احتضنت قبة مجلس النواب، مساء الأربعاء 20 ماي 2026، أشغال مائدة مستديرة رفيعة المستوى حول موضوع:”التكوين المستمر للمقاولات بالمغرب: التحديات والآفاق”، وذلك بمبادرة من الشبكة المغربية لهيئات المقاولات الصغرى بشراكة مع الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية، وبمشاركة برلمانيين وخبراء وفاعلين اقتصاديين وممثلي الهيئات المهنية والمقاولات.
وقد أدار أشغال هده المائدة المهندس عبد القادر الطاهر، البرلماني عن دائرة طنجة-أصيلة، حيث ساهم في توجيه النقاش نحو القضايا الجوهرية المرتبطة بمنظومة التكوين المستمر وإكراهاتها البنيوية.
وافتتحت أشغال المائدة المستديرة بكلمة تأطيرية للسيد حسن لشكر، تلتها كلمة افتتاحية للسيد رشيد الورديغي، أكد فيها أن اختيار موضوع التكوين المستمر يأتي في سياق وطني ودولي يتسم بتحولات اقتصادية وتكنولوجية متسارعة، تفرض على المقاولة المغربية إعادة التفكير في طرق تأهيل مواردها البشرية، وتعزيز قدرتها على مواكبة اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار والرقمنة والذكاء الاصطناعي.
وأوضح رئيس الشبكة المغربية لهيئات المقاولات الصغرى أن التكوين المستمر لم يعد مجرد آلية إدارية أو برنامج ظرفي، بل أصبح ركيزة استراتيجية لبناء اقتصاد تنافسي وتعزيز الإنتاجية وتحسين جودة الخدمات، مؤكداً أن المقاولة التي لا تستثمر في تطوير مهارات مستخدميها ستجد نفسها عاجزة عن مواكبة التحولات العالمية المرتبطة بالاقتصاد الأخضر وسلاسل القيمة ومعايير الجودة الدولية.
كما شدد على أن نجاح منظومات التكوين المستمر يرتبط أساساً بحكامة فعالة، وتمويل مستدام، وربط حقيقي بين التكوين وحاجيات الاقتصاد والمقاولة، مشيراً في المقابل إلى استمرار عدد من الإكراهات البنيوية التي تعيق فعالية المنظومة الحالية، خاصة ما يتعلق بمنظومة العقود الخاصة بالتكوين، من قبيل تعقد المساطر الإدارية، وبطء اتخاذ القرار، والتأخر في المصادقة على الميزانيات وصرف المستحقات، وضعف الرقمنة، وغياب مؤشرات دقيقة لقياس الأثر الحقيقي للتكوين.
وشهد اللقاء مداخلات نوعية لعدد من الفاعلين والخبراء والمهنيين، حيث أجمع المتدخلون على أن إصلاح منظومة التكوين المستمر لم يعد خياراً مؤجلاً، بل ضرورة وطنية مرتبطة مباشرة بتنافسية الاقتصاد المغربي والعدالة الاقتصادية والمجالية، وبقدرة المغرب على كسب رهانات المستقبل.
وفي هذا السياق، تم تقديم مجموعة من المقترحات العملية الرامية إلى بناء منظومة حديثة وعادلة وفعالة للتكوين المستمر، من أبرزها:
إحداث هيئة وطنية مستقلة لتنظيم مهنة الاستشارة والتكوين المستمر وفق معايير الجودة والكفاءة؛
تأسيس مرصد وطني للتكوين المستمر لتتبع حاجيات سوق الشغل وربط التمويل بالأثر والنتائج؛
تبسيط ورقمنة المساطر الإدارية لضمان عدالة الولوج والاستفادة لفائدة المقاولات الصغرى والمتوسطة؛
تعزيز الحكامة وربط التكوين بالتحولات الاقتصادية والتكنولوجية الجديدة.
ومن أبرز النقاط التي أثارت انتباه المشاركين خلال هذا اللقاء، الغياب التام وغير المبرر لكل من وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والشغل والكفاءات ومكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل، رغم أهمية الموضوع وارتباطه المباشر باختصاصاتهما.
وقد عبر عدد من المشاركين عن أسفهم لما وصفوه بسياسة “المقعد الشاغر”، معتبرين أن استمرار القطيعة مع الهيئات المهنية والفاعلين الاقتصاديين يحد من فعالية الإصلاحات المطلوبة ويؤثر سلباً على دينامية المقاولات الصغرى والمتوسطة، التي تحتاج إلى مواكبة حقيقية وإنصات ميداني مباشر.
واختتمت أشغال المائدة المستديرة بتأكيد جماعي على أن نجاح أي إصلاح حقيقي لمنظومة التكوين المستمر يظل رهيناً باعتماد مقاربة تشاركية تجمع الدولة والبرلمان والقطاع الخاص والمؤسسات المهنية والخبراء وممثلي المأجورين ومختلف الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين، بهدف إطلاق دينامية وطنية جديدة تضع الرأسمال البشري في صلب السياسات العمومية والتنموية.




