احتضنت طنجة عدة مباريات ضمن منافسات نهائيات كأس أمم إفريقيا 2025، منذ دور المجموعات إلى غاية نصف النهائي، في تجربة تنظيمية وُصفت بالإيجابية إجمالاً، أكدت قدرة المدينة على استضافة تظاهرات كروية كبرى، مع تسجيل ملاحظات عملية تُعدّ فرصاً للتحسين في أفق الاستحقاقات المقبلة، وفي مقدمتها كأس العالم 2030.
وبحسب معطيات ميدانية رافقت مختلف مراحل التنظيم، لم تسجّل الاتحاد الإفريقي لكرة القدم ملاحظات جوهرية تمسّ جوهر التنظيم أو احترام دفاتر التحملات، حيث تم اعتماد اجتماعات يومية للتقييم، ترى من خلالها مختلف المتدخلين مواطن القوة والاختلالات الآنية، بما سمح بتداركها في وقتها والحفاظ على نسق تنظيمي مستقر.
تنظيم محكم وخدمات أساسية متوفرة
تميّزت التجربة التنظيمية بقدر من الانضباط داخل الملعب ومحيطه، مع توفير الخدمات الأساسية الضرورية، واعتماد منظومة لوجستية لتأمين نحو 1000 وجبة يومياً لفائدة المتدخلين والفرق العاملة، وهو ما ساهم في ضمان استمرارية العمل الميداني دون ارتباك.
كما أبانت المدينة عن قدرة على تدبير الحشود داخل الملعب، واحترام المساطر الأمنية والتنظيمية المعمول بها قارياً، ما جعل التقييم العام للتنظيم إيجابياً، بل واعتبر عدد من المتتبعين أن طنجة ضاهت الرباط من حيث جودة التنظيم خلال المباريات المحتضنة.
وعرفت الأمور الأمنية نجاحاً لافتاً، حيث لم تُسجَّل أي ملاحظات أو اختلالات تُذكر خلال فترة احتضان المباريات، بفضل التنسيق المحكم بين مختلف المصالح الأمنية والسلطات المحلية، واعتماد مخطط أمني استباقي شمل محيط الملعب، ومسارات تنقل الفرق والجماهير، ونقاط الولوج. وأسهم هذا التدبير في ضمان انسيابية الدخول والخروج، والحفاظ على النظام العام، وتوفير أجواء آمنة عكست جاهزية المدينة لاحتضان تظاهرات رياضية كبرى.
ملاحظات ميدانية قابلة للتطوير
ورغم هذا النجاح، سُجّلت بعض الملاحظات العملية التي تهم بالأساس البنيات المواكِبة. وفي مقدمتها الحاجة إلى نقل عمومي أسرع وأكثر وتيرة في أوقات الذروة، خاصة قبل انطلاق المباريات وبعد نهايتها، حيث ظل النقل يشكّل نقطة ضغط رغم التحسن النسبي مقارنة بتجارب سابقة.
كما طُرح إشكال مواقف السيارات (الباركينغ) بمحيط الملعب، التي لم تُستغل بالشكل الأمثل من طرف الجماهير، إلى جانب غياب عرض كافٍ من المطاعم المتوسطة والفاخرة قرب المركب الرياضي، وهو ما يدفع إلى التفكير في إحداث فضاءات تجارية وخدماتية مهيكلة، من قبيل مجمّعات (مولات) تضم عروضاً غذائية متنوعة.
وفي الجانب الرقمي، طُرحت ضرورة تطوير حلول رقمية ذكية، من قبيل تطبيقات آنية للمعلومات حول النقل، المواقف، الولوج، والمواعيد.
كما أشار متتبعون إلى أهمية توسيع قاعدة المتطوعين المؤهلين لغوياً وتنظيمياً، وتأطيرهم بشكل احترافي، لما لذلك من دور حاسم في استقبال الجماهير الدولية وتوجيهها.
وسجّل متتبعون أيضاً محدودية الطاقة الفندقية بمحيط الملعب والمطار، خصوصاً لفائدة المنظمين والوفود التقنية، ما يستدعي تعزيز العرض الإيوائي في هذه المناطق مستقبلاً.
كما يبرز، في أفق إنجاح مونديال 2030، رهان التعريف بالثقافة الشمالية والهوية الطنجاوية كعنصر مكمّل للتنظيم الرياضي، عبر إبراز الخصوصيات الثقافية والتاريخية للمدينة، من موسيقى وفنون وطبخ محلي وتراث معماري، وإدماجها في فضاءات الاستقبال ومناطق المشجعين والأنشطة الموازية، بما يعزّز صورة طنجة كوجهة حضرية ذات عمق ثقافي متنوع.
وعلى مستوى النقل الحضري، تُطرح حاجة ملحّة لحسم وطني نهائي في موضوع النقل عبر التطبيقات الذكية، بما يضمن تأطيراً قانونياً واضحاً يوفّق بين متطلبات السلامة وجودة الخدمة وحقوق المهنيين، خاصة خلال التظاهرات الكبرى التي تعرف ضغطاً استثنائياً على وسائل النقل.
وفي السياق ذاته، يُنتظر أن يشكّل مشروع القطار الجديد الرابط بين محطة القطار وسط المدينة ومطار طنجة الدولي إضافة نوعية للبنية التحتية، من شأنها تحسين انسيابية التنقل، وتسهيل حركة الوفود والجماهير، وتقليص الاعتماد على النقل الطرقي في أوقات الذروة.
كما تبرز ضرورة إيجاد حل عملي لتنظيم أو منع تنقّل سيارات نقل العمال وسط المدينة خلال فترات الضغط، لما تسببه من اختناق مروري، وذلك عبر توجيهها نحو مسارات بديلة أو توقيتات مضبوطة تراعي خصوصية التظاهرات الدولية.
وأخيراً، يدعو متتبعون إلى استغلال أفضل للطرقات المدارية المحيطة بطنجة، مع تعزيز التشوير الطرقي الواضح والمؤشّر عليها بشكل أفضل، قصد تشجيع أصحاب السيارات العابرة والمتوجهة نحو مدن أخرى على استعمال هذه المحاور، بما يخفف الضغط عن قلب المدينة ويُحسّن سلاسة حركة السير خلال الفعاليات الكبرى.
الملعب كرافعة اقتصادية
وفي سياق التفكير في الاستدامة، برزت مقترحات تدعو إلى استغلال الملعب كمرفق مدرّ للدخل بشكل دائم أو مؤقت، عبر احتضان مطاعم ومقاهٍ معروفة داخل محيطه، وفتح محلات رسمية لبيع الأقمصة والمنتجات الرياضية، خاصة في أيام المباريات، إضافة إلى برمجة أنشطة رياضية وترفيهية موازية تعزز جاذبية الفضاء وتضمن موارد إضافية.
استعداد للمستقبل
قدّمت طنجة، من خلال استضافتها مباريات المنتخب السنغالي من دور المجموعات إلى نصف النهائي، نموذجاً تنظيمياً إيجابياً دون تسجيل اختلالات جوهرية من طرف الكاف. غير أن تجاوز إكراهات النقل، والباركينغ، والعرض الفندقي والغذائي، وتفعيل الاستثمار الذكي للمرافق الرياضية، يظل رهاناً أساسياً لرفع جاهزية المدينة، ليس فقط لمونديال 2030، بل لمختلف التظاهرات الرياضية الكبرى التي تتطلع المملكة إلى احتضانها، خاصة في ظل توجه المغرب على خلق شركات جهوية لتدبير المرافق الرياضية التي ستعطى لها الصلاحية في تفعيل عدد من هذه المقترحات.




