مقالات الرأي

تواصل وإعلام الأزمات: المنشآت الاقتصادية بالمغرب أمام حملات المقاطعة

عبد اللطيف بن صفية
أستاذ باحث بالمعهد العالي للإعلام والاتصال بالرباط
مقدمة : تروم الدراسة تحليل وتقييم السلوك التواصلي والإعلامي لثلاث منشآت اقتصادية كبرى بالمغرب تعرضت بشكل مثير ومفاجئ لأزمة حادة إثر المقاطعة الواسعة لمنتجاتها الاستهلاكية من قبل المواطنين. حيث تراجعت بشكل مهول أرقام معاملاتها وتدهور صيتها. فلم يكن يخطر على أحد أن حملة مقاطعة المنتجات التجارية التي أطلقت بالمغرب عبر شبكات التواصل الاجتماعي في شهر أبريل 2018، والتي تستمر تداعياتها إلى اليوم، ستعصف بوحدات إنتاجية عملاقة تمتلكها شخصيات وجهات نافذة. يتعلق الأمر بمواد الحليب ومشتقاته “سنطرال دانون”؛ ومواد البنزين الموزعة بمحطات شركة “أفريقيا”؛ و منتج الماء المعدني “سيدي علي/ولماس”.
نتائج حملة المقاطعة مست ميادين حيوية بالبلاد جراء آثارها المتنوعة : اقتصاديا بتعطيلها لأقطاب صناعية وتجارية تشكل عصب الاقتصاد المغربي ؛ ثم اجتماعيا بوضعها عددا كبيرا من العاملين في تلك القطاعات الإنتاجية على مشارف البطالة مما هدد السلم الاجتماعي ؛ وكذلك سياسيا بفرضها على الحكومة وضعية غير مريحة حيث وجدت نفسها وجها لوجه أمام مواطنين غاضبين، بفعل موقفها اللامبالي من الحملة وكذا الخرجات الإعلامية المستفزة لبعض مسؤولي الشركات المعنية وحتى لوزراء مساندين لها.هذه الوضعية الحرجة التي يعيشها المجتمع ومعه الرأي العام المغربي، انطلقت كشكل احتجاجي شعبي على غلاء تلك المواد وعلى الاحتكار وعدم احتكام قواعد المنافسة، قوبلت بردود تواصلية وإعلامية كان من المفترض أن تمتص غضب المحتجين، لكن نتائجها جاءت عكسية.
وهذا يجعلنا نتساءل هنا عن فاعلية إدارة العلاقة التواصلية والإعلامية مع المستهلكين ومع الرأي العام، وبالتالي نُسائل في العمق، انطلاقا من هذه الحالة العينية بالمغرب، نجاعة إستراتيجيات التواصل والإعلام للمنشآت الاقتصادية في فترات الأزمات وفي زمن المعلومات الرقمية، بالاستناد إلى منهجية الرصد والتحليل للوقائع والتقييم المعتمد علميا وتقنيا ومهنيا في مجال التخطيط الاستراتيجي التواصلي والإعلامي. وعليه ستسلك هذه المقاربة العناصر التالية : أولا، استحضار الأزمات في التخطيط الاستراتيجي التواصلي والإعلامي وعرض مواصفاته العلمية والمهنية. ثانيا، إبراز تداعيات أزمة “مقاطعة المنتجات الاستهلاكية” وكيف أن السلطة الخامسة قادت الاحتجاج الشعبي. ثالثا، تقييم الأداء التواصلي والإعلامي للمنشآت المغربية الثلاث من خلال تمرينها في إدارة أزمة “المقاطعة”، مع تقديم استنتاجات و توصيات.
أولا: استحضار الأزمات في التخطيط الاستراتيجي التواصلي والإعلامي : مواصفات علمية ومهنية
تؤكد الوقائع في كل مكان وعلى مستويات عدة أن المنظمات بالأخص الاقتصادية منها لا تنتبه إلى أهمية و جدوى التواصل والإعلام إلا حينما تتعرض للأزمات. وذلك على الرغم من كون الأزمات هي فترات مرتبطة عضويا بالفعل المنظم، لدرجة أنه لا يمكن التغاضي عنها في ثقافة التدبير والإدارة الاستراتيجية. مما يستوجب منطقيا استحضار هاجس الأزمة باستمرار في إدارة المنظمات مهما اختلف نشاطها.
1. الأزمات، فترات مقدرة على المنظمات :
يشير مصطلح “أزمة” إلى فكرة الاختلال، أو حالة عدم التوازن العميق أو الاضطراب (الاقتصادي، السياسي، المناخى …). ويعرف أوطو ليربينغر الأزمة على أنها “حدث غير متوقع يعرض سمعة و نشاط المنظمة للخطر” . كما تعد الأزمة المرحلة النهائية لسلسلة من الاختلالات الوظيفية تؤدي بالمنظمة إلى حالة من الاضطراب وهي تواجه عددا من المخاطر. وهو وضع ناجم عن عطب أو حادث أو كارثة غير منتظرة وغير متحكم فيها. يتم تحديد الأزمات من حيث صفتها الموضوعية أو الذاتية، أو طبيعتها التقنية أو السياسة، أو مصدرها الداخلي أو الخارجي .
إن خمسة أخطاء قد تهدد المنظمة التي تواجه حالة أزمة، وهي :
1. أن تبقى المنظمة مشدوهة ومندهشة مما يقع أمامها من أحداث نظرا لحجمها وتداعياتها.
2. عدم إحساس المنظمة وكشفها في وقت مبكر لوضعية الأزمة التي تصيبها.
3. أن تتحرك المنظمة بشكل متأخر وتعلن ردها بعد فوات الأوان.
4. أن لا تعترف بالمسؤولية والتقليل من دور الجهات الخارجية من خلال تبني موقف جامد ومنغلق.
5. أن تتخلى المنظمة عن تواصلها الذاتي وتعتمد منطق الكشف أو الإفشاء.
يمكن ضبط أربعة مراحل تميز دورة الأزمات : أولا، مرحلة التشكل : سلسلة من الاختلالات والأخطاء المتتابعة. وهي إشارات قوية ينبغي أخذها بعين الاعتبار واستباقها لتقليل الأضرار. ثانيا، مرحلة التعقيد : حينما تصبح موضوعا تتداوله وسائل الإعلام، يجب آنذاك الاهتمام بما يرد في تلك الوسائل والبحث عن سبل التفاعل معها. ثالثا، مرحلة الاستدامة : يركز الإعلام على الأزمة التي يتناولها كباقي قضايا الساعة الأخرى. هذه القضايا أو الأحداث المتزامنة، بالنظر إلى أهميتها، قد تدير اهتمام الإعلام عن الأزمة. رابعا، مرحلة التعافي : حيث تنتهي دورة فترة الأزمة : انخفاض تدريجي في اهتمام الإعلام. ولكن في هذه المرحلة ، يجب على المسؤول الأول أن يظل يقظا وأن يصون علاقاته مع وسائل الإعلام .
تستدعي مواجهة الأزمات تبني تدابير منظمة ومتسلسلة تتجلى في الخطوات التالية :
• تحليل المخاطر : يجب على المسؤول الأول تقييم المخاطر الرئيسية وإيجاد الإجراءات لمواجهتها. لأن الخطر ليس هو احتمال وقوع حدث ولكن هو وقوع حدث معين.
• الوقاية : الهدف من الوقاية هو استشعار حدوث واقعة تكون مصدر الأزمات، وذلك من خلال تنفيذ التدابير المناسبة.
• الاستشعار: هو تحديد الخطر وضبط مكامنه. ثم توقع الحد الزمني الذي يمكن لذلك الخطر أن يؤثر على وسط ما (ساكنة أو فضاء معين…).
• الحماية : تقليل حدة الواقعة/الحدث/الأزمة. حيث تتم دراسة التدابير الوقائية ونشرها مسبقًا، وهي معدة للتقليل من وقع وتأثير الأزمة.
حينما تتعرض المنظمة لحادث بمثابة مصدر لأزمة، سيتحتم عليها مواجهة التأثيرات والتبعات المختلفة المترتبة والتي يحتمل أن تتطور. بحيث ينتظر أن تتخذ قرارات مناسبة على مستويين اثنين : يتعلق الأول بنمط الحوكمة الإدارية، فيما يخص الثاني أسلوب التواصل الملائم. وعليه، فتدبير الأزمة بقدر ما يركز على العمل الاستباقي والتدخل الآني، فهو يأخذ بعين الاعتبار العناصر الثلاثة التالية :
 الفعل والقرار : في مواجهة حالات طارئة يجب النظر بسرعة إلى الأولويات الإجرائية والقرارات الأكثر ملاءمة للظروف.
 التنظيم : على المسؤولين التحلي بالهدوء وبالقدرة على تنظيم الجهود المختلفة للمتدخلين المعنيين والتنسيق فيما بينها.
 التواصل : وهو عنصر أساسي للتنبيه ، والإخبار، والحفاظ على ثقة الجمهور.
2. تواصل المنظمات في فترات الأزمة : فعل التحكم في تداول المعلومات والخطابات
تتطلب الأزمة اتخاذ قرار، والقيام بإجراءات للخروج منها. كما أنها تجبر على تبني نظام للحكامة يسمح بالعودة إلى الحياة الطبيعية للمنظمة، وهو ما تعنيه” إدارة الأزمات”.. هذه الأخير تصبح مثار مساءلة من قبل عدد من الفاعلين والشركاء، مثل : السلطات العمومية، والجمعيات المهنية، وجمعيات المستهلكين، ووسائل الإعلام/الرأي العام… .كما تثير الأزمة قضايا ورهانات ملحة على المنظمة، من قبيل : صورتها و رقم معاملاتها، وتحفيز العاملين بها، ومصداقيتها، وكذا الوثوق بها…
في كل الحالات، يعتبر التواصل في فترات الأزمة وسيلة دفاعية تستعملها المنظمة في الواجهة. لكن طبيعة التواصل في هذه الحالة يكتسي طابعا خاصا ويقتضي نهجا متميزا لما يكون عليه الأمر خارج فترات الأزمة، نظرا للاعتبارات التالية :
– تواصل الأزمة هو تواصل استثنائي وتواصل تحت الضغط : مرتبط بوضعية معقدة، تتميز بجمود العقليات وارتباك وتوثر ردود الفعل. بحيث تتعاظم أهمية وحمولة الرهانات ويرتفع إيقاع الزمن فتتحول الحالة إلى أمر طارئ واستعجالي يصاحبه كثير من الشكوك والعشوائية.
– زيادة الرهان على المعلومات والطلب عليها : الأزمة تستدعي المعلومات حول ما يقع، ويتدخل في مجرياتها فاعلون ومخاطبون جدد يثقلون عمل القنوات التواصلية المعتادة.
– تنامي الاهتمام الإعلامي : الأزمة كحدث أساسي من قضايا الساعة تصبح بالضرورة موضوعا للإعلام بمختلف أصنافه واتجاهاته. حيث تتعدد وتتنوع معالجاته لها، أحيانا في غياب معلومات دقيقة، يعمق التساؤلات ويؤجج الاضطرابات وسط الرأي العام بخصوص جوانب الأزمة.
– توسيع مجال الشائعات : حيث يصبح الجهد مركز على وضع المعلومات في مواجهة الشائعات، وبالتالي على اختيار أحد أسلوبي التواصل من أثنين : إما الصمت أو التواصل الكلي.
– استباق الأزمات، استشعار وإعداد قبلي لسيناريو الأزمة : وضع إستراتيجية استباقية بجعل الاستعداد الاحتياطي المتضمن سلفا في وثيقة معروفة لدى المسؤولين الأساسيين للمنظمة. وذلك بالتخطيط وإضفاء الطابع الرسمي على عدة المعلومات والجذاذات وعلى الشركاء الواجب لاتصال بهم. اعتماد أسلوب تواصلي محكم بتداول معلومات سريعة ودقيقة ومتسقة، وتكييفها مع رسالة الطمأنة. منطق الاستشعار والاستباق يجعل هاجس الأزمة يحضر بقوة في التخطيط الاستراتيجي التواصلي والإعلامي للمنظمات خلال الفترات العادية.
وعليه تلجأ المنظمات إلى استحضار تقنيات الفعل الاستراتيجي في إدارة التواصل خلال الأزمات بغية التحكم في المعلومات والتحكم في الرسائل. وذلك عن طريق إعداد إستراتيجية الرد التي يحرص الخبراء ضمنها أن تكون ردود الفعل سريعة، بتقديم معلومات واقعية وفورية للجهات المستهدفة التي تم ضبطها بعناية، مع تحديد وجهة للأزمة. ثم تدبير القلق والخوف، والسيطرة على التواصل (خطاب وعدة). مع توزيع المهام بين الكفاءات الداخلية والموارد الخارجية للمنظمة. من الناحية الإجرائية، يعهد لخلية الأزمة والفريق التقني المرافق لها معالجة المعلومات في أوقاتها دون انتظار ولا مماطلة ؛ السهر على تماسك خطابات وقنوات التواصل للمنظمة ؛اعتماد صيغة ملائمة للحد الأدنى من التواصل يراعي التكتم أو الشفافية .
تأخذ الأزمات في زمن الإعلام والتواصل الإلكتروني منعطفا حاسما، حيث يمكن للويب، برأي تييري ليبايير، أن يخلق الأزمة، كما يمكنه أن يعمقها لكنه بالمقابل بإمكانه تطويقها والحد منها. ذلك أن تطور وسائل الإعلام والتواصل الإلكتروني، خاصة الانتشار المذهل لاستخدام شبكات التواصل الاجتماعي أفرز رهانات وفرضت تحديات جديدة على المنظمات تتعلق أساسا بالأمن المعلوماتي، وبالتداول الواسع للإشاعات والأخبار الكاذبة، وكذلك بتمكن المواطن/المستهلك/الفاعل من التعبير والحضور القوي في الفضاء العمومي بواسطة تملكه لأدوات التواصل الرقمية.
على هذا المستوى يصبح المواطن مخاطبا مباشرا للمنظمات دون وسيط إعلامي أو مؤسساتي، وهو ما يتيح لها التفاعل الآني والمستمر معه عبر العدة التواصلية الإلكترونية التي على المنظمة تنظيمها، وقد يكون هذا جزءا من الحل الذي تتوخاه المنظمة. ونقصد بتلك العدة : الموقع الإلكتروني للمنظمة، مدونات المبادرين لصالحها، علاقتها بالصحافة الإلكترونية والمواقع الإخبارية، ثم حضورها على مواقع التواصل الاجتماعي (صفحات خاصة، منتديات قطاعية مهنية أو شعبية، نقاش عام وتبادل الصور والفديوهات…).
ثانيا: أزمة “مقاطعة المنتجات الاستهلاكية” وتداعياتها : السلطة الخامسة تقود الاحتجاج الشعبي
1. انطلاق شرارة “المقاطعة” وسياقها : من الاحتجاج الافتراضي إلى المقاطعة الميدانية :
ابتداء من 20 أبريل 2018 بدء المواطنون المغاربة يتداولون إعلان/هاشتاغ على الفايسبوك، من دون أن يعرف مصدره، يشير إلى ارتفاع تكلفة بعض المواد الاستهلاكية بالنظر إلى مستوى العيش بالمغرب، دون أن يدعو إلى أي موقف تجاه هذه الوضعية. حيث صيغ الهاشتاغ كالتالي :
مبشرة بعدها تم تصور وتداول هاشتاغ جديد يعلن بالتحديد العلامات التجارية لتلك المواد والمقاولات التي تسوقها. ويتعلق الأمر بمنتجات ثلاث شركات كبرى، هي : “أفريقيا” لتوزيع الغاز والوقود، وماء “سيدي علي” الشركة المصنعة والموزعة للمياه المعدنية- ولماس/سيدي علي”، وشركة “سنطرال دانون” لمنتجات الحليب. صور الهشتاغات المتداولة اتخذت أشكالا من بينها :
صفحات الفايسبوك التي بادرت إلى إعلان الدعوة لمقاطعة تلك العلامات، كما تداولتها وسائل الإعلام، هي “كازا بلا فيزا”، “أكادير فلاي”، “ديما مراكش”، “مول الشكارة”، “مراكش مدينتنا”، “وافو” … هذه الصفحات يتابعها مئات الآلاف من مستعملي الإنترنت. فكرة المقاطعة، بحسب المبادرين هي مواجهة الغلاء المتصاعد لبعض المواد الاستهلاكية واحتكار السوق من قبل مقاولات بعينها. اختيار منتوجات الشركات المعنية دون غيرها تم تبريره بكون هذه المنتوجات يستهلكها جل المغاربة وأن مقاطعة شركة دون غيرها سيضطرها لتخفيض الثمن، ويجعلها نموذجا لثني باقي الشركات على إتباع نفس المنوال إذا لم تريد كساد منتوجاتها .
التركيز على ثلاثة شركات بعينها دون باقي الشركات التي تنتج هي الأخرى مواد استهلاكية أساسية ومشابهة ، جعل الكثير يشكك في نوايا من يدعون إلى المقاطعة، وذلك بالرغم من الانتشار الواسع لحملة المقاطعة. فقد “عارض عدد من النشطاء هذه الحملة، وأكدوا أنها “ليست بريئة” وتخدم فقط مصالح الشركات المنافسة للحليب والماء والبنزين، وتصفية حسابات ليس إلا، خاصة وأنها تأتي على مقربة من شهر رمضان الذي يرتفع فيه مستوى استهلاك الأسر المغربية” . حملة المقاطعة هاته، ليست الأولى من نوعها في المغرب، بل سبقتها قبل ثلاث سنوات مقاطعة شركات الاتصالات الثلاث (إينوي واتصالات المغرب وميديتل)، بعد أن قامت بحذف خدمة الاتصالات المجانية في تطبيقات المراسلات الصوتية “واتساب و فيبر” مما حثها فورا على التراجع جراء الخسائر الفادحة التي تكبدتها بفعل مقاطعة الآلاف من المغاربة لخدماتها .
الآثار الأولية لحملة المقاطعة : لقد بدأت الآثار الوخيمة للحملة تظهر بجلاء عقب نهاية الأسبوع الأول من انطلاقها : حيث شرعت شركة “سنترال دانون” في التخلص من كميات هائلة من حليب الأبقار و تراجع مبيعات شركة توزيع الغاز والوقود، حيث انتشرت صور فوتوغرافية لمحطات الوقود التابعة لشركة “أفريقيا” خالية من السيارات والشاحنات. ثم انخفضت مبيعات الشركة الموزعة لماء “سيدي علي” بل إن أصحاب المقاهي والمحلات التجارية الصغرى باتوا يرفضون عرضها بسبب قلة الطلب عليها وتفاديا لاستفزاز جمهور المقاطعين. كما سجلت بورصة الدار البيضاء انخفاض سعر أسهم شركتي “سنترال دانون” و”أفريقيا” تباعا بنسبة %5.69 و%5.97. علاوة على ذلك، أفاد موقع “المغرب 24” الإلكتروني أن مقاطعة شركة الوقود “أفريقيا للغاز” يكلفها خسارة بنحو 150 مليون دولار يوميا، علما أنها الشركة الأكبر من نوعها والأكثر انتشارا في المغرب .
2. ردود الفعل الرسمية والمهنية تحول “المقاطعة” إلى أزمة حقيقية :
لم تكترث الحكومة بالأمر لأول وهلة، بحيث تجاهلت وسائل الإعلام التابعة للدولة الحملة منذ انطلاقها. غير أن الحدث واكبته الصحف المستقلة الورقية والالكترونية خاصة مع بداية ردود أفعال رسمية مختلفة، حركت الرأي العام المغربي. نذكر منها :
– وصف محمد بوسعيد، وزير الاقتصاد والمالية والقيادي في حزب التجمع الوطني للأحرار، في تصريح بالبرلمان أربعة أيام من إعلان المقاطعة، المواطنين المنظمين لحملة المقاطعة بـ”المداويخ”.
– تصريح عزيز أخنوش، وزير الفلاحة والصيد البحرين والتنمية القروية والمياه والغابات وصاحب شركة إفريقيا للغاز إحدى المقاولات المستهدفة بالمقاطعة، في اليوم الموالي، أن “هناك حوالي 470 ألف فلاح يشتغلون بقطاع الحليب، لن توقفهم دعوة طائشة على الإنترنت لأن وراءهم مسؤوليات اجتماعية”.
– تصريح عادل بنكيران، أحد مسؤولي مجموعة “سنطرال دانون” المستهدفة كذلك من المقاطعة، في أول خروج إعلامي في اليوم السادس من الحملة، أن “الضرب في المنتجات الوطنية خيانة للوطن، وأن شركته لن تتضرر بالمقاطعة على عكس 120 ألف فلاح الذين يتعاملون مع الشركة، لافتا إلى أن هؤلاء سيضطرون إلى إتلاف إنتاجهم من الحليب إن لم تقم الشركة بجمعه منهم، مشددا على أنه مع التنافسية الشريفة، ولكن الحس والمسؤولية الوطنية يجب أن تكون قبل كل شيء”.
– وصف ديديي لومبلان، المدير العام لمجموعة «سنترال دانون»، ورئيس اتحاد منتجي الحليب بالمغرب، الحملة ضد شركته بـ«الإرهاب الإلكتروني»، مشيراً إلى أن الحملة موجودة فقط في العالم الافتراضي.
– تصريح مريم بنصالح رئيسة شركة “ولماس” المنتجة للمياه المعدنية “سيدي على” بأن أصل المشكل يرجع لعدم استجابة الحكومة لطلب خفض الضريبة على القيمة المضافة من 20% إلى 7%.
– صمت الحكومة وعدم الكشف عن موقفها الرسمي من المقاطعة ومن التصريحات المحرجة لبعض أعضاءها. حيث أعلن الناطق الرسمي للحكومة مصطفى الخلفي لوسائل الإعلام يوم 26 أبريل بأن “الحكومة لم تناقش موضوع المقاطعة، خلال اجتماع المجلس الحكومي . أعقب ذلك مساءلة أحد نواب المعارضة في مجلس النواب وزير الحكامة حول موقف الحكومة من المقاطعة وتصريحات وزير المالية والاقتصاد، التي اعتبرها النائب “سبا وشتما” للمقاطعين المغاربة” .
– تلويح الحكومة بالخيار الأمني لمواجهة الحملة التي وصفتها بأنها تستند إلى معطيات مغلوطة. فقد ذكر مصطفى الخلفي الناطق الرسمي باسم الحكومة عقب اجتماعها الأسبوعي في 10 ماي 2018 “إن ترويج ادعاءات أخبار زائفة مخالف للقانون، ولا علاقة له بحرية التعبير لأن ترويج الأخبار الزائفة يضر بالاقتصاد الوطني”.. .
– مشاركة لحسن الداودي، الوزير المكلف بالشؤون العامة والحكامة، في الوقفة الاحتجاجية التي نظمها عمال شركة “سنطرال” أمام مقر البرلمان، “وَرَفْعِهِ إلى جانب المحتجين شعارات مُناوئة للحكومة والمُقاطعين”. وقد اعتبر هذا السلوك اللافت لمسؤول حكومي كونه سابقة في التاريخ السياسي المغربي حيث يخرج فيها وزير للاحتجاج في الفضاء العام على حق شعبي وحرية في اختيار أي منتوج يستهلكه في اقتصاد حر، مما يظهر انحيازاً كلياً لشركة واحدة دون الأخريات وهي ملكية خاصة وليست عمومية.
كل هذه التعابير الرسمية سواء من قبل بعض أعضاء الحكومة أو من ممثلي الشركات المستهدفة بالمقاطعة حملت في طياتها مواقف وخطابات متضاربة و”مستفزة” أحيانا للمواطنين المقاطعين، أججت الوضع عوض احتوائه. وذلك من خلال المظاهر التالية :
– إلصاق المواطنين المقاطعين بأوصاف غير لائقة من قبيل : “المداويخ” (غير العاقلين) و”الخيانة للوطن” و”الإرهاب الإلكتروني”، و”الطيش”.. مما تتداول على أنه شتم وتجريح.
– صمت الحكومة في البداية وكأنها لا تكترث للأمر، ثم تلويحها بالخيار الأمني لصد المحتجين، وإعلان اصطفافها إلى جانب الشركات موضوع المقاطعة، وهو ما اعتبر موقفا غريبا للحكومة تجاه المواطنين وكأنها لا تهتم لمصالحهم.
– تحذير الحكومة للمقاطعين من مغبة ترويج إدعاءات ومعلومات زائفة واتهامهم بإلحاق الضرر بالاقتصاد الوطني.
عقب ردود الفعل الرسمية والمهنية هاته التي لم تستطع احتواء الأمر، اشتدت انتقادات المواطنين عبر شبكات التواصل الاجتماعي التي أصبحت “حليفا” للمواطن خلال فترة المقاطعة. صفة الأزمة لازمت حملة المقاطعة. بل بالعكس من ذلك تحولت تصريحات ومواقف المسؤولين إلى مواضيع خصبة للتداول، تفتقت فيها أساليب الإبداع لدى المواطنين الذين وجدوا في شبكات التواصل الاجتماعي بالأخص فايسبوك و يوتوب و واتساب سندا كبيرا لتعبيراتهم الجدية بالطبع لكن الملفوفة أحيانا كثيرة بمختلف أشكال الفكاهة والسخرية وبمختلف أنواع التعبير : شعر، راب، غناء وأهازيج شعبية … حيث اعتبر العديد من المغاربة برأي وسائل الإعلام “أنهم وجدوا في المقاطعة سلاحا جديدا تعجز السلطات عن مواجهته. فالتعبئة لهذه الحملة والتحريض على المقاطعة يجريان على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي دون الحاجة إلى النزول إلى الشارع للاحتجاج والمجازفة بمواجهة عصي قوات الأمن وحفظ النظام. وأضحت المقاطعة بالنسبة لهم وسيلة ضغط مشروعة من أجل تفعيل رقابة شعبية على سوق الاستهلاك، وحماية القدرة الشرائية للمواطن” .
تجدر الملاحظة هنا أن مشاركة وزير الحكامة في الاحتجاج بالشارع العام ضد المواطنين المقاطعين عرضه لغضب شديد وموجة من الانتقادات الحادَّة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وصلت حدَّ إطلاق عريضة ونداءات مُوجهة إلى الملك محمد السادس للمطالبة بإقالته وعزله من منصبه الحكومي. فقد جاء في النداء/العريضة الذي تم تداوله على نطاق واسع عبر الوسائط الاجتماعية :”بين مداويخ وجياع ومجهولين تعددت المهانات يا جلالة الملك، وكل ذنب شعبك أنه لم يحتج في شارع ولم يرفع صوتاً بنداء جارح بل فعل كما يفعل السباقون إلى التطور والحداثة وطالبوا من وضعت فيهم ثقتك ليهتموا بشؤون البلد أن يترفقوا بجيوب الفقير”.
ومن تم فقد انتقلت المطالب الشعبية من مجرد إعادة النظر في أسعار بعض المواد الاستهلاكية إلى مطالب سياسية بامتياز تروم ملاءمة الأداء الحكومي وانتظارات المواطنين. وهو ما أعطى لحملة المقاطعة مشروعية شعبية جديدة لم تكن في حسبان أعضاء الحكومة ولا مسؤولي الشركات المعنية. حتى أن عددا من الفنانين انضموا إلى جمهور المقاطعين. علما “أن القانون الدولي والقانون الدستوري المغربي يحميان حرية التظاهر والاحتجاج السلمي في جميع صيغه وأشكاله وأنواعه ومظاهره، بما في ذلك شكل المقاطعة طبقا لديباجة الدستور ومادته 29”.
الآثار : لقد فاقت نتائج وآثار المقاطعة كل التوقعات وباتت أزمة وطنية تنوعت مظاهرها. فلم يكن لأحد أن يقدر حجم الخسائر والآثار الوخيمة التي تكبدتها الشركات المستهدفة وكذا سمعة بعض الشخصيات العمومية المنتسبة لها أو المتعاطفة معها. إذ نسجل أهم مظاهر تلك الآثار فيما يلي :
– اعتراف وزير الحكامة أن “حملة المقاطعة زرعت الرعب في نفوس المستثمرين الأجانب، الذين لن يغامروا بسمعتهم، وهو ما يهدد الاستثمارات في المغرب” .
– بلغت خسائر شركة الحليب ومشتقاته “سنطرال” حسب توقعها إلى 15 مليارا سنتيم أي ما يعادل 150 مليون درهم . فقد أعلنت الشركة في بيان لها عن “انخفاض أرقام معاملاتها بما يقرب 50%، إضافة إلى تسريحها لألف (1000) من المستخدمين لديها وفك ارتباطها بمئات الفلاحين”.
– انخفاض أرقام معاملات لشركة “والماس” المالكة لمياه “سيدي علي” حسب موقع “لوبورسيي” بقيمة صافية وصلت 89 %، واتهام الشركة بالتهرب الضريبي(عربي بوست).
– إلحاق أضرار بالسمعة الشعبية والرصيد السياسي لشخصيات حكومية (بوسعيد، وزير الاقتصاد والمالية – أخنوش، وزير الفلاحة – الداودي،وزير الحكامة – يتيم، وزير الشغل…).
– ارتفاع درجة التوتر والتراشق داخل البرلمان بين أعضاء حزب العدالة والتنمية الذي يقود الائتلاف الحكومي وحزب التجمع الوطني للإحرار، المشارك في الحكومة، والذي يرأسه عزيز أخنوش وزير الفلاحة ومالك شركة “أفريقيا” لتوزيع الوقود المستهدفة كذلك من المقاطعة.
– سيادة شعور لدى الرأي العام بالتوجس و بعدم الثقة جراء الضبابية التي تلف الأزمة وكذا الخطابات المتضاربة المواكبة لها.
ثالثا : المنشآت المغربية الثلاث وتمرين إدارة أزمة “المقاطعة” : تقييم الأداء التواصلي والإعلامي
تجمع النظريات المرجعية على أن إدارة الأزمات هي من صميم إدارة المنظمات. وأن الجانب الإعلامي والتواصلي هو عنصر استراتيجي مندمج في التسيير سواء خلال الفترات العادية أو المتأزمة في حياة المنظمة. إن وضع خطة لإدارة الأزمات يمنح المنظمة وسيلة لاستشعار أزمات محتملة والإعداد لها والرد عليها والاستفادة منها. كما يتيح قواعد مرجعية تؤطر العمل خلال المراحل المضطربة والمتأزمة، وتجنب آثار الذهول من الأزمة وتسهل التعامل السريع والمتناسق مع مظاهرها .
1. تحركات المنشآت المعنية والحكومة لاحتواء أزمة “المقاطعة” : الإجراءات التواصلية والإعلامية
تجدر الملاحظة أن الشركات المعنية لم تترك أي مجال للاطلاع على أسلوب إدارتها لأزمة المقاطعة. حتى أن مواقعها الإلكترونية بدت وكأنها تمر بفترة عادية. لكن نستشف بعض ملامح إستراتيجية تواصلها تارة في تعابيرها وتفاعلها في الفضاء العام وتارة في صمتها. إذ نسجل تجليات تفاعل الشركات المعنية بالمقاطعة مع المواطنين من خلال الإجراءات التالية :
 نشر بلاغ لشركة الحليب “سنطرال”، تعتذر فيه رسميا للمواطنين عن التصريحات المسيئة لهم من طرف منتسبيها، وأعلنت بالتالي تخفيضها لأثمان الحليب .
 إطلاق شركة الحليب “سنطرال”، حملة إشهارية/مؤسساتية في وسائل الإعلام العمومية للتصالح مع المواطنين، وظفت فيها وجوه متعددة لعمال الشركة دون المسؤولين.
 إطلاق حملة وطنية للتشجيع على استهلاك الحليب والتعريف بمزاياه. توزيع “دانون” بالمجان .
 تنشيط صفحة «سانطرال/دانون» على الفايسبوك للتواصل المباشر مع المواطنين.
 تنظيم زيارات للمواطنين لمصانع “سانطرال/دانون” في المدن المغربية بين الساعة العاشرة صباحا والخامسة مساء من الإثنين إلى الجمعة.
 إعلان استمرار تضامن الحكومة مع شركة “سانطرال دانون”، ومن خلالها مع قطاع إنتاج الحليب، في مواجهة الحملة التي تستهدفها.
 إشراك عديد من الناشطين في الفايسبوك، منهم مثقفون وفنانون، لدعم شركة الحليب “سنطرال دانون” ضد ما اعتبر تحاملا ضدها. وقد كان هذا الأمر موضوع نقاشات ساخنة على مواقع التواصل الاجتماعي، جرت على أصحابها بعض الانتقادات.
 نشر بلاغ للمجلس الإداري لشركة “والماس” المنتجة والموزعة للمياه المعدنية “سيدي على” تشرح فيه سياسة الإنتاج و الأسعار، مع عرض نتائجها المتضررة جراء المقاطعة. ثم إعلان تخفيض “رمزي” للأسعار.
 مبادرة الحكومة في إنعاش مجلس المنافسة، الهيئة الدستورية، بتعيين مدير جديد له. ثم مراجعة أسعار الوقود بتخفيضها في انتظار تسقيفها.
 على العكس من هذا، استمرت شركة “أفريقيا” لتوزيع الوقود في صمتها المطبق، وعدم التفاعل المطلق مع خطابات المقاطعة.
2. تقييم الأداء التواصلي والإعلامي للمنشآت المعنية خلال أزمة “المقاطعة”
بحكم تشابك خيوط أزمة المقاطعة و تعدد الأطراف المعنية والمتدخلين فيها وكذا حجم التضرر منها، فقد كان من الطبيعي أن تختلف أساليب الشركات الثلاث المستهدفة في الرد التواصلي والإعلامي على أزمة المقاطعة. فقد ظهرت شركة “سنطرال دانون” على أنها الأكثر استعدادا لمواجهة الحملة مقابل تلكؤ شركة “ولماس” وصمت شركة “أفريقيا”.
ويمكن تقييم الأداء التواصلي والإعلامي للمنشآت المعنية في أزمة “المقاطعة” من خلال مجموعة من الملاحظات :
 على مستوى ردة الفعل : الاستخفاف بالحملة و اللامبالاة والهجوم على القائمين عليها والمساندين لها هو ما ميز ردة الفعل الأولية على الحملة. وهو ما يعني الاصطفاف والتموقع ضد مصلحة من يشكلون سبب وجود تلك المقاولات أي الزبناء والمستهلكون. عدم الإنصات مبكرا لهم أو لبعضهم نقض الارتباط “العضوي” بين المقاولات الثلاث وشركاء أساسيين في علاقات الإنتاج. وبالتالي لم يعد هناك أي مبرر للثقة بين المقاولات الثلاث من جهة التي اختارت التقوقع حول مصالحها الذاتية فقط والمواطنون المقاطعون بصفتهم زبناء ومستهلكون من جهة ثانية، والذين أحسوا بالازدراء وبأن لا مكانة لهم في حسابات بل في قيم تلك الشركات التي أظهرت من خلال سلوكها أنه لا يهمها سوى الربح ولا شيء غير الربح المادي.
يرى دي فيتو و تراملي ، أن السلوك التواصلي هو إرادي (intentionnel) وغير قابل للرجعة (irréversible) وهي قاعدة تؤكد أن ما يصدر سلبيا عن الأشخاص يصعب التغاضي عنه أو مسامحته. وهو ما يفسر ارتفاع التعبئة وبالتالي حدة المقاطعة نتيجة الغليان الذي عرفته مختلف التعابير حول المقاطعة في شبكات التواصل الاجتماعي، التي انتقلت من معركة ضد أسعار المواد التجارية إلى معركة ضد أشخاص ومؤسسات. لقد سلكت الشركات المستهدفة منذ البداية تارة “سياسة النعامة/اللامبالاة” وتارة أخرى “الهروب إلى الأمام/ الهجوم والاستخفاف”، فلم توفق في احتواء الأمر.
 على مستوى التفاعل مع تطورات الأزمة : تحول المقاطعة من مجرد حملة عادية إلى أزمة حقيقية كانت وراء حالة الارتباك الذي أصاب الشركات المعنية. نتائج المقاطعة كانت بمثابة كارثة غير متوقعة حركت وعي الشركات التي بادرت بإيقاعات مختلفة إلى تدارك هفواتها التواصلية. شركتا “سنطرال دانون” و”والماس ” فضلتا الانحناء للعاصفة والتجاوب بإعلان تخفيض ولو رمزي لأسعار منتجاتهما موضوع المقاطعة، مع إطلاق حملة تواصلية تجاه المواطنين والرأي العام. مما اعتبر تسليما بنجاح الحملة من قبل تلك الشركات، في الوقت الذي استمرت شركة “أفريقيا” في صمتها. الشيء الذي برر تراجع الهجمات نسبيا في الفضاء الافتراضي ضد شركتي “سنطرال دانون” و”والماس”، ومواصتلها ضد شركة “أفريقيا” بل أكثر ضد مالكها عزيز أخنوش، وزير الفلاحة والصيد البحري.
 على مستوى توظيف آليات التواصل وتدبير الخطاب : عدى شركة “أفريقيا” التي أبقت على موقعها الإلكتروني في صيغته الإشهارية/الإعلانية دون أي اكتراث بالأمر ، فإن شركة “والماس”وظفت جزئيا موقعها لنشر، على الأقل، بلاغها السابق الذكر حول نتائجها عقب حملة المقاطعة ، دون أية مبادرة تواصلية أخرى مواكبة للتخفيض الجزئي لأسعارها تجاه المواطنين/المقاطعين.
على العكس من ذلك، ظهرت شركة “سنطرال دانون” أكثر انفتاح تجاه المواطنين، ولو بشكل متأخر، سواء في الفضاء الافتراضي عبر الموقع الإلكتروني المسمى (حليب بلادي) أو شبكات التواصل الاجتماعي : فايسبوك بالأخص وكذلك في الفضاء العام/الشارع. أظهرت الشركة جرأة وشجاعة لأنها قبلت مواجهة الموقف بإيجابية عوض التخفي. فكانت النتيجة أنها امتصت غضب المقاطعين: أولا، باختيار التوجه نحوهم بأساليب تواصلية مباشرة وبمضامين إخبار بعيدا عن شبح المقاطعة، ثانيا، بتقبل الانتقادات على صفحتها في الفايسبوك والتعامل معها بسعة صدر . ينم هذا السلوك عن نية وإرادة للانخراط في علاقة جديدة مع الرأي العام ومع المستهلكين لتدارك الرصيد التاريخي الذي كانت تنعم به شركة “سنطرال دانون” في المجتمع المغربي لسنين طويلة. هنا عامل الزمن يبقى هو الفيصل في إمكانية طي صفحة المقاطعة أم استمرار طيفها. كذلك عنصر بناء الثقة سيتطلب جهدا كبيرا من قبل الشركة المستهدفة لتغيير تمثلها وصورتها الاجتماعية لدى الرأي العام والمستهلكين.
استنتاجات و توصيات
التسرع في إطلاق التصريحات “الطائشة” وغير المحسوبة العواقب لبعض مسؤولي المقاولات المغربية الثلاث إبان حملة المقاطعة الشعبية لمنتجاتها يبرز عدم استعدادها لمثل هذه الطوارئ. وأن الارتباك الذي أصابها يؤكد فرضية عدم توفرها على خطط قبلية لاستشعار أو استباق الأزمات. وبالتالي فإستراتيجية الرد التي اختارتها تلك المقاولات والتي تنوعت بين الصمت الكلي والانفتاح الواسع على الجمهور لم تستطع الحسم في وقف المقاطعة أو حتى الحد منها إلا بعد إعلان بعض التخفيضات ولو الطفيفة/الرمزية للمواد موضوع المقاطعة. ما كان ينتظره جمهور المقاطعين هو أن يهتم أحد بندائهم، أي أن يتحاور/يتواصل معهم بوصفهم شركاء، لكن غض الطرف عن هذا الطلب بوعي أو بدون وعي كلف شركات عملاقة ما لا يمكن أن تنساه. الاستخفاف بالأزمة لم يكن البتة سلوكا مهنيا حكيما، وعليه تجدر الإشارة إلى أن إدارة الأزمات يجب أن تندمج في ثقافة المنظمات بتخطيط دقيق.
وللعمل مستقبلا بمنطق التفكير الاستراتيجي الاستباقي، تفاديا لأزمات فتاكة مفترضة، نقترح في هذا الصدد خطة من ستة عناصر، فصلها كريستوف رو- دوفور كالتالي :
– أولا: نشر ثقافة الأزمة بين العاملين داخل المنظمة. يتعلق الأمر بقواعد سلوكية تنبع من حالة ذهنية ملائمة لمواجهة الأزمة بهدوء.
– ثانيا : إنشاء خلية الأزمات التي سيكون دورها قيادة تدبير الأزمة عند اندلاعها.
– ثالثا : وضع عدة سيناريوهات مرجعية و ربطها بخطط شاملة للرد. يتم استخدام أربعة مناهج لبناء السيناريوهات : 1. المنهجية التاريخية (La méthode historique) المبنية على المواصفات الكبرى المميزة للقطاع ؛ 2. منهجية المحافظ المنظمة (La méthode des portefeuilles organisés) حول تصنيف للأزمات السابقة ؛ 3. المنهجية الجدلية (La méthode dialectique) التي ترتكز على مساءلة التيارات المفترض وجودها داخل المنظمة ؛ 4. المنهجية المجازية (La méthode métaphorique) الناتجة عن مواجهة المقاولة لنماذج من الأزمات العميقة. ويمكن تقييم هذه السيناريوهات باستخدام معيارين: تكرار حدوثها وشدتها المحتملة.
– رابعا : إعداد إﺳﺗراﺗﯾﺟﯾﺔ اﻟﻌﻼﻗﺎت اﻟﻌﺎﻣﺔ ووسائل اﻹﻋﻼم ﻹﺑﻘﺎء المعنيين اﻟرﺋﯾﺳﯾﯾن بالأزمة ﻋﻟﯽ ﻋﻟم ﺑمجريات الأمور، و لتسجيل الحضور في الفضاء اﻹﻋﻼمي.
– خامسا : إعداد دليل إدارة الأزمات ودليل الطوارئ، حيث يتضمن جميع السيناريوهات المرجعية والردود المرتبطة بها. كما يحتوي الدليل على عناوين كل الأشخاص الواجب للاتصال بهم.
– سادسا : تدريب العاملين، ومحاكاة سيناريوهات معينة لخلق الوعي واختبار الإجراءات، مع تقييم ردود فعل التجارب من أجل تراكم المعرفة والتعلم بشأن الأزمات “.

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

إغلاق