تحقيق معاد صياغته بالاستناد إلى مادة منشورة في موقع «هوامش» بدعم من شبكة «إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية (أريج)»، مع الإحالة الكاملة إلى معطياته ووثائقه.
يكشف هذا التحقيق عن وجود شبكة منظَّمة من الحسابات الوهمية على فيسبوك، تنشط منذ أكثر من أربع سنوات للتأثير في الرأي العام بالمغرب، وتوجيه النقاش السياسي والانتخابي عبر حملات رقمية منسَّقة تستهدف خصوم حزب رئيس الحكومة عزيز أخنوش، وتعمل على تضخيم سرديات داعمة للحزب المتزعم للأغلبية الحكومية، أحياناً بواسطة محتوى مُضلِّل أو مجتزأ من سياقه.
من تعليق واحد إلى شبكة منسّقة
انطلقت شرارة التحقيق من جملة وحيدة وردت في تعليق على خبر سياسي، قبل أن يلاحظ معدّ التحقيق تكرارها بالحرف نفسه عشرات المرّات، لكن بأسماء وصور مختلفة. هذا التكرار كشف خيوط شبكة رقمية تتعمّد خلق “نقاشات” مصطنعة ورفع محتوى معين إلى الواجهة وسط ضجيج افتراضي محسوب، بحيث لا يبدو الأمر كحملة منظمة بل كـ“رأي عام تلقائي”.
على امتداد أشهر، جرى تتبع كمّ كبير من البيانات، ليتبيّن وجود شبكة تضم أكثر من 140 حساباً (معظمها وهمي) تدّعي أنّها لمواطنين مغاربة، وتنسّق فيما بينها لشنّ حملات تستهدف الانتخابات، وتهاجم شخصيات وأحزاباً بعينها، وتنفخ في صورة الأداء الحكومي والحزب القائد للأغلبية، مع استعمال صور وأسماء أشخاص حقيقيين دون علمهم.
“المحشّشين”.. مقطع مجتزأ يتحوّل إلى أداة تعبئة
في 20 أبريل 2024، وأثناء مهرجان خطابي في إطار انتخابات برلمانية جزئية بدائرة فاس الجنوبية، استعمل عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية ورئيس الحكومة السابق، كلمة “المحششين” في سياق حديثه عن الاختيار الخاطئ بين بديلين. الخطاب كاملاً بُث على القناة الرسمية للحزب في يوتيوب، ودام نحو 41 دقيقة، بينما وردت العبارة المثيرة للجدل في الدقيقة 37:54 كجزء من جملة أطول حول المفاضلة بين خيارين.
بحسب التحقيق، جرى في اليوم الموالي تقطيع المقطع الأصلي وتجميع أجزاء منه في فيديو قصير من 42 ثانية يركّز تقريباً على عبارة “جميعكم محششين”، ويُخرِجها من سياقها، قبل أن ينشره كاتب الدولة المكلف بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، لحسن السعدي، القيادي في حزب الأغلبية، على صفحته الرسمية.
يوم 21 أبريل 2024، عند 11:50 صباحاً، بدأت حملة رقمية منسقة لتوسيع انتشار الفيديو، انطلقت من حساب باسم Fatine Sabrine، الذي شارك المقطع في مجموعات خاصة بالحزب وأخرى لسكان فاس، ثم تولّت حسابات أخرى – كثير منها وهمية – إعادة نشره، مرفوقاً بتعليقات تسيء لبنكيران وتنعته بالمجنون و“الحلايقي”.
بالتوازي، ومن 17 إلى 22 أبريل، تحركت حسابات أخرى مرتبطة بالشبكة ذاتها لتضخيم منشورات الحملة الانتخابية لمرشح التجمع الوطني للأحرار خالد العجلي. وفي 24 أبريل أُعلنت النتائج، ليفوز العجلي بمقعد في مجلس النواب بـ 9767 صوتاً، بينما حل مرشح العدالة والتنمية ثانياً بـ 3854 صوتاً.
حسابات بهويات مسروقة وسلوك غير طبيعي
يرصد التحقيق مثال حساب يحمل اسم Nawfal Aytdouch يقدّم نفسه كتاجر من تطوان، ويضع صورة شاب عشريني بشعر أسود، ولديه 63 صديقاً فقط، بينهم حسابات من دول آسيوية وعربية. لا وجود تقريباً لأي نشاط شخصي طبيعي: بعض الصور العامة المأخوذة من الإنترنت، ومنشورات محدودة، مقابل نشاط مكثف في التعليق على أخبار الحزب المتزعم للأغلبية، والحملة ضد خصومه، وانتقاد الإضرابات والتحقيقات في ملف المحروقات… باستخدام نصوص مكررة حرفياً وبصورة شبه يومية.
من خلال تتبع هذه النصوص، توصّل التحقيق إلى شبكة مترابطة من الحسابات الوهمية، يتكرر فيها حضور حساب Fatine Sabrine بشكل بارز، ويتضح أن التعليقات معدة مسبقاً وتُنشر بطريقة “نسخ–لصق” على مدى أربع سنوات تقريباً.
بين يناير 2022 وغشت 2025، تم تحليل 529 منشوراً تداوَلتها هذه الحسابات بنصوص دعائية متطابقة، لتظهر شبكة من 143 حساباً تعمل بمنطق “الدعاية الحسابية” (Computational Propaganda) عبر صفحات الحزب الحاكم والصحف الإلكترونية.
كما وثّق التحقيق استعمال صور مسروقة من مواقع بيع الملابس، وصور مشاهير أو أشخاص من دول أخرى، وإعادة توظيفها كصور بروفايل لخلق هويات رقمية مقنعة. من بين هذه الحالات حساب باسم Issam Lbhri استعمل صورة الباحث في الإعلام والاتصال وليد شرو من مدينة بني ملال دون علمه، ما أثار لديه صدمة ومخاوف مهنية وشخصية، رغم محاولاته المتكررة لإبلاغ شركة “ميتا” وحثّ أصدقائه على التبليغ، من دون نتيجة تُذكر بحجة أن حسابه الأصلي غير موثّق.
تضليل في موضوع أسعار اللحوم
وثّق التحقيق أيضاً منشورات وصفها بـ“المضلّلة”، نشرتها شبكة الحسابات نفسها في 24 شتنبر 2024 حول تراجع أسعار اللحوم الحمراء، مستندة إلى صور لبطاقات أسعار، وزعمت أن إعفاء مستوردي الأبقار والأغنام من الضرائب أدى إلى انخفاض السعر إلى 74 درهماً للبقري و82 درهماً للغنمي.
غير أن مراجعة أرشيف الصفحة الرسمية لمجازر الدار البيضاء، والتدقيق في أسعار الجملة بين 27 مارس 2024 ونهاية السنة، أظهرت – بحسب التحقيق – أن الأسعار لم تهبط إلى مستويات أقل من 100 درهم للكيلوغرام، بل إن سعر لحم البقر واصل الارتفاع، ما يجعل تلك الادعاءات مناقضة للمعطيات الرسمية.
من حملة 2021 إلى مقاطعة طلبة الطب
تَتبُّعُ المعطيات أعاد الباحثين أيضاً إلى الحملة التشريعية في شتنبر 2021 التي تصدرها حزب التجمع الوطني للأحرار. خلال تلك الفترة، رُصدت تعليقات دعائية متطابقة تُنشر على صفحات الحزب والصحف، من قبيل: “حزب الأحرار يتبع منهجية جد رائعة نحن على املا كبيرا بأن حزب الحمامة سيحقق نجاحا راائعا”
بتتبّع هذا النص، تبين أنه نُشر بالصيغة نفسها (مع الأخطاء ذاتها) من حسابات مختلفة، منها Fatine Sabrine وFatima Chauki وZoubida Amhzoune، وتكرر خلال ستة أشهر على منصات متعددة.
نمط مشابه تكرّر في تعليق آخر يمتدح الحكومة الحالية رغم الانتقادات، وتناوبت ثمانية حسابات وهمية على نسخه ولصقه بين أواخر 2024 ومنتصف 2025، في منشورات لصفحات حزبية وقنوات ومنصات إخبارية.
وخلال نقاش مقاطعة طلبة الطب والصيدلة للامتحانات في يونيو 2024، قام التحقيق بتحليل التعليقات على 19 منشوراً لصحف إلكترونية مغربية كبرى، ليخلص إلى أن أكثر من 62% من التعليقات تعود لحسابات وهمية تقريباً. على مدى يومين (25 و26 يونيو)، نشطت مجموعة تضم 60 حساباً وهمياً للدفاع عن مقولة أن الطلبة “متمردون” وأن عليهم “العودة إلى المدرجات”، في خطاب متكرر ومتشابه الصياغة.
كيف تُدار العملية رقمياً؟
بفحص عينة من 598 منشوراً، يتبين – وفق التحقيق – وجود سرعة في النشر يصعب نسبها لمستخدمين عاديين؛ فبعض الحسابات نشرت التعليق نفسه على أربع صفحات مختلفة خلال دقيقة واحدة فقط. كما كشفت المعطيات عن توزيع الشبكة في شكل عناقيد: كل عنقود يضم عدداً من الحسابات يتناوب أعضاؤه على نشر قائمة من النصوص المحددة، بحيث لا يتكرر التعليق ذاته من حسابَين تحت المنشور الواحد، لكن يتم تكراره على نطاق واسع عبر صفحات متعددة.
ثغرة قانونية واستغلال سياسي
يقول المحامي ورئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام محمد الغلوسي إن الأحزاب بدأت منذ انتخابات 2021 باستغلال فراغ تشريعي في هذا المجال، عبر توظيف حسابات وهمية ممولة للدعاية الانتخابية. ويوضح أن القانون المغربي لا يستهدف “الحساب الوهمي” في حد ذاته، بقدر ما يتعامل مع المحتوى غير القانوني (التحريض، الأخبار الزائفة، المسّ بالحياة الخاصة،…)، وأن تدخل النيابة العامة والقضاء يحصل عندما تُرتكب أفعال مجرّمة، أما إنشاء حساب وهمي لخدمة دعاية انتخابية فليس محدداً بشكل صريح في النصوص الحالية.
ورغم أن القوانين المنظمة للانتخابات (57.11 و27.11 و20.16) تتضمن مقتضيات تعاقب على استعمال الأخبار الكاذبة وطرق التدليس للتأثير على تصويت الناخبين، فإن التحقيق يلفت إلى غياب نصوص واضحة تخص شبكات الحسابات الوهمية أو اللجوء إلى شركات خاصة لتسيير “جيوش رقمية” تعمل على تضخيم منشورات معينة بشكل منظم.
في 20 أكتوبر 2025، صادق مجلس الحكومة على مشروع القانون 53.25 المعدِّل للقانون التنظيمي 27.11، الذي يعاقب على نشر إعلانات سياسية ممولة على منصات أجنبية بمبالغ مالية تصل إلى 100 ألف درهم، كما أدرج مشروع قانون 55.25 شبكات التواصل والذكاء الاصطناعي ضمن تعريف عمليات استطلاع الرأي، ومنع استخدامها خلال الـ15 يوماً السابقة للاقتراع. غير أن هذه التعديلات، وفق التحقيق، لا تزال لا تعالج مباشرةً قضية “الفرق الرقمية” أو الحسابات الوهمية المنسَّقة.
ميتا.. بين القواعد المكتوبة والواقع العملي
تؤكد سياسة شركة ميتا (فيسبوك) أنها لا تسمح بتزييف الهوية أو استخدام حسابات مزيفة، وتعتبر “السلوك الزائف المنظم” و“التوزيع غير الأصيل للمحتوى” ممارسات محظورة. لكن التحقيق يشير إلى أن الشبكة التي تتبعها ظلت تنشط لقرابة خمس سنوات من دون أن تُرصد أو تُحظَر بشكل ممنهج، رغم لجوئها إلى نصوص معدة مسبقاً، وسلوك حسابات منسق وانتحال هويات رقمية.
ويذكّر التحقيق بتقرير سابق لميتا سنة 2021، أعلنت فيه حذف 385 حساباً و6 صفحات تنشط من المغرب وتستهدف جمهوراً محلياً باعتماد حسابات مزيفة، ما يبرز أن الشركة تدرك وجود هذا النوع من النشاط، لكن تطبيق سياساتها يظل انتقائياً أو محدود الفعالية.
سوق عالمية للدعاية الرقمية
يستند التحقيق أيضاً إلى تقرير معهد الإنترنت بجامعة أكسفورد الصادر عام 2020، الذي أشار إلى ظهور أكثر من 65 شركة حول العالم تقدّم “خدمات التلاعب المعلوماتي” كمنتَج تجاري لجهات سياسية، وإلى رصد نشاط “قوات سيبرانية” في 81 دولة تعمل لصالح حكومات وأحزاب وفواعل مختلفة لنشر الدعاية السياسية عبر الإنترنت، مستعينة بحسابات حقيقية أو مزيفة، آلية أو بشرية، لتضخيم روايات بعينها وتعتيم روايات أخرى.
غياب الردود
عملاً بحقّ الرد، أفاد التحقيق أنه راسل مراراً الأمين العام لحزب التجمع الوطني للأحرار، ورئيس الحكومة عزيز أخنوش، عبر البريد الإلكتروني الرسمي للحزب، وبريد مضمون، وحاول التواصل هاتفياً من دون تلقي جواب. الأمر نفسه انسحب على كاتب الدولة لحسن السعدي، ومرشح الحزب بفاس الجنوبية خالد العجلي، وكذلك على شركة ميتا، التي لم تصل منها أي إجابة حتى تاريخ نشر التحقيق.










