طنجة.. عندما انتصر الإسمنت على الإنسان
حكاية مدينة كانت تسمع البحر
لم تمت طنجة في ليلة واحدة
لم تسقط بقنبلة ولم يبتلعها زلزال ولم يغمرها البحر الذي عاشت على ضفافه آلاف السنين بل مات شيء فيها ببطء في صمت دون أن ينتبه إليه أحد
في كل صباح كانت رافعة جديدة ترتفع نحو السماء وكانت بناية أخرى تزاحم الأفق وكانت طريق جديدة تشق جسد المدينة وكان الجميع يحتفل بما يسمونه التنمية والازدهار والحداثة
لكن أحدا لم يسأل السؤال الأصعب
ماذا يحدث للإنسان عندما تكبر المدينة أسرع من قلبها؟
كانت طنجة إلى زمن قريب مدينة تسمع البحر قبل أن تسمع السيارات وكانت تعرف أسماء سكانها كما يعرف الأب أسماء أبنائه وكانت الأزقة تحفظ خطوات العابرين والمقاهي تحفظ حكايات البحارة وكانت النوافذ تفتح على الجيران قبل أن تفتح على العالم
ثم جاء زمن آخر
دخلت المدينة سباقا محموما مع الزمن حتى بدا وكأنها تريد أن تصبح مدينة أخرى ارتفعت الأبراج واتسعت الشوارع وتعاظمت الموانئ وامتلأت السماء بالرافعات واكتظت الأرض بالإسمنت
كبرت طنجة
لكنها وهي تكبر أخذت تفقد شيئا لا يشترى ولا يبنى
فقدت هدوءها
ثم فقدت ذاكرتها
ثم بدأت تفقد أبناءها لا بالموت ولا بالهجرة بل بالغربة وهم يسيرون في شوارع ولدوا فيها ولم يعودوا يعرفونها
هذه ليست رواية ضد العمران ولا ضد التنمية ولا ضد الحلم بمدينة مزدهرة
إنها رواية عن السؤال الذي ننساه كلما انبهرنا بالإسمنت
ما قيمة المدن إذا ضاقت بالإنسان؟
وهي أيضا محاولة للإنصات إلى صوت خافت ما يزال يتردد بين أمواج المتوسط يقول إن المدن لا تبنى بالحجارة وحدها بل بالوجوه التي تعرف بعضها وبالذاكرة التي تقاوم النسيان وبالأطفال الذين يجدون مكانا للعب وبالعجائز الذين ما زالوا يسمعون البحر
هذه حكاية طنجة
أو لعلها حكاية كل مدينة انتصرت فيها الأبراج على البيوت والسرعة على الطمأنينة والسوق على الإنسان
وحين يحدث ذلك لا يعود السؤال
كم كبرت المدينة؟
بل يصبح السؤال
كم بقي منها
حميد الفضي




