حميد الفضي
لا يكاد يخلو النقاش داخل الحركات الإسلامية والقوى الإصلاحية من سؤال يتكرر مع كل استحقاق سياسي: هل المشاركة في المؤسسات الرسمية طريق إلى الإصلاح، أم أنها مجرد وسيلة تمنح الشرعية لنظام سياسي لا يملك الفاعلون داخله القدرة الحقيقية على التغيير؟ وفي المقابل، هل تمثل المقاطعة موقفًا مبدئيًا يحافظ على استقلال المشروع الإصلاحي، أم أنها تفضي إلى مزيد من العزلة وترك المجال العام لغيره؟
غالبًا ما يدور هذا النقاش في إطار فقهي أو سياسي مباشر، فيُستدعى الحديث عن المصلحة والمفسدة، أو عن الواقعية والمبدئية، أو عن المكاسب والخسائر. غير أن هذه المقاربة، على أهميتها، قد تغفل سؤالًا أعمق: كيف تتعامل الدولة مع القوى الاجتماعية والدينية الصاعدة؟ وكيف تتصرف هذه القوى عندما تواجه دولة قوية أو شبه قوية؟
ومن هنا تبدو الحاجة إلى مقاربة جديدة تستند إلى قانونين تفسيريين: قانون الفراغ الحضاري وقانون الاستيعاب السلطوي.
ينص قانون الفراغ الحضاري على أن المجتمع لا يحتمل الفراغ طويلًا. فإذا عجزت الدولة عن أداء وظائفها في التربية، والعدالة، والخدمات، والتمثيل، وإنتاج المعنى، نشأت قوى اجتماعية تسعى إلى ملء هذا الفراغ. وقد شهد التاريخ الإسلامي صورًا متعددة لهذه الظاهرة؛ فظهرت المدارس الوقفية، والزوايا، والجمعيات، والحركات الإصلاحية، ثم في العصر الحديث الحركات الإسلامية التي لم تقتصر على الدعوة، بل أنشأت مؤسسات تعليمية وخيرية ونقابية وإعلامية، محاولةً تعويض ما عجزت عنه الدولة أو قصرت فيه.
ومن هذا المنظور، فإن صعود العمل الإسلامي لم يكن مجرد نتيجة لانتشار فكرة أيديولوجية، بل كان أيضًا استجابة لفراغ اجتماعي وسياسي حقيقي. فكلما اتسع هذا الفراغ، ازداد الحضور المجتمعي لهذه الحركات، وكلما تقلص، تراجع دورها أو تغيرت وظائفها.
لكن هذه ليست نهاية القصة.
فالدولة ليست كيانًا ساكنًا يقف متفرجًا على صعود قوى اجتماعية منافسة، بل تسعى غالبًا إلى إعادة تنظيم المجال العام بما يحافظ على احتكارها للشرعية والقرار. وهنا يظهر ما نقترح تسميته قانون الاستيعاب السلطوي.
ومقتضى هذا القانون أن الدولة تميل، بدرجات وأساليب مختلفة، إلى احتواء القوى الاجتماعية الصاعدة عندما تصبح ذات تأثير واسع. وقد يكون هذا الاحتواء عبر فتح أبواب المشاركة السياسية، أو عبر الإدماج المؤسسي، أو عبر منح هوامش محدودة من الفعل، أو عبر استقطاب القيادات، أو عبر تنظيم المجال القانوني بما يجعل الحركة تعمل داخل الإطار الذي ترسمه الدولة.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن كل مشاركة هي شكل من أشكال الاحتواء، كما لا يعني أن كل احتواء يقضي حتمًا على المشروع الإصلاحي. لكنه يعني أن المشاركة ليست عملية تجري في فراغ، بل في سياق تتفاعل فيه موازين القوة، وقواعد اللعبة، وقدرة كل طرف على التأثير في الآخر.
ومن هنا يبدو أن كلا الفريقين في النقاش الدائر اليوم يمسك بجزء من الحقيقة.
فأنصار المشاركة يذكرون بحق أن الانسحاب من المجال العام قد يترك المجتمع دون قوى إصلاحية منظمة، وأن الفراغ لا يبقى فراغًا، بل تملؤه قوى أخرى قد تكون أقل التزامًا بالإصلاح أو أكثر قربًا من السلطة. ومن هذا المنظور، قد تتحول المقاطعة إلى مساهمة غير مقصودة في توسيع الفراغ الحضاري.
وفي المقابل، يلفت أنصار المقاطعة الانتباه إلى خطر آخر، وهو أن تتحول المشاركة إلى أداة لاستيعاب الحركة داخل مؤسسات لا تملك فيها قدرة حقيقية على التأثير، فتفقد تدريجيًا رصيدها الرمزي واستقلالها، وتصبح مطالبة بالدفاع عن قواعد اللعبة أكثر من السعي إلى تغييرها.
لكن الإشكال الحقيقي لا يكمن في المشاركة ولا في المقاطعة في ذاتهما، بل في غياب تحليل دقيق للسياق الذي يجري فيه كل منهما.
فالمشاركة قد تكون وسيلة فعالة للإصلاح إذا توفرت لها شروط مثل وجود مجال عام يسمح بالمنافسة الحقيقية، واستقلال نسبي للمؤسسات، وإمكان واقعي للتأثير في السياسات العامة، وقدرة الحركة على الحفاظ على استقلالها التنظيمي والفكري.
وفي المقابل، قد تتحول المشاركة إلى استيعاب إذا أصبحت الحركة تقيس نجاحها بمجرد البقاء داخل المؤسسات، أو إذا فقدت قدرتها على النقد المستقل، أو إذا صار الحفاظ على التنظيم هدفًا يعلو على أهداف الإصلاح.
وكذلك المقاطعة ليست فضيلة في ذاتها. فقد تكون موقفًا استراتيجيًا يحافظ على استقلال المشروع ويكشف حدود النظام السياسي، لكنها قد تتحول أيضًا إلى عزلة طويلة الأمد إذا لم تُقرن ببناء بدائل مجتمعية، وتعزيز الحضور الفكري والثقافي، وتنظيم المجتمع المدني، وإنتاج رؤى إصلاحية جديدة.
ومن ثم، فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق سؤال المشاركة أو المقاطعة هو: هل يؤدي هذا الخيار إلى تقليص الفراغ الحضاري أم إلى توسيعه؟ وهل يعزز استقلال المشروع الإصلاحي أم يزيد قابليته للاستيعاب؟
بهذا المعنى، لا يعود النقاش بين المشاركة والمقاطعة صراعًا بين حق وباطل، ولا بين مبدئية وبراغماتية، بل يصبح نقاشًا حول كيفية إدارة العلاقة المعقدة بين الدولة والمجتمع. وقد تختلف الإجابة من بلد إلى آخر، ومن مرحلة تاريخية إلى أخرى، بحسب طبيعة النظام السياسي، وحجم المجال العام، وقدرة المجتمع على إنتاج مؤسسات مستقلة.
إن الحركات الإصلاحية التي تنجح تاريخيًا ليست تلك التي تكتفي بالمشاركة أو بالمقاطعة، وإنما تلك التي تحافظ، في كل الأحوال، على استقلالها الأخلاقي والفكري، وتظل قادرة على ملء الفراغ الحضاري دون أن تفقد هويتها، وعلى التفاعل مع الدولة دون أن تذوب فيها. وربما كان هذا هو التحدي الأكبر الذي واجه الحركات الإسلامية الحديثة، وسيظل أحد أهم أسئلة الإصلاح السياسي في العالم الإسلامي خلال العقود القادمة.




