مع كل موسم مطري، يعود الجدل حول السدود إلى الواجهة: لماذا يتم إطلاق المياه؟ هل السدود مهددة؟ وهل نحن أمام خطر فيضانات؟ أسئلة مشروعة، لكنها في الغالب تُطرح دون معرفة دقيقة بكيفية اشتغال هذه المنشآت الاستراتيجية، وبالقرارات التقنية التي تُتخذ داخلها بعيدًا عن أعين الرأي العام.
في هذا السياق، قدّم عادل أربعي، مهندس دولة في الهندسة المدنية تخصص هندسة المياه والبيئة منذ سنة 1999، توضيحات تقنية مبسطة، مستندًا إلى تجربة ميدانية امتدت لأكثر من عشر سنوات بوزارة التجهيز، حيث اشتغل في مجال تدبير واستغلال السدود، وتولى مسؤولية تسيير ومتابعة عدد من السدود بشمال المملكة.
ويؤكد أربعي أن هذه التجربة مكّنته من التعامل اليومي مع السدود في مختلف الحالات، سواء خلال فترات الجفاف أو أثناء الفيضانات، والمشاركة في اتخاذ قرارات دقيقة ترتبط مباشرة بسلامة المنشآت، وحماية الساكنة الواقعة أسفلها، وضمان استمرارية التزود بالماء.
السد… منظومة أمان قبل أن يكون خزان ماء
يوضح المهندس أن السد منشأة هندسية كبرى تُقام لتحقيق عدة أهداف، من بينها التزويد بالماء الصالح للشرب، والسقي الفلاحي، وإنتاج الطاقة الكهرومائية، إضافة إلى الحماية من الفيضانات.
غير أن السد، بحسب تعبيره، ليس مجرد جدار إسمنتي يحجز المياه، بل هو نظام متكامل يضم أجهزة متعددة، صُممت لتشتغل بانسجام تام لضمان الأمان والاستغلال السليم.
مكونات حيوية تؤمّن سلامة السد
من بين أهم هذه المكونات، يبرز المفيض، الذي يُعد عنصر الأمان الأول داخل السد. فوظيفته الأساسية هي تصريف الفيضانات الكبيرة عند ارتفاع منسوب المياه، ومنع تجاوزها لقمة السد، وهو سيناريو قد يؤدي إلى مخاطر جسيمة. ويعمل المفيض غالبًا بطريقة تلقائية، وفق منسوب المياه داخل الخزان.
كما يلعب التفريغ السفلي دورًا محوريًا في تدبير السد، إذ يوجد في أسفله ويُستعمل لتفريغ المياه جزئيًا أو كليًا عند الضرورة. ولا تقتصر أهميته على التحكم في المنسوب، بل تشمل كذلك طرد الأوحال والرسوبيات خلال فترات الفيضان. ويحذّر أربعي من أن إهمال هذا العنصر يؤدي إلى ظاهرة التوحل، التي تقلص تدريجيًا السعة التخزينية للسد وتؤثر على مردوديته.
أما مآخذ المياه، فهي قنوات مخصصة لاستغلال المياه حسب الاستعمال، سواء لماء الشرب أو إنتاج الطاقة الكهرومائية أو السقي الفلاحي، وتُنشأ على مستويات مختلفة داخل السد، لضمان جودة المياه المستعملة وفق الظروف الهيدرولوجية.
تدبير دقيق خلال الفيضانات
خلال فترات الأمطار الغزيرة، لا يُترك السد للاجتهاد أو الارتجال، بل يخضع لتدبير دقيق يعتمد على التتبع المستمر لمنسوب المياه، واستغلال التوقعات الجوية والهيدرولوجية، واتخاذ قرارات مدروسة بفتح المفيض أو التفريغ السفلي في التوقيت المناسب.
وفي هذا الإطار، تُنجز ما يُعرف بعمليات الطرد خلال الفيضانات القوية، بهدف إخراج الأوحال، وتصريف الأخشاب والحطام. وهي عمليات ضرورية للحفاظ على السعة التخزينية للسد وإطالة عمره الوظيفي.
الإطلاقات الوقائية: قرارات أمان وليست عبثًا
يشدد أربعي على أن إطلاق المياه بشكل استباقي، حتى عندما لا يكون السد ممتلئًا بالكامل، يُعد قرارًا تقنيًا وقائيًا يهدف إلى تفادي الوصول إلى السعة القصوى، وضمان هامش أمان في حالة حدوث فيضان مفاجئ، وحماية منشآت السد وقاعة الآلات.
ويحذر من أن تجاوز منسوب المياه للحد الأقصى قد يؤدي إلى صعوبات في الولوج إلى قاعة الآلات، وتعطّل أنظمة التحكم، ما يرفع خطر فقدان السيطرة على السد.
عندما تتحول المخاطر إلى واقع
في أسوأ السيناريوهات، قد يؤدي فيضان غير متحكم فيه إلى تهديد مباشر للمناطق الواقعة أسفل السد، مع ما قد ينجم عن ذلك من خسائر بشرية ومادية جسيمة. ولهذا، يؤكد المهندس أن تدبير السدود يقوم على منطق الوقاية المسبقة، لا على ردّ الفعل المتأخر.
السدود، كما يخلص عادل أربعي، ليست مجرد خزانات للمياه، بل منشآت أمان استراتيجية، تتطلب خبرة تقنية عالية، وصيانة مستمرة، وقرارات دقيقة تُتخذ في الوقت المناسب.
وما قد يبدو للبعض إطلاقًا غير مبرر للمياه، يكون في الواقع إجراءً وقائيًا هدفه الأول حماية السد، وضمان سلامة الساكنة، والحفاظ على مورد مائي حيوي.




