قال حميد النهري، الأستاذ الجامعي ورئيس الجمعية المغربية للمالية العمومية، إن المشهد الحزبي المغربي يعيش خلال السنوات الأخيرة على وقع تنامي ظاهرة البحث عن “السوبر ستار السياسي”، بدل الاستثمار في إنتاج القيادات الحزبية وتأطير النخب وإعداد البدائل السياسية من داخل المؤسسات الحزبية.
وأوضح النهري، في مقال تحليلي بعنوان “حين تبحث الأحزاب عن السوبر ستار بدل إنتاج القيادات”، أن النقاش عاد بقوة إلى الواجهة مع تداول أخبار حول إمكانية التحاق فوزي لقجع بحزب الأصالة والمعاصرة وقيادته للاستحقاقات الانتخابية المقبلة، معتبرا أن أهمية الموضوع لا تكمن في صحة هذه الأخبار أو نفيها، بل في السرعة التي يتم بها إنتاج صورة “الزعيم المنقذ” داخل الفضاءين السياسي والإعلامي.
وأكد أن جزءا من الفاعلين السياسيين باتوا يبحثون عن شخصيات ذات حضور قوي وصورة تدبيرية ناجحة من أجل تحسين المواقع الانتخابية وحسم التوازنات الداخلية، بدل التركيز على بناء القيادات الحزبية وصناعة المشاريع السياسية القادرة على إقناع المواطنين.
وأشار النهري إلى أن ظاهرة “السوبر ستار السياسي” تقوم على تحويل بعض المسؤولين إلى شخصيات استثنائية يتم تقديمها باعتبارها الحل الوحيد الممكن للأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مضيفا أن هذا التصور يتم تغذيته عبر التسويق الإعلامي وتضخيم الإنجازات الفردية وربط النجاحات بشخص واحد بدل المؤسسات التي تقف وراءها.
وسجل أن وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت بدورها في تعزيز هذه الظاهرة، حيث تحولت بعض المنصات إلى فضاءات للترويج للأشخاص أكثر من كونها فضاءات للنقاش العمومي وتبادل الأفكار والبرامج.
واعتبر رئيس الجمعية المغربية للمالية العمومية أن انتشار هذه الظاهرة يعكس في العمق أزمة حقيقية تعيشها مؤسسات الوساطة السياسية، موضحا أن الأحزاب والنقابات وهيئات المجتمع المدني يفترض أن تضطلع بدور إنتاج النخب وتأطير المواطنين وصياغة البدائل، غير أن تراجع هذا الدور يفتح المجال أمام البحث عن “الرجل المنقذ” كحل سريع لأزمة الثقة.
وأضاف أن النجاحات التي حققتها كرة القدم المغربية خلال السنوات الأخيرة لا يمكن إنكارها، لكنها لا تتحول تلقائيا إلى شرعية سياسية شاملة، مبرزا أن النجاح في مجال معين يمنح صاحبه “شرعية الإنجاز”، غير أن الديمقراطية تقوم أيضا على الشرعية السياسية المستمدة من البرامج والانتخابات والمحاسبة.
كما أثار النهري مسألة العلاقة بين المؤشرات الاقتصادية والواقع الاجتماعي، معتبرا أن الخطاب العمومي أصبح يركز بشكل متزايد على الأرقام والاستثمارات والأوراش الكبرى، في وقت لا يزال فيه المواطنون يطرحون أسئلة مرتبطة بالقدرة الشرائية والتشغيل والصحة والتعليم والفوارق الاجتماعية.
وأكد أن تقديم بعض المسؤولين باعتبارهم “نجوما تدبيريين” لا يجب أن يحجب النقاش حول مدى انعكاس السياسات العمومية على الحياة اليومية للمواطنين، لأن النجاح التقني أو الإداري لا يعفي من التقييم السياسي والاجتماعي.
وانتقد النهري ما وصفه بمنطق “الميركاتو السياسي”، الذي يدفع بعض الأحزاب إلى البحث عن وجوه انتخابية جاهزة قادرة على جلب الأصوات وصناعة الحدث الإعلامي، بدل الاستثمار في التكوين السياسي وإعداد القيادات من داخل التنظيمات الحزبية نفسها.
وشدد على أن أخطر ما تنتجه ظاهرة “السوبر ستار السياسي” هو ترسيخ ثقافة شخصنة الإنجازات واختزال نجاح المؤسسات في أسماء أفراد، الأمر الذي يحول المواطن من فاعل سياسي مشارك في النقاش العمومي إلى مجرد متابع لمسارات الأشخاص وصورهم.
وخلص الأستاذ الجامعي إلى أن المغرب في حاجة إلى أحزاب قوية وديمقراطية قادرة على إنتاج نخبها وقياداتها وبرامجها من داخلها، وإلى مؤسسات قوية ومواطنين أحرار يختارون ممثليهم على أساس البرامج والكفاءة والمحاسبة، لا على أساس الانبهار بالأشخاص وصناعة الأبطال السياسيين.




