تشهد الساحة القانونية بالمغرب تصعيداً غير مسبوق في العلاقة بين وزارة العدل وجسم المحاماة، على خلفية الجدل المتواصل حول مشروع قانون مهنة المحاماة، والذي انتقل من دائرة النقاش التشريعي إلى مستوى الاحتجاج المهني المنظم، بعد إعلان جمعية هيئات المحامين بالمغرب التوقف الشامل والإنذاري عن تقديم الخدمات المهنية لمدة أسبوع.
ولم تعد الأزمة، وفق متابعين للشأن القانوني، مجرد خلاف حول بعض المقتضيات القانونية أو الصلاحيات المهنية، بل تحولت تدريجياً إلى أزمة ثقة بين الوزارة والهيئات المهنية، ما يطرح تساؤلات جدية بشأن إمكانية إخراج إصلاح توافقي يحظى بقبول مختلف الأطراف المعنية.
وفي هذا السياق، يرى الأستاذ الجامعي بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة، ورئيس الجمعية المغربية للمالية العمومية، حميد النهري، أن جوهر الإشكال لا يكمن فقط في المواد القانونية محل الخلاف، بل في المنهجية المعتمدة لتدبير ورش الإصلاح، معتبراً أن الإصلاحات الكبرى لا تفشل بالضرورة بسبب مضمونها، وإنما بسبب الطريقة التي يتم بها إعدادها وتقديمها للفاعلين المعنيين.
وأكد النهري أن مهنة المحاماة، رغم ما تعرفه من إشكالات مرتبطة بالحكامة والتدبير والتكوين وأوضاع المحامين الشباب، تبقى مؤسسة دستورية وقانونية أساسية داخل منظومة العدالة، مشيراً إلى أن أول المطالبين بإصلاح هذه الاختلالات هم المحامون أنفسهم.
وأضاف أن وجود اختلالات أو تجاوزات فردية داخل المهنة لا يبرر اختزال المحاماة في تلك الممارسات أو تقديمها للرأي العام باعتبارها مرادفاً للامتيازات أو السمسرة، مبرزاً أن المحاماة تشكل إحدى الضمانات الجوهرية لحقوق الدفاع والمحاكمة العادلة، فضلاً عن كونها أحد الأعمدة التاريخية لدولة القانون.
واعتبر المتحدث أن حساسية النقاش تزداد عندما يكون مصدر الانتقاد شخصية تنتمي إلى المهنة نفسها، غير أن الأمر يتجاوز اليوم النقاش المهني الداخلي، بالنظر إلى أن وزير العدل يقود ورشاً إصلاحياً يفترض أن يندرج ضمن مشروع الدولة لتطوير منظومة العدالة.
وشدد النهري على أن نجاح أي إصلاح لا يقاس بمن انتصر في النقاش أو كسب معركة التواصل، وإنما بمدى القدرة على بناء توافقات واسعة تضمن استدامة الإصلاح وقبوله من مختلف الفاعلين، مؤكداً أن دور رجل الدولة لا يقتصر على تشخيص الأعطاب، بل يمتد إلى خلق شروط الثقة الضرورية لمعالجتها.
ويرى أن الخطر الحقيقي يكمن في تحول ملف إصلاح المحاماة إلى مواجهة مباشرة بين الوزير والمحامين، بدل أن يظل نقاشاً مؤسساتياً حول مستقبل المهنة، محذراً من أن منطق كسر الإرادات لا يمكن أن ينتج إصلاحاً ناجحاً أو مستداماً.
وختم النهري بالتأكيد على أن الدولة قادرة على سن القوانين وفرضها، لكنها لا تستطيع فرض الثقة، معتبراً أن الإصلاحات الكبرى لا تُقاس بعدد المهزومين فيها، بل بعدد المؤمنين بها. وأضاف أن القوانين يمكن تعديلها والتوافق بشأنها، أما الثقة إذا فقدت فإن استعادتها تصبح أكثر صعوبة من تعديل أي نص قانوني.
وأشار إلى أن المحاماة ليست مجرد فئة مهنية تدافع عن مصالح أعضائها، بل مؤسسة قانونية تساهم في تحقيق العدالة وحماية حقوق الدفاع، ما يجعل إصلاحها رهيناً بمنطق الشراكة والتعاون بين الدولة ومختلف مكونات المهنة، بعيداً عن منطق الشك أو المواجهة.




