مقالات الرأي

عمر الهواوي يكتب.. أين النخب ؟

 

إن إيماننا بقضية التغيير وحتميته وضرورته تجعلنا نتساءل عن دور النخبة المثقفة فيه، خاصة إذا علمنا أن التغير هو قيمة كونية، لا يقوم بها ذوي القلوب الضعيفة، لأن الأمر يتطلب قوة وشجاعة، ونوعية خاصة لها مميزات خاصة. فحتى الأمم في حركتها الحضارية صعودا ونزولا وانهيارا، لا تحركها الجماهير والعامة، بل تقودها نخبة سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية وعلمية؛ إما نحو النهضة والتقدم وتحقيق أهدافها، وإما نحو الانهيار والسقوط في التخلف. فأي دور للنخبة في عملية التحول الديمقراطي ونشر الوعي من اجل التغير المنشود في بلدنا العزيز؟ دعونا أولا نلاحظ من خلال الأحداث الجارية والسابقة، أن هناك غياب أو تغيب مخيف وصادم للنخبة، في القيام بدورها الطلائعي في تغيير المجتمع، وتخليصه من شرك الانحطاط والاستبداد.

وبعيدا عن الاختلافات والنقاشات وتضارب وجهات النظر حول الأسباب والعوامل التي أدت إلى هذا الوضع الشاذ، فالمجمع عليه، هو أن سلوك النخبة سلوك انتهازي، قائم على ممارسة واعية ممنهجة للاستفادة من الظروف، وقطف الثمار في اللحظة المناسبة. لذلك نجد أن أغلب القراءات التي تقارب المجال السياسي، أصبحت ترى بأن أزمة السياسة في المغرب ترتبط بأزمة النخب، وهو وضع بقدر ما يؤدي إلى القلق فهو يؤدي إلى الخوف من المستقبل القريب، خاصة إذا علمنا أن أية عملية تغيير يقودها الشارع الفاقد للأهداف المتوخاة قد تؤدي إلى احتمال الفوضى.

نعم يمكن للشارع أن يأخذ المبادرة للاحتجاج وللتعبير عن الغضب، لكن مسؤولية إدارة المراحل الانتقالية بتعقيداتها وإكراهاتها والنجاح في صناعة التحول نحو المرحلة الديمقراطية، تقع بالـدرجة الأولـى على عاتق النخب السياسية من مختـلف التيـارات السياسية والتوجهات الفكرية، وهذا ما افتقدناه ونفتقده للأسف الشديد.

وفي اعتقادي الشخصي فإن القضية الأولى التي تحتاج إلى تقييم ودراسة في حديثنا عن الإصلاح المنشود، تتمثل في ضرورة توفر نخبة متماسكة، ذات أيديولوجيات وسلوكيات ديمقراطية في سياق إصلاحي، مستعدة للتضحية، ومقتنعة بضرورة التغير بما تمثله من مكانة اجتماعية وسياسية مرموقة قد تشكل مسار التحول الديمقراطي فالنخبة الجادة والملتزمة بروح التغيير والديمقراطية ولغة الكفاءة والمحاسبة والصالح العام.

أي النخب النزيه، هي وحدها الكفيلة بتحويل المجتمع -واستثمار تنوعه وإمكاناته وفكره ومؤسساته-إلى عملة حضارية راهنة قابلة للصرف والتداول وترجمة بنود حقوق الإنسان ومواد الدستور وقواعد الحريات، إلى حقيقة على أرض الواقع. لأن دور النخبة الحقيقي هو القدرة على صنع القرار وتوجيه المواطنين إلى القيم الاجتماعية التي تؤمن بها. صحيح أن التغير هو مسؤولية الجميع، لكن النخب الدينية والاكاديمية والاجتماعية وغيرها، يجب أن تتحمل المسؤولية الأكبر لأن أولى مهام المثقفين هي إزعاج السلطة كما يقول جان بول سارتر.

وأخيرا أقول أن انغلاق النخبة على نفسها، وعدم اهتمامها بمتابعة التغيرات والأحداث الكبرى التي تجري في عالم اليوم وطنيا وإقليميا ودوليا سيؤدي حتما إلى فشل كل المشاريع بل قد يؤدي إلى الفوضى التي لن تميز بين الأخضر واليابس.

عمر الهواوي طنجة 18/09/2019

مقالات ذات صلة

إغلاق