بقلم: الحداد حسن المنزلي
العقار ليس مجرد إسمنت وحديد و رخام … بل ثقة. وعندما تهتز الثقة، ترتبك السوق كلها.
لم يعد الحديث عن سوق العقار بمدينة طنجة يُختزل فقط في لغة الأرقام والنسب المئوية، بل أصبح مرتبطاً أكثر من أي وقت مضى بلغة الثقة والجودة والمصداقية. فالمعطيات الأخيرة الصادرة عن بنك المغرب والوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية، والتي كشفت عن تراجع أسعار العقارات بطنجة بنسبة 3.9 في المائة، وانخفاض المعاملات العقارية بنسبة 36.4 في المائة خلال الفصل الأول من سنة 2026، تطرح أسئلة عميقة حول التحولات التي يعيشها القطاع العقاري بالمدينة.
صحيح أن هذا التراجع يأتي في سياق وطني شمل مدنا كبرى أخرى، غير أن وقع الأرقام في طنجة يبدو مختلفا. فمدينة ظلت لسنوات تقدم نفسها كقطب اقتصادي وصناعي وسياحي واعد، وتعيش على إيقاع توسع عمراني متسارع، تجد نفسها اليوم أمام واقع جديد عنوانه الأبرز:
فتور السوق وتراجع شهية الشراء.
القراءة السطحية قد تختزل المشهد في عوامل اقتصادية كلاسيكية مثل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع كلفة التمويل البنكي، لكن الواقع أكثر تعقيدا. فجزء مهم من أسباب هذا التراجع يرتبط بتغير وعي المستهلك نفسه.
لقد غيرت الرقمنة وقوة وسائل التواصل الاجتماعي قواعد اللعبة بشكل واضح. فاليوم لم تعد مشاكل المشاريع السكنية تُدفن بسهولة تحت ركام الإشهار البراق. بنقر زر ، تنتشر فيديوهات وشهادات لساكنة تحتج على تأخر تسليم الشقق، أو على غياب مرافق وفضاءات خضراء كانت موعودا بها قبل الشراء، أو بسبب تحويل مساحات مخصصة للراحة إلى كتل إسمنتية إضافية. المعلومة أصبحت متاحة، والمستهلك أصبح أكثر حذرا.
إلى جانب ذلك، برز عامل آخر لا يقل أهمية:
تراجع الجودة. فالمشكلة لم تعد فقط في ثمن الشقة، بل في القيمة الحقيقية لما يشتريه المواطن. كثيرون أصبحوا يرددون المقولة نفسها: “بعد شراء الشقة تبدأ المصاريف الحقيقية.” أبواب تحتاج إلى تغيير، نوافذ غير معزولة، مطابخ تُعاد تهيئتها بالكامل، مصاعد كثيرة الأعطال، وتشطيبات لا تعكس إطلاقا الأسعار المفروضة. هنا يبدأ السؤال المنطقي: لماذا يدفع المواطن ثمنا مرتفعا مقابل منتوج يحتاج إلى إصلاح شامل فور استلامه؟
ومن بين التحولات اللافتة أيضا، تراجع جاذبية السكن العمودي. فبالنسبة لشريحة واسعة من المستهلكين، لم تعد الشقة تمثل بالضرورة حلم الاستقرار، بل أحيانا بداية سلسلة من المشاكل اليومية. غياب ثقافة السكن المشترك، سلوكيات بعض الجيران، الضوضاء المستمرة، النزاعات المتكررة حول الملكيات المشتركة… كلها عوامل جعلت عددا متزايدا من الأسر يميل إلى السكن الأفقي كلما كان ذلك ممكنا.
والمفارقة أن جزءا من السكن العمودي تحول من مشروع سكني إلى منتوج استثماري تتحكم فيه شبكات شراء مبكر تستفيد من أسعار تفضيلية قبل إعادة توجيه الشقق نحو الكراء أو المضاربة، ما ساهم في خلق اختلالات داخل عدد من المجمعات السكنية.
وتزداد الصورة تعقيدا مع التحولات التي تعرفها الطوابق الأرضية للعمارات. ما يسوق غالبا كمحلات تجارية منظمة، يتحول مع مرور الوقت في بعض المجمعات إلى فضاءات تعج بالفوضى والضجيج واحتلال الملك العام. دخان، ضوضاء، تشويه للواجهات، واختناق متزايد في محيط العمارات السكنية. وهنا يصبح التخوف مشروعا:
هل نحن نبني أحياء سكنية حديثة أم نعيد إنتاج الفوضى بصيغة عمرانية جديدة؟
كما أن العديد من المشاريع السكنية الجديدة، خاصة الكبرى منها، المقامة في الضواحي وعلى مستوى الطرق المدارية، تواجه تحديا آخر يتعلق بالموقع. فرغم وفرة العرض، فإن البعد عن المؤسسات التعليمية العمومية ، وضعف النقل الحضري، وغياب المرافق الاجتماعية الأساسية، يجعل قرار الشراء أكثر تعقيدا بالنسبة للأسر.
غير أن العامل الأكثر حساسية يبقى مرتبطا بالأسعار نفسها. فالكثير من المتابعين يعتبرون أن السوق وصل إلى مستويات مبالغ فيها بفعل جشع بعض المنعشين العقاريين والمضاربة المفرطة. الحديث هنا لا يقتصر على الثمن المعلن فقط، بل أيضا على ما يعرف في السوق العقارية بـ”النوار”، الذي أصبح يثقل كاهل المشترين بشكل كبير ويضرب مبدأ الشفافية في العمق. كيف يمكن لشقة متوسطة المساحة أن تُسوق بأثمنة تقترب من مستويات غير منطقية مقارنة بالجودة والموقع والخدمات؟
هذا يفتح الباب على إشكالية أكبر: غياب الصرامة في احترام دفاتر التحملات، وضعف المراقبة الفعلية، وغياب الشفافية في عدد من التعاملات. وهي عوامل ساهمت تدريجيا في إضعاف الثقة بين المستهلك والمنعش العقاري.
ولا يمكن إغفال عامل آخر له تأثير مباشر على السوق، يتعلق بمغاربة العالم، الذين شكلوا لسنوات رافعة مهمة للطلب العقاري بشمال المملكة. اليوم تغيرت المعادلة. فعدد متزايد منهم أصبح يفضل توجيه ميزانياته نحو السفر أو الاستثمار في وجهات أخرى، خاصة في ظل ارتفاع الأسعار محليا. أما صلة الرحم، التي كانت أحد دوافع العودة، فقد أصبحت التكنولوجيا الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي تؤدي جزءا كبيرا منها عن بعد.
في النهاية، يبدو أن ما يعيشه سوق العقار بطنجة اليوم ليس مجرد تباطؤ ظرفي، بل رسالة واضحة للسوق بأكمله. الرسالة تقول إن زمن البيع السهل والإشهار المغري دون جودة أو التزام بدأ يتراجع. المستهلك اليوم أكثر وعيا، وأكثر اطلاعا، وأقل استعدادا للمغامرة.
المعادلة أصبحت واضحة:
لا يمكن الحديث عن انتعاش عقاري حقيقي دون جودة فعلية، وشفافية في الأسعار، واحترام صارم لدفاتر التحملات، وربط التوسع العمراني بجودة العيش.




