حمزة البوايشة باحث في سلك الدكتوراه
يطفو إلى السطح، بين الفينة والأخرى، خطابٌ سطحي يختزل علاقة المغرب بعمقه الإفريقي في سؤال مُضلِّل: ماذا استفاد المغرب من إفريقيا؟
وهو سؤال لا يكشف فقط ضعف الاطلاع على السياسة الإفريقية للمملكة، بل يعكس أيضًا جهلًا بحجم التحولات الاستراتيجية التي تشهدها هذه العلاقة، وبما تحمله من رهانات اقتصادية وجيوسياسية كبرى.
فالمغرب لا ينظر إلى إفريقيا بمنطق الريع أو المكاسب الظرفية، بل باعتبارها فضاءً استراتيجيًا للشراكة والتنمية المشتركة. ويكفي التذكير بمشروع أنبوب الغاز نيجيريا–المغرب، الذي يُعد من أضخم المشاريع الطاقية في تاريخ القارة، بكلفة تفوق 25 مليار دولار. مشروع يمتد عبر 13 دولة إفريقية، ويستهدف تزويد أزيد من 400 مليون نسمة بالطاقة، مع ما يترتب عن ذلك من إعادة تشكيل لموقع المغرب في الخريطة الطاقية الإقليمية والدولية، خاصة في علاقته بأوروبا.
هذا التوجه ليس استثناءً في العلاقات الدولية؛ فدول عديدة، مثل تركيا، استطاعت تعزيز نفوذها الطاقي ليس بفضل وفرة الموارد، بل عبر الاستثمار الذكي في الموقع الجغرافي والبنيات العابرة للحدود. والمغرب يسير في الاتجاه ذاته، مستندًا إلى رؤية بعيدة المدى لا تُقاس بنتائج آنية.
وفي السياق نفسه، يندرج مشروع الميناء الأطلسي جنوب الداخلة، بكلفة تتجاوز مليار دولار، والذي يهدف إلى ربط إفريقيا بالأسواق العالمية عبر الواجهة الأطلسية المغربية. وهو مشروع يؤسس لدور جديد للمملكة كمنصة لوجستية واقتصادية، وقنطرة بين إفريقيا وأوروبا والأمريكيتين.
أما على مستوى الاستثمار، فقد أصبح المغرب ثاني أكبر مستثمر إفريقي داخل القارة، بحجم استثمارات تجاوز 5 مليارات دولار، ما يعكس تحوّل الحضور المغربي من خطاب سياسي إلى فعل اقتصادي ملموس، قائم على شراكات طويلة الأمد.
ورغم وضوح هذه المعطيات، يواصل بعض الخطاب الإعلامي العبثي التقليل من أهمية هذه الأوراش الاستراتيجية، بل والانخراط، عن قصد أو عن جهل، في حملات تشويش تخدم أجندات معادية. وليس خافيا أن مشروع أنبوب الغاز نيجيريا–المغرب يواجه منذ سنوات محاولات عرقلة، في مقدمتها تلك الصادرة عن النظام الجزائري، الذي يرى في المشروع تهديدا مباشرا لأحد أهم أوراقه الجيوسياسية.
الأخطر في هذا السياق هو السماح بانزلاق النقاش العمومي إلى مستويات شعبوية، قد تُحوِّل حدثا رياضيا عابرا إلى أداة لإشعال التوتر وتهديد مصالح استراتيجية للدولة. فالدول لا تدار بمنطق الانفعال، ولا تصان مصالحها بالصراخ أو التحريض.
من هنا، تبرز الحاجة إلى وقفة مسؤولة، تُعيد الاعتبار للنقاش الرصين، وتفعل أدوات القانون في مواجهة خطابات الكراهية والتحريض والعنصرية، التي لا تخدم سوى خصوم الوطن. إن تدخلا واضحا وحازما من المؤسسات المعنية كفيل بضبط هذا الانفلات، وحماية الخيارات الاستراتيجية للمغرب
فالعلاقة بين المغرب وإفريقيا ليست ملفا عابرا ولا موضوعا للمزايدات، بل رهانا استراتيجيا طويل النفس، يستوجب الوعي، والمسؤولية، والحد الأدنى من الحس الوطني.




