د، محمد عزيز الطويل
منذ أن كتب المنتخب المغربي التاريخ في كأس العالم 2022 بوصوله إلى نصف النهائي، لم تتوقف النقاشات العربية حول سر هذا الإنجاز. لكن وسط هذا الجدل الطويل، نقف عند مفارقة تستدعي التأمل والتوقف، فإذا كانت جميع المنتخبات الوطنية العربية، تريد تكرار التجربة المغربية، فلماذا نجد كثيرين يرفضون الاعتراف بأسباب نجاحها الحقيقية، بل ويحاولون التقليل منها.؟
غير أن الحقيقة الواضحة التي يرفض الكثير الاعتراف بها، تتمثل في كون أن المغرب لم يكن مجرد مفاجأة عابرة، بل كان أول بلد عربي، ينجح في بناء نموذج كروي متكامل أثبت نفسه أمام العالم. وما لا يتجرأ العرب على قوله هو أن المشكلة لم تعد في غياب الإمكانيات أو نقص المواهب أو حتى قوة المنافسين، بل في غياب الإرادة لبناء مشروع مشابه لما فعله المغرب. بل الأمر وصل إلى درجة التطرف، حيث أصبح النجاح المغربي تهمة، تستدعي التشفي والاحتفال العارم في الشوارع عند أول عثرة، أو إحباط أو مؤامرة، كما هو الحال مع ما حدث في كأس افريقيا الأخير، والذي أبان عن ضلوع بعض الدول ، على الأقل دولتين بشكل واضح خاصة النظام العسكري بالجزائر، الذي حشد آلته الإعلامية الرسمية، إلى جانب مواقع التواصل الإعلامي، والدخول في لعبة الكواليس. فالإنجاز المغربي الذي بدا في قطر، لم يواجه المنافسين داخل الملعب فقط، بل واجه أيضاً نوعاً آخر من المقاومة خارج الملعب، من خلال اللعب على أسطوانة التبخيس إلى حد التشويه. فبدلاً من دراسة أسباب النجاح، انشغل كثيرون بالبحث عن مبررات لتقليل قيمته. حيث قيل أن المغرب استفاد من الحظ، وقيل أن القرعة كانت سهلة، وقيل أن معظم لاعبيه ولدوا في أوروبا، وقيل أن الإنجاز لن يتكرر. ثم جاءت السنوات التالية لتكشف هشاشة هذه التفسيرات. فالمنتخب المغربي لم يختف بعد مونديال قطر، كما حدث مع تركيا وكوريا الجنوبية سنة 2002، بل واصل حضوره القوي قارياً وعالمياً من التألق والفوز بعدة بطولات على المستوى العربي والدولي، وحافظ على مكانته ضمن المنتخبات الكبرى، بل ضمن العشر الكبار كرويا على المستوى العالمي، مؤكداً أن ما حدث لم يكن صدفة بل نتيجة عمل مؤسساتي طويل. فالحقيقة التي يصعب على البعض تقبلها هي أن المغرب نجح لأن هناك مشروعاً حقيقياً وراء المنتخب، بينما لا تزال منتخبات عربية كثيرة تبحث عن النتائج دون أن تبني الأسباب. وأول مفتاح للتميز والنجاح يتمثل في أكاديمية محمد السادس، التي أحدثت تحولا كرويا في المغرب، ضمن مشروع وطني واعد يحظى بعناية مولوية سامية لجلالة الملك محمد السادس نصره الله. ففي الوقت الذي كانت فيه اتحادات كروية عربية كثيرة تنفق بسخاء، الملايين على المدربين الأجانب أو المعسكرات القصيرة، كان المغرب يستثمر في المكان الذي تُصنع فيه كرة القدم الحقيقية، تكوين مختلفات الفئات العمرية، في إطار مشروع استراتيجي طويل الأمد، يهدف إلى اكتشاف المواهب وصقلها وفق معايير عالمية. والحرص على تلقي تكوين بدني ونفسي وتعليمي متكامل. ما لا يريد كثيرون الاعتراف به هو أن المغرب لم يصل إلى نصف نهائي كأس العالم في شهر واحد، بل بدأ رحلته فعلياً منذ سنوات طويلة داخل ملاعب التدريب وقاعات الدراسة ومراكز التكوين.
رجوعا إلى تساؤلنا المحوري: لماذا ينكر البعض ممن عشش الغل في قلوبهم نجاح المغرب؟، والجواب بسيط، فالاعتراف بنجاح المغرب يفرض على الآخرين مواجهة أسئلة محرجة، من قبيل: إذا كان المغرب استطاع الوصول إلى نصف نهائي كأس العالم، فلماذا لم تنجح دول تملك ميزانيات أكبر؟ إذا كان المغرب استطاع بناء أكاديمية عالمية، فلماذا فشلت مشاريع أخرى رغم توفر الإمكانيات؟ إذا كان المغرب استطاع الجمع بين أبناء الداخل والجالية في مشروع وطني واحد، فلماذا تعجز منتخبات أخرى عن فعل الشيء نفسه؟ لهذا يلجأ البعض إلى التفسير الأسهل: التقليل من الإنجاز. فالاعتراف بالتفوق يعني الاعتراف بالتقصير والفشل والافتقاد إلى الرؤية. ومع مونديال 2026 ، أصبحت التجربة المغربية حاضرة في كل النقاشات العربية. فالجميع يتحدث عن الانضباط التكتيكي المغربي، والروح القتالية المغربية. الجميع يتحدث عن نجاح اللاعبين المغاربة. لكن القليل فقط يتحدث عن الجذور الحقيقية لهذا النجاح. فلا توجد وصفة سحرية اسمها “الروح القتالية”. ولا يوجد مدرب قادر وحده على صناعة المعجزات. ولا يمكن لجيل موهوب أن ينجح دون بيئة تصنع النجاح. فالمغرب لم يقدم للعرب درساً في كرة القدم فقط، بل قدم درساً في التخطيط الاستراتيجي والصبر والاستثمار طويل المدى. بل يمكن القول دون أي مركب نقص ، أن مباراة المنتخب المغربي كانت إجابة صريحة على استمرار المشروع الوطني، ومرة أخرى لا يجد أصحاب القلوب المريضة إلا الحديث والتحسر على المنتخب البرازيلي، تحت مبرر أنه منتخب فقد بريقه ونجومه، رغم أن أصحاب المنطق السليم يتحدثون عن كرة مغربية أنيقة بدودة لاعبين مرتفعة .
والخلاصة التي لا يتجرأ العرب على قوله، هو أن المغرب لم يكسر فقط حاجز نصف النهائي في كأس العالم، بل كسر ثقافة الأعذار التي لازمت الكرة العربية لعقود، وأثبت أن الطريق إلى العالمية لا يبدأ من المؤتمرات الصحفية ولا من الشعارات الرنانة، والحماس الزائد الذي سرعان ما ينتهي، بل هو ثمرة تخطيط مؤسساتي مغربي خالص طويل الأمد.
ودمتم سالمين




