شكلت قضية المواطنة الضريبية وبناء الثقة بين الإدارة الجبائية والملزمين محور أشغال الملتقى الوطني الأول للجمعية المغربية لأساتذة المالية العامة، الذي نظم تحت شعار “السياسة الجبائية في المغرب على محك المواطنة الضريبية” بقصر الفنون بمدينة طنجة، بمشاركة أساتذة جامعيين وباحثين في سلك الدكتوراه وخبراء وممثلين عن مؤسسات الحكامة، في أول نشاط علمي تنظمه الجمعية منذ تأسيسها.

ويأتي تنظيم هذا الملتقى في سياق تزايد النقاش حول العدالة الجبائية، ومدى قدرة الإصلاحات الضريبية على تعزيز الثقة في المؤسسات، وتحقيق التوازن بين متطلبات تمويل السياسات العمومية وضمان حقوق الملزمين، وذلك عبر مقاربة أكاديمية تجمع بين البحث العلمي والخبرة المؤسساتية.
حميد النهري: الجمعية فضاء أكاديمي لتطوير السياسات العمومية
وفي كلمته الافتتاحية، أكد حميد النهري، رئيس الجمعية المغربية لأساتذة المالية العامة، أن هذا الملتقى يشكل الانطلاقة الرسمية لأنشطة الجمعية الجديدة، ويجسد طموحها في تحويل هذا الموعد إلى ملتقى علمي سنوي يجمع الباحثين والمتخصصين في المالية العامة والسياسات الجبائية.

وأوضح أن اختيار موضوع “السياسة الجبائية في المغرب على محك المواطنة الضريبية” لم يكن اعتباطيا، بالنظر إلى راهنيته وارتباطه المباشر بقضايا العدالة الضريبية، وقبول المواطنين للضريبة، ومدى شعورهم بإنصاف النظام الجبائي.
وأشار إلى أن الملتقى يعرف مشاركة حوالي 40 أستاذا جامعيا يمثلون مختلف الجامعات المغربية، إلى جانب فتح الباب أمام طلبة الدكتوراه للمشاركة في النقاش العلمي، بشراكة مع عدد من الجمعيات العلمية المتخصصة، وبمساهمة مختبرات البحث الجامعية المنتشرة عبر مختلف المؤسسات الجامعية الوطنية.

بوشتى المومني: الجامعة شريك في التفكير الاستراتيجي
من جهته، أكد رئيس جامعة عبد المالك السعدي، البروفيسور بوشتى المومني، أن احتضان الجامعة لهذا الموعد العلمي ينسجم مع رسالتها الأكاديمية في خدمة البحث العلمي والانفتاح على قضايا التنمية والسياسات العمومية.

واعتبر أن هذا الملتقى يؤسس لموعد سنوي للحوار العلمي الجاد، مشيداً بدور الجمعية المغربية لأساتذة المالية العامة باعتبارها فضاءً للتفكير الاستراتيجي وإنتاج المعرفة العلمية الرصينة، بما يساهم في تطوير السياسات العمومية وتجويد النقاش الأكاديمي حول المالية العامة.

حسن طارق: مؤسسات الحكامة تؤثر في السياسات العمومية عبر سبع فرضيات
وفي محاضرة بعنوان “هيئات الحكامة والسياسات العمومية”، قدم حسن طارق، وسيط المملكة، تصوراً حول الأدوار الجديدة التي يمكن أن تضطلع بها مؤسسات الحكامة في صناعة السياسات العمومية، من خلال سبع فرضيات رئيسية.

وأوضح أن الفرضية الأولى تتمثل في قدرة هذه المؤسسات على بناء القضايا ووضعها ضمن الأجندة العمومية، بما يسمح بتحويل الإشكالات المجتمعية إلى أولويات للنقاش وصنع القرار.
أما الفرضية الثانية، فتتعلق بإسهام هيئات الحكامة في بناء المرجعيات والقيم التي تؤطر السياسات العمومية، باعتبارها فاعلاً يساهم في ترسيخ المبادئ المؤطرة للعمل العمومي.

وأشار في الفرضية الثالثة إلى أن الطبيعة المؤسساتية لهذه الهيئات، وانفتاحها على المجتمع المدني، يجعلها حلقة وصل بين الديمقراطية التمثيلية والديمقراطية التشاركية، بما يعزز مشاركة مختلف الفاعلين في بلورة السياسات العمومية.
وأضاف أن الفرضية الرابعة تتجلى في مساهمة مؤسسات الحكامة في إنضاج التوافقات الوطنية والبناء المشترك حول القضايا الكبرى، فيما ترتبط الفرضية الخامسة بدورها في الإنصات للمرجعيات المعيارية التي تؤطر الفعل العمومي.

أما الفرضية السادسة فتتعلق بقدرة هذه المؤسسات على تقييم وتتبع السياسات العمومية، في حين اعتبر في الفرضية السابعة أنها تشكل فضاءات مؤسساتية قادرة على نزع فتيل الاستقطابات السياسية الحادة وخلق ما وصفه بـ”الأماكن الباردة” التي تسمح بالحوار والتوافق.

وختم حسن طارق بالتأكيد على أن مؤسسة الوسيط تؤدي أدوارها داخل منظومة السياسات العمومية عبر أربعة مداخل أساسية، هي بناء المرجعية والدفاع عنها، والتأثير، والتواصل، وتطوير الحوار.
محمد بنعليلو: نجاح الإصلاح الضريبي يقاس بمنسوب الثقة لا بحجم التحصيل
من جانبه، قدم محمد أنوار بنعليلو، رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، مداخلة بعنوان “من الجباية إلى بناء الثقة.. قراءة جديدة للتحدي الضريبي في المغرب”، ركز فيها على العلاقة الوثيقة بين العدالة الجبائية والثقة المجتمعية.

وأكد أن الضريبة ليست مجرد وسيلة لتحصيل الموارد المالية، بل تعد إحدى أهم المؤسسات التي تعكس طبيعة العلاقة بين الدولة والمواطن، لأنها ترتبط بمدى شعور المواطن بعدالة توزيع الأعباء وبنزاهة تدبير المال العام.
وأضاف أن الثقة تمثل شرطاً أساسياً لنجاح أي نظام جبائي، لأنها تعني اقتناع المواطن بأن الدولة تدبر الموارد بكفاءة ونزاهة، وأن القانون يطبق على الجميع دون تمييز أو محاباة.

وتساءل بنعليلو: كيف يمكن بناء نظام جبائي يثق فيه المواطن والمقاولة ويستفيد منه المجتمع على قدم المساواة؟، معتبراً أن الرهان الحقيقي يتمثل في جعل النظام الجبائي ينتج الثقة بقدر ما ينتج الموارد.
وأوضح أن العدالة الجبائية لا تتحقق فقط عبر توزيع العبء الضريبي، وإنما أيضاً من خلال الحياد في تطبيق القانون، والامتثال الطوعي للضريبة، وضمان استفادة جميع المواطنين من الخدمات العمومية.

وشدد على أن كل سياسة جبائية مطالبة بتحقيق ثلاثة مستويات من العدالة، تتمثل في العدالة في توزيع العبء الضريبي، والعدالة في تطبيق القاعدة الضريبية، والعدالة في توزيع المنافع العمومية.
وأضاف أن ارتفاع مستوى التحصيل الضريبي لا يمثل لوحده معياراً لنجاح الإصلاحات، بل إن المؤشر الأهم هو مستوى الثقة الذي يولده النظام الضريبي لدى المواطنين والمقاولات.
وأكد أن قيمة أي إصلاح لا تقاس بجودة النصوص القانونية فقط، وإنما أيضاً بمدى اقتناع الملزمين بعدالتها وتطبيقها السليم في الواقع.

وأوضح أن المواطن يبني تصوره عن النظام الضريبي انطلاقاً من أسئلة عملية، من قبيل: هل المساطر واضحة؟ وهل الخدمات ميسرة؟ وهل التأويلات القانونية مستقرة؟ وهل يُنظر إلى الملزم باعتباره شريكاً في التنمية أم مجرد موضوع للمراقبة؟
وأضاف أن كل تعقيد غير مبرر يرفع من مستوى انعدام الثقة، وكل غموض في النصوص أو المساطر يوسع السلطة التقديرية ويؤدي إلى تفاوت في التطبيق، بما يعمق الإحساس بعدم العدالة الضريبية.

كما دعا إلى إخضاع الإعفاءات الضريبية لشرطين أساسيين، هما أن تكون مبررة وقابلة للتقييم، معتبراً أن العلاقة بين الجباية والنزاهة هي علاقة تداخل وتكامل، وأن أخطر ما قد يواجه النظام الضريبي هو فقدان المواطن لقناعته بعدالته.








