اعتبر الأستاذ الجامعي بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة، الدكتور حميد النهري، أن مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة تجاوز كونه نصا قانونيا يهم فئة مهنية بعينها، ليصبح اختبارا حقيقيا لوظيفة البرلمان وحدود الممارسة التشريعية في المغرب.
وأوضح النهري، في مقال تحليلي، أن المصادقة على المشروع بأغلبية برلمانية لم تكن مفاجئة في ظل موازين القوى الحالية، غير أن طريقة تدبير النقاش، بحسب رأيه، أثارت تساؤلات حول مدى ممارسة البرلمان لاختصاصاته الدستورية كاملة، خاصة في ما يتعلق بالحوار والتعديل وبناء التوافق قبل اللجوء إلى الحسم العددي.
ويرى الأستاذ الجامعي أن الديمقراطية لا تقتصر على احترام المساطر القانونية، بل تقاس أيضا بجودة النقاش العمومي الذي يسبق التصويت، معتبرا أن البرلمان لا ينبغي أن يتحول إلى فضاء للتصويت فقط، وإنما إلى مؤسسة تضيف قيمة تشريعية وسياسية إلى مشاريع القوانين المعروضة عليها.
وفي هذا السياق، ميز النهري بين “المشروعية” التي تتحقق باحترام الدستور والإجراءات القانونية، و”الشرعية السياسية” التي تبنى، حسب تعبيره، بالحوار والثقة والاقتناع، مؤكدا أن نجاح أي إصلاح، خصوصا في قطاع العدالة، لا يقاس فقط بسلامة مساره القانوني، وإنما أيضا بقدرته على كسب قبول الفاعلين المعنيين بتنزيله.
وأشار إلى أن إحالة مشروع القانون على المحكمة الدستورية بعد المصادقة عليه تندرج ضمن المسار الدستوري العادي، لكنها، في نظره، تعكس استمرار الجدل حول المشروع، مبرزا أن رقابة المحكمة تنصب على مدى مطابقة النص للدستور، ولا تحسم النقاش السياسي أو المهني المرتبط به.
واعتبر النهري أن البرلمان مطالب بالقيام بدور يتجاوز تأمين الأغلبية العددية، عبر تحسين مشاريع القوانين وإنتاج التوافقات، مؤكدا أن قوة المؤسسة التشريعية تقاس بقدرتها على صناعة التسويات وتعزيز الثقة في النصوص القانونية، وليس فقط بعدد القوانين التي تصادق عليها.
كما توقف عند معطيات التصويت، مشيرا إلى أن مشروع القانون حظي بتأييد 85 نائبا مقابل معارضة 35، في حين لم يشارك عدد كبير من أعضاء مجلس النواب في عملية التصويت، معتبرا أن هذا المعطى يطرح، من وجهة نظره، تساؤلات حول مستوى التمثيل السياسي في القضايا الكبرى.
وربط النهري هذا الملف بعدد من المحطات البرلمانية الأخيرة، من بينها رفض تشكيل لجنة لتقصي الحقائق بشأن دعم استيراد المواشي، وإسقاط مقترح قانون يتعلق بتسقيف أسعار المحروقات، معتبرا أن هذه الوقائع تعكس، بحسب تحليله، غلبة منطق الأغلبية العددية على الوظيفتين التشريعية والرقابية للبرلمان.
وفي المقابل، أكد أن المحاماة أعادت إلى واجهة النقاش أسئلة مرتبطة بجودة التشريع، والعلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، ومكانة الهيئات المهنية في صناعة القرار العمومي، مبرزا أن استقلال مهنة المحاماة يشكل، وفق المواثيق الدولية، ضمانة أساسية لحماية الحق في الدفاع وتعزيز دولة القانون.
وختم الأستاذ الجامعي بالتأكيد على أن الرهان الحقيقي لا يتعلق فقط بتمرير القوانين، وإنما ببناء الثقة في المؤسسات، معتبرا أن البرلمان الذي يصنع التوافقات ويطور النصوص القانونية يرسخ الديمقراطية أكثر من برلمان يكتفي بالمصادقة على مشاريع القوانين بالأغلبية العددية.




