهن على إسبانيا لاستعادة أمجادها.وكما جرت العادة،ستنقل مئات الكاميرات كل تمريرة،وكل هدف،وكل لحظة احتفال أو انكسار.
لكن، خارج حدود الملعب، تدور مباراة أخرى لا تنقلها الكاميرات
إنها مباراة بدأت قبل سنوات من ضربة البداية،حين امتزجت كرة القدم بالسياسة،وتشابكت مع حقوق الإنسان،وأصبحت الملاعب امتدادا لنقاشات تدور في أروقة الدبلوماسية،وقاعات المنظمات الحقوقية، وصفحات الصحف العالمية.
التغريدة التي سبقت التصويت
في السابع والعشرين من أبريل/نيسان 2018،وبينما كان المغرب ينافس الملف المشترك للولايات المتحدة وكندا والمكسيك على استضافة كأس العالم 2026،نشر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تغريدة دعا فيها الدول إلى دعم الملف الأمريكي، متسائلا عن جدوى استمرار الولايات المتحدة في مساندة دول لا تؤيدها في هذا التصويت. لم تكن تلك التغريدة مجرد تعليق عابر على حدث رياضي،بل كشفت أن السياسة كانت حاضرة في واحدة من أهم محطات كأس العالم، وهي اختيار الدولة المستضيفة.
وبعد أقل من شهرين،أعلنت الفيفا فوز الملف المشترك باستضافة مونديال 2026. انتهت عملية التصويت، لكن السؤال بقي معلقا إلى أي حد تستطيع كرة القدم أن تبقى بمنأى عن تأثير السياسة؟
عاد هذا السؤال إلى الواجهة خلال مونديال قطر 2022،حين تحولت ملفات حقوق الإنسان إلى جزء أساسي من التغطية الإعلامية للبطولة. فقد خضعت أوضاع العمال المهاجرين،وحرية التعبير،وشارة “One Love” لدعم المثليين،وغيرها من القضايا،لتدقيق واسع من وسائل الإعلام والمنظمات الحقوقية،حتى بدا أحيانا أن النقاش خارج الملعب يطغى على ما يجري داخله.
ولم يكن ذلك التدقيق في حد ذاته محل اعتراض،فالدفاع عن حقوق الإنسان يظل واجبا أينما وجدت الانتهاكات. لكن انتقال البطولة إلى الولايات المتحدة سنة 2026 أعاد طرح سؤال مختلف ،هل ستخضع الدولة المستضيفة الجديدة للقدر نفسه من التدقيق؟
قبل انطلاق البطولة،أصدرت منظمة العفو الدولية تقريرا بعنوان «يجب أن تنتصر الإنسانية،الدفاع عن الحقوق خلال كأس العالم 2026»، دعت فيه إلى ضمان احترام حقوق الإنسان طوال فترة كأس العالم،محذرة من تحديات تتعلق بسياسات الهجرة،وحرية التعبير،وحرية عمل الصحفيين،وحقوق العمال والمجتمعات المحلية. كما أثارت بعض الوقائع المرتبطة بإجراءات الدخول والتغطية الإعلامية نقاشا حول البيئة الحقوقية التي تقام فيها البطولة.
كانت أولى هذه الوقائع تتعلق بالحكم الدولي الصومالي عمر عبد القادر أرتان،الذي اختارته لجنة الحكام التابعة للفيفا ضمن الطاقم الرسمي لإدارة مباريات البطولة. ورغم حصوله على اعتماد الفيفا، واجه عراقيل حالت دون دخوله الولايات المتحدة في الوقت المناسب، قبل أن تُحل الإشكالات لاحقًا. أثارت القضية اهتمام وسائل الإعلام، لأنها مست شخصا يمثل الفيفا نفسها، لا مجرد مشجع أو سائح.
ولم تكن تلك الواقعة الوحيدة.خضع مهاجم المنتخب العراقي أيمن حسين لإجراءات تفتيش واستجواب مطولة عند وصوله إلى الولايات المتحدة،قبل السماح له بالدخول. كما تداولت وسائل إعلام عراقية قضية مصور المنتخب الذي واجه بدوره صعوبات مرتبطة بإجراءات الدخول.لم تكن هذه الحالات دليلا على سياسة تستهدف جنسية بعينها، لكنها عكست أن تنظيم بطولة عالمية في ظل نظام هجرة وأمن صارم قد يخلق تحديات تمس حتى المشاركين الرسميين.
ومع ذلك،لم تتحول هذه القضايا إلى العنوان الرئيس للمونديال بالزخم نفسه الذي شهدته بطولة قطر. وقد يختلف تفسير ذلك من متابع إلى آخر،لكن مجرد وجود هذا التفاوت في حجم النقاش يبرر طرح سؤال مشروع: هل تتغير طريقة تناول الملفات الحقوقية بتغير الدولة المستضيفة؟
لا يتعلق الأمر بالمفاضلة بين قطر والولايات المتحدة، ولا بالقول إن التجربتين متطابقتان أو إن طبيعة الإشكالات واحدة. فلكل دولة سياقها السياسي والقانوني، ولكل بطولة ظروفها الخاصة. لكن عالمية حقوق الإنسان تفترض أن تكون معايير تقييمها عالمية أيضًا، وأن يخضع الجميع للمساءلة بالقدر نفسه.
قد تنتهي مباراة فرنسا وإسبانيا الليلة بإعلان اسم أول المتأهلين إلى النهائي، لكن المباراة التي لا تنقلها الكاميرات ستظل مفتوحة. بين الشعارات والواقع، وبين عالمية الحقوق وانتقائية تطبيقها. وربما يكون الانتصار الحقيقي في كأس العالم، ليس فقط برفع الكأس، وإنما بإثبات أن المبادئ التي يرفعها الجميع تطبق على الجميع دون استثناء.




