هدى المساوي
فلسطين ليست مجرد اسم على خارطة، ولا قضية تُختصر في مؤتمر أو قرار أممي. إنها الجرح الذي يسكن صدورنا جميعًا، الجرح الأزلي الذي ورثناه كما ورثنا أسماءنا وذاكرتنا. هي الأرض التي تنبض رغم القيود، والشعب الذي تعلم أن يزرع في الركام أملًا، وأن يبحث بين الرماد عن بقايا حياة. فلسطين هي المرآة التي تعكس هشاشتنا الإنسانية، وصوت الحقيقة الذي يجلجل في صمت عالم اعتاد أن يغض الطرف عن الألم.
⸻
الجرح اليومي
لقد أصبحنا نخجل من تفاصيلنا الصغيرة؛ من فنجان القهوة الذي يدفئ صباحنا، ومن صحن الشربة الذي نتهاون فيه، ومن ضحكاتٍ تتسلل إلى وجوهنا بلا استئذان. كيف لا نخجل، وهناك من يبحث بين الركام عن لقمة لطفله، ومن يقتسم معاناة العطش تحت حصارٍ يخنق الأنفاس؟ نحن نغرق في طمأنينة لم نخترها، بينما تُسلب الطمأنينة قسرًا من قلوبهم. نعيش كأن شيئًا لم يكن، وهم يعيشون كل شيء وكأن القيامة قد قامت عليهم وحدهم.
⸻
موت بلا وداع
حتى موتانا، أولئك الذين نودعهم بين الأهل والأحبة، نراهم يرحلون في نعيمٍ وراحة، يُشيَّعون بالدعوات وتُقرأ لهم الفاتحة. أما هناك، في فلسطين، فالموت يصبح رفاهية نادرة؛ فكم من شهيد يموت وحيدًا تحت الأنقاض، لا يسمع أنينه أحد، وكم من جسد يذوب في العدم فلا يجد من يودعه أو يضع عليه وردة! أي فاجعة أعظم من أن يصبح الموت نفسه حلمًا بعيد المنال؟
⸻
أمل لا يموت
فلسطين ليست مجرد أرض، بل هي درسٌ في الصمود، وزهرة برية تنبت بين الصخور، ونداء لا ينطفئ مهما طال الصمت. كل حجر هناك يحكي حكاية، وكل دمعة تسيل على خد طفل تصبح عهدًا جديدًا بأن هذا الوجع لن يضيع هباءً. فلسطين هي الجرح، نعم، لكنها أيضًا الكبرياء الذي لا ينكسر، والحلم الذي لا يُمحى، والذاكرة التي تبقى عصيّة على النسيان مهما تعاقبت الأزمنة وتبدّلت الوجوه.
⸻
صوت الواجب
وليس كافيًا أن نقرأ عن فلسطين، أو أن نشعر بالحزن تجاه ما يحدث هناك. الواجب علينا أن يتحول إلى فعل، إلى وعي حي يترجم الألم إلى دعم حقيقي، وإلى صوتٍ لا يهدأ في الدفاع عن الحق. كل كلمة نكتبها، وكل مشاركة نرفعها، وكل جهد نبذله لنشر الحقيقة، هو حجر صغير نبنيه في جدار العدالة الذي لا بد أن يقام يومًا. فلسطين تحتاجنا ليس كمتفرجين، بل كأحرار يحملون رسالتها ويؤكدون أن العالم لن ينسى، وأن الظلم مهما طال لن يكون أقوى من إرادة الحق.
⸻
وعد الفجر
إنها الجرح الأزلي، لكنها كذلك الأمل الأزلي بأن الحق، وإن تأخر، لا بد أن ينتصر، وأن الفجر، مهما طال الليل، سيشرق من جديد على القدس وأرض فلسطين.
فلسطين ليست بعيدة عنا، فهي في قلب كل إنسان يتوق للعدالة، وفي كل دمعة حقيقية تُسقط من أجل الحرية. ومع كل فنجان قهوة نتناوله بلا شعور، ومع كل يوم نعيشه في أمان، يجب أن نتذكر أنهم هناك، يصرون على الحياة رغم كل الجراح. فلسطين، قلبٌ ينزف وأملٌ لا يموت، وصوت الواجب الذي لا ينتهي.