بقلم: حميد النهري، أستاذ جامعي
مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، تعود إلى الواجهة، بجهة طنجة تطوان الحسيمة، مظاهر سياسية يعتبرها متتبعون من أبرز أسباب تراجع الثقة في العمل الحزبي والمؤسساتي، في ظل ما يوصف بعودة “مهندسي الانتخابات” وامتداد منطق “الوصاية العائلية” داخل عدد من الدوائر السياسية والانتخابية.
ورغم أن الحركية التي تعرفها الأحزاب السياسية خلال الفترات السابقة للانتخابات تبقى أمرا طبيعيا يفرضه منطق التنافس الديمقراطي، إلا أن جزءا من هذا الحراك يتحول، بحسب مراقبين، إلى صراع نفوذ وتحكم في التزكيات والخريطة الانتخابية، بشكل ينعكس سلبا على صورة السياسة وعلى ثقة المواطنين في العملية الانتخابية.
ويرى الأستاذ الجامعي حميد النهري أن أخطر ما يرافق هذه المرحلة هو تنامي خطاب يوحي بأن نتائج الانتخابات ومصير بعض المدن يُحسم مسبقا داخل شبكات النفوذ والعلاقات، بدل أن يُترك لصناديق الاقتراع وإرادة الناخبين، وهو ما يساهم في تغذية الإحساس بالعزوف وفقدان الثقة في جدوى المشاركة السياسية.
وفي هذا السياق، برزت خلال السنوات الأخيرة ظاهرة ما بات يعرف بـ”مهندسي الانتخابات”، وهم أشخاص يتحركون بين عدد من الأحزاب والتنظيمات السياسية، ويقدمون أنفسهم كوسطاء أو مؤثرين في رسم التحالفات والتحكم في الترشيحات، في صورة تضعف استقلالية القرار الحزبي وتطرح تساؤلات حول تكافؤ الفرص داخل المشهد السياسي.
كما تعود، وفق المتحدث نفسه، ظاهرة “الوصاية العائلية” لتفرض نفسها في بعض المدن، حيث يتم التعامل مع مواقع التمثيل السياسي وكأنها امتداد لنفوذ عائلي متوارث، ما يؤدي إلى تهميش الكفاءات وإعادة إنتاج نفس الوجوه، بعيدا عن منطق التنافس الديمقراطي وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ويؤكد حميد النهري أن المغرب، في ظل رهانات التنمية والاستثمار وأفق 2030، بحاجة إلى مؤسسات قوية وأحزاب ذات مصداقية ونخب قادرة على التدبير والإقناع، معتبرا أن استمرار بعض الممارسات المرتبطة بالنفوذ المالي أو القرابة العائلية من شأنه أن يضعف الثقة في الحياة السياسية ويعمق الهوة بين المواطن والعمل الحزبي.
وأضاف أن دستور 2011 منح للأحزاب السياسية دورا محوريا في التأطير والتعبير عن الإرادة السياسية للمواطنين، في إطار التعددية والديمقراطية، غير أن تحقيق هذه الأهداف يظل رهينا بقدرة الأحزاب على حماية استقلالية قرارها الداخلي والقطع مع كل أشكال التحكم غير المعلن في المسار الانتخابي.
وختم الأستاذ الجامعي بالتأكيد على أن المسؤولية تبقى مشتركة بين السلطات والأحزاب السياسية والناخبين أنفسهم، داعيا إلى حماية نزاهة الانتخابات، وتعزيز تكافؤ الفرص، ورفض تحويل السياسة إلى “ميركاتو انتخابي”، لأن الخطر الحقيقي، بحسب تعبيره، لا يكمن فقط في ضعف المشاركة، بل في تحول فقدان الثقة إلى قناعة جماعية بأن التغيير لم يعد ممكنا عبر صناديق الاقتراع.




